Reading Time: 5 minutes

في عام 2015، قام جُرذ بجر قطعةٍ من البيتزا مماثلة لحجمه على سلم محطة لقطار الأنفاق في مدينة نيويورك، ونال بسبب ذلك تعاطف واهتمام الناس في كافة أنحاء العالم. مثّل فأر البيتزا بالنسبة لنا الكثير من غرائزنا الأساسية – غريزة البقاء على قيد الحياة في عالم قذر، أشبه بقطعة من الجحيم، وحب الإقدام على المغامرة، والحياة على حافة الخطر، والرغبة في الإفراط في تناول البيتزا لحد التخمة. لقد عزز هذا الحيوان القارض مكانته بقوة كأحد مشاهير الإنترنت لدرجة أنه عندما شُوهد فأر آخر بشريحة بيتزا في العام الماضي، حصل على الفور على تغطية واسعة في الأخبار المحلية.

حصلت المدن في جميع أنحاء البلاد على نصيبها العادل من مشاكل الإصابة بالآفات، لكن الفئران في نيويورك بطريقة أو بأخرى تبدو أكبر حجماً، وأغلظ طباعاً، وأوسع انتشاراً من أي شيء آخر. فنراها تختبئ داخل ماكينات بيع تذاكر المترو، وتقفز في عربات الأطفال، لدرجة أنها أصبحت هدفاً لمجموعات صائدي المكافآت من الأهالي الذين يخرجون في الليل لصيد أكبر عدد من الفئران، ويدعمها بالطبع الانتشار الواسع للشخصية الكرتونية (الفأر سكابي Scabby the Rat) على أرصفة شوارع المدينة، وهو عبارة عن بالون ضخم منفوخ بالهواء على شكل فأر، يمثّل رمزاً لاحتجاج النقابات العمالية في نيويورك.

قد لا يعرف سكان نيويورك أن التغيُّر المناخي ربما يكون له دور في جعل التخلص من هذه الفئران أمراً في غاية الصعوبة.

تُظهر بعض الإحصائيات أن مدينة نيويورك هي ثاني أكثر مدينة موبوءة بالفئران على مستوى الولايات المتحدة، وقد تفاقمت المشكلة بشكلٍ أكبر في الأعوام الأخيرة. تُظهر البيانات أنه في عام 2010 تم الإبلاغ عن أكثر من 10500 شكوى متعلقة بالفئران من خلال رقم خط  الشكاوى في المدينة 311، وفي غضون سبع سنوات، تضاعف عدد الشكاوى تقريباً، ليبلغ أكثر من 19 ألف شكوى بحلول نهاية عام 2017. لكن استغرق الأمر مدة طويلة قبل أن يبدأ المسؤولون في بحث تأثير ارتفاع درجات الحرارة على زيادة أعداد الفئران.

في البداية، حشدت المدينة عدداً كبيراً من المفتشين الصحيين في عام 2014، وجربوا كل شيء من إطلاق المزيد من القطط في الشوارع إلى نشر مواد تعمل على تحديد النسل لدى الفئران. وعلى الرغم من هذه الجهود ازدادت الشكاوى من الفئران بشكلٍ مستمر، لذا قررت المدينة الانتقال إلى المستوى التالي. وقام المسؤولون بتوظيف كادر من العلماء للبحث في أنماط تكاثر الفئران في جميع أنحاء المدينة لمحاولة السيطرة على تزايدها المستمر، ووعد عمدة المدينة «دي بلازيو» بتقديم 32 مليون دولار في عام 2017 لمحاربة الفئران في الأحياء الموبوءة خاصة في برونكس وبروكلين ومانهاتن السفلى، وتعهد بخفض انتشارها في هذه المناطق بنسبة 70%.

لوحة جدارية في حي سوهو بمدينة نيويورك.
حقوق الصورة: لودوفيك بيرترون

تضمنت طرق الإبادة المتزايدة التي استعملتها المدينة تجربة وسيلة لطرد الفئران من جحورها باستخدام دخان الثلج الجاف، جنباً إلى جنب مع استخدام تقنيات تقليدية أكثر. أدت هذه الحرب على الفئران إلى بعض الأحداث الإعلامية الغريبة، مثل عقد مؤتمر جماهيري في أبريل الماضي لعرض عملية التخلص من الفئران باستخدام الغاز بشكل عملي، حيث التقطت صورة «دي بلازيو» وهو يهنئ أحد العمال، بينما تهلك هذه الحيوانات أمامهم. وصرح «دي بلازيو» أثناء البث المباشر لهذا الحدث “نريد أن نجعل أعظم مدينة على وجه الأرض أسوأ مكان يحيا فيه فأر”.

على الرغم من تضافر الجهود للحد من انتشار هذه الآفة، فمن المحتمل أن يخسر العمدة تلك المعركة. يقول الخبراء الآن إن التغير المناخي قد يمنح الفئران الميزة التنافسية التي تحتاج إليها ليس فقط للبقاء على قيد الحياة، بل لنمو أعدادها بشكلٍ، لم يسبق له مثيل.

في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال هذا الشهر، أبدى المسؤولون في المدينة تفاؤلاً حذراً بشأن جهود الحد من انتشار الفئران، وأشاروا إلى نتائج واعدة خاصةً في الأحياء الموبوءة بالفئران والتي كانت أهم الأماكن التي استهدفتها الحملة. لكنهم أعلنوا أن خفض إجمالي عدد مكالمات الشكاوى ربما كان أمراً خارجاً عن سيطرتهم جزئياً. حيث قالت نائبة عمدة المدينة «لورا أنجلين» للمجلة: “نحن  بحاجة إلى ثلاث أسابيع من الطقس تحت درجة التجمّد لمنع الفئران من الخروج من جحورها للحصول على الغذاء”.

في حين تتكاثر فئران المدينة طوال العام، فإن عملية تكاثرها تتباطأ عادة خلال الأشهر الباردة، ومع تغير المناخ يصبح الشتاء أكثر دفئاً، ما يدفع الفئران إلى التكاثر بشكلٍ أكبر. يقول «روبرت كوريجان» خبير الفئران الذي استشارته المدينة بشأن محاولات الإبادة: “استمرار الفئران في التكاثر في فصل الشتاء يعد أمراً غير منطقياً نظراً لندرة الطعام والبرودة الملحوظة في درجات الحرارة وكلها عوامل تشكل تهديداً كبيراً لنسلها خلال تلك الفترة من العام”.

جهود مكافحة الفئران في مترو الأنفاق  في مدينة نيويورك، عام 2008. حقوق الصورة: بول لوري

 

قد يساعد الشتاء الأكثر دفئاً الفئران على الإنجاب مرة أو مرتين إضافيتين في غير موسمها. في فبراير، سجلت الهيئات التنظيمية 1494 شكوى وهو أعلى معدل تم رصده في عام 2017، وتزامن ذلك مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة في سنترال بارك إلى 42 درجة فهرنهايت. في حين بلغ المتوسط التاريخي لدرجات الحرارة لشهر فبراير في هذا المكان حوالي 35 درجة فهرنهايت فقط.

بطبيعة الحال، تعد درجة الحرارة مجرد عامل واحد من العوامل المؤثرة في تكاثر الفئران، وأكّد «كوريجان» أنه لا توجد دراسات علمية تربط بشكل نهائي زيادة أعداد الفئران بتغيّر المناخ. لكن في الحرب ضد الفئران، فإن التنازل عن شبر واحد قد يعني فقدان ميل. وقال «كوريجان»: “إذا منحنا هذه الحيوانات ميزة طفيفة، تدعم قدرتها على التكاثر، فسيُحدث ذلك فرقاً”. ومع حقيقة أن السنوات الأربع الماضية كانت السنوات الأكثر دفئاً على الإطلاق التي تم تسجيلها، فإن «كوريجان» يُحذّر من أن هذا قد يكون الوضع الطبيعي الجديد.

منذ تقمص «دي بلازيو» دور قاتل الفئران في العام الماضي، انخفض قليلاً عدد مكالمات الإبلاغ عن مشاهدات الفئران  أثناء أشهر الشتاء. لكن حذّر «كوريجان» من أن الأمر قد يستغرق بضع سنوات حتى نتمكّن من الحكم على مدى فعاليّة جهود الإبادة، خاصة وأن الأدلة تشير إلى أن بعض مجموعات القوارض تزدهر فترات تكاثرها في شكل دورات مشابهة لما يحدث لحشرة السيكادا.

المُعلم «سبلينتر» الزعيم الروحي لسلاحف النينجا، وواحد من قدامى سكان نيويورك. مصدر الصورة: Giphy

 

هناك الكثير من الأسباب التي تدفعنا لمحاولة كبح انتشار هذه الكائنات في نيويورك: فالجُرذان هي الناقل المباشر وغير المباشر للعديد من الأمراض، فهي تحمل القمل والعثً، ويمكنها أن تدمّر الأسلاك، وتبعثر القمامة. وباستمرار ارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم، يحق لنا أن نتساءل عن وسيلة ما لإنقاذ نيويورك وغيرها من المدن من نهاية العالم كما نعرفه بسبب الفئران؟ هل سكان نيويورك محكومٌ عليهم أن يكونوا ضيوفاً في مدينتهم، وأن يُجبروا على التنحي جانباً وترك الفئران تستولي على السفينة؟ هل كان فأر البيتزا مجرد نذيرٍ لعصر القوارض القادم؟

رد «كوريجان»، وهو يضحك “هذا سؤال قيمته 60 مليون دولار”. وأشار إلى أن معالجة مشكلة جبال القمامة في شوارع نيويورك هي المفتاح لإتاحة قدر أقل من الغذاء للفئران، وأشاد بجهود المدينة في استخدام العلم لتحديد أفضل السبل لتوجيه ضربة قاضية قدر الإمكان لتكاثر الفئران. وقال: “هناك العديد من المدن حول العالم التي ستقول ما عليك سوى شراء أكبر قدر ممكن من سم الفئران ونشره على أوسع نطاق. ربما ستنجح في قتلها بالفعل، لكن ستفاجأ بعد ذلك بحدوث ردة، حيث تعود للانتشار من جديد مرة بعد أخرى”.

كتبت «مولي تافت» هذه المقالة ونُشرت في Nexus Media، وهي وكالة إخبارية مُشاركِة للمحتوى تغطي أخبار المناخ والطاقة والسياسة والفن والثقافة. يمكنك متابعة حساب الكاتبة على تويتر عبر @mollytaft.