Image

استطاع الباحثون باستخدام الرحلات الافتراضية تجربة آلاف السيناريوهات في نفس الوقت، واستفادوا من إمكانية تسريع وقت الاختبارات.

Bread assortment شاحنة ذاتية التحكم من درايف أيه آي.
مصدر الصورة: درايف أيه آي

بدأت السيارات ذاتية التحكم بالتجول في شوارع العالم الحقيقي، حيث تعمل على سبيل المثال سيارات “وايمو” ذاتية القيادة على توصيل الركاب في فينيكس في أريزونا، كما أن شركة تسمى درايف أيه آي تقوم بتشغيل نظام سيارة ذاتية التحكم لنقل الركاب في قسم من فريسكو في تكساس.

لا شك في أهمية الوقت الذي تمضيه السيارات على الطرقات الحقيقية، ولكن مهندسي هذه السيارات يمتلكون أسلوباً آخر، فهم يختبرون برمجياتهم عن طريق المحاكاة وتجربة عدة سيناريوهات على السيارة في العالم الرقمي، لرؤية تقدير تقريبي لأدائها على إسفلت العالم الحقيقي.

وقد أعلنت على سبيل المثال شركة درايف أيه آي مؤخراً أنها أجرت عمليات محاكاة على مسارها في فريسكو في تكساس، بإجمالي مسافة يصل إلى 1.6 مليون كيلومتر، قد يبدو هذا الرقم كبيراً، ولكنه يتضاءل أمام ما حققته وايمو (وهي مشروع جوجل للسيارات ذاتية القيادة)، فقد حققت عمليات محاكاة بإجمالي يصل إلى 8 مليار كيلومتر، ومن الجدير بالذكر أن درايف أيه آي لم تكشف عن إجمالي المسافة لجميع المسارات.

ولكن ما هذه الكيلومترات الافتراضية، وماذا يعني قطع مسافات شاسعة منها؟

يقول كا سينج تاي (نائب رئيس الهندسة في شركة درايف أيه آي) إن هناك نوعين من المحاكاة؛ النوع الأول يقوم فيه المهندسين بتشكيل السيناريو الذي يرغبون في تجربة برنامج القيادة فيه، بشكل أشبه بلعبة الفيديو. يقول تاي: “يمكنك بشكل أساسي أن تصيغ سيناريو المحاكاة بشكل كامل، وبالتفاصيل التي تريدها”، ويعني هذا أنه يمكنك مثلاً تحديد سرعة السيارة، وإضافة شخص يقطع الطريق سيراً على الأقدام بشكل غير قانوني بزاوية معينة، ومن ثم تشغِّل المحاكاة وترى كيف سيتدبر نظام القيادة أمره.

ولا تتطلب هذه العمليات تشغيل سيارات حقيقية، بل تحدث ضمن الحواسيب المحمولة والمكتبية، وباستخدام الحوسبة السحابية. ويتم استخدام برنامج شبه مطابق للبرنامج الذي يقود سيارة الشركة في العالم الحقيقي في قيادة السيارة الافتراضية. ويعتبر هذا المسرح الرقمي مكاناً مثالياً لاختبار الإصدارات الجديدة من هذا البرنامج.

أما النوع الآخر من المحاكاة فيتضمن استخدام الشركة لبيانات من رحلات حقيقية قامت بها السيارات في العالم الحقيقي، مجموعة باستخدام أجهزة الاستشعار الخاصة بها؛ يقول تاي: “نقوم ببساطة بتحويل هذه البيانات المدخلة إلى سيناريو”، وهو ما يسمح للباحثين باختبار عدة نسخ من الخوارزمية لمراقبة أداء كل منها، وقد يقوم مثلاً نظام السيارة ذاتية القيادة في العالم الحقيقي بالتخلي عن السيطرة على السيارة، حينئذ يجب على البشري أن يستلم زمام القيادة. ويكرر الخبراء تشغيل هذا السيناريو مراراً وتكراراً في عملية المحاكاة، مع تعديل البرنامج بحيث يتمكن النظام من التعامل مع الموقف دون التخلي عن السيطرة على السيارة.

وتتضمن عمليات المحاكاة أيضاً محاولات من الباحثين للتحايل على النظام؛ أي التلاعب بالمتحولات لرؤية ما سيحدث، ولنفرض أن السيناريو الذي ينمذجونه يتضمن لحظة تحاول فيها السيارة ذاتية القيادة أن تلتف حول سيارة سيدان (سيارة عادية رباعية الأبواب) مركونة، لم لا نغير الأشياء قليلاً ونزيد من صعوبة هذا الوضع على السيارة ذاتية التحكم؟ يقول تاي: “يمكننا حينئذ تعديل طول السيدان وتحويلها إلى شاحنة بيك آب أو حافلة”، أو ربما يزيح الباحثون السيارة باتجاه الطريق بحيث تشكل عائقاً أكثر صعوبة.

وهناك فوائد أخرى للمحاكاة، كمرونة الوقت مثلاً؛ حيث يمكن للسيارة في العالم الحقيقي أن تقطع مسافة حوالي 1.6 كيلومتر في دقيقتين إذا كانت تسير بشكل مستمر بسرعة 48.2 كيلومتر في الساعة، ولكن من الممكن التحكم في زمنها إذا كانت الرحلة افتراضية، وهو ما يطلقون عليه “زمن المحاكاة”؛ يقول تاي: “نحاول في نهاية المطاف أن نجعل المحاكاة أسرع ما يمكن”. وقد يقوم الباحثون بإبطاء المحاكاة أيضاً؛ وذلك للتأكد من أن ما يحدث في المحاكاة انعكاس دقيق لما يحدث في العالم الحقيقي، كما يقول تاي: “نقوم بكل هذا عن طريق تغيير هذا البعد المتعلق بزمن المحاكاة”.

كذلك لا يوجد ما يلزم الباحثين بالاقتصار على عملية محاكاة واحدة في كل مرة، بل يمكن إجراء الآلاف في نفس الوقت؛ يقول تاي: “يمكننا إجراء عمليات محاكاة بأكثر من مليون كيلومتر أسبوعياً”، هذا لا يعني أن المحاكاة أكثر أهمية من التجوال في العالم الحقيقي، ولكن القيادة الافتراضية تسمح لبرنامج السيارة بالتعرض لشيء قد لا يصادفه على طريق بطول 3.2 كيلومتر إلى فريسكو، تكساس، وهو الذي تُجري فيه درايف أيه آي اختباراتها.

يقول تاي: “الهدف الأساسي هو اختبار الحالات غير العادية، وأقصى إمكانات النظام، والتأكد من قدرته على التعامل مع كل هذه السيناريوهات قبل أن تحدث فعلياً في العالم الحقيقي”، وبما أن السيارات ذاتية القيادة غالباً ما ستلعب دوراً أكبر في حياتنا -لدرجة القيام بأشياء مثل توصيل البقالة- فمن المهم أن تحصل على كل ما يمكن من الخبرة، سواء أكانت حقيقية أو افتراضية.

ويوجد طبعاً طريقة أخرى لاختبار السيارات ذاتية القيادة، وهي وضعها في مواجهة مباشرة مع شيء ما في العالم الحقيقي، ولكن تكون تحت السيطرة، وفي مكان غير عام؛ فمثلاً شركة وايمو في كاليفورنيا -والتي حققت سياراتها أكثر من 12 مليون كيلومتر فعلي وليس محاكاة- تستخدم قاعدة سابقة لسلاح الجو من أجل إجراء اختباراتها؛ يقول ناطقٍ باسم الشركة في رسالة بالبريد الإلكتروني: “قام فريقنا هناك برمي أكداس من الورق وأطنان من الصناديق على مسار مغلق أمام السيارات، وجلبنا مختصين قاموا بتمثيل حوادث على ألواح التزلج، والقفز الفجائي من داخل المراحيض العامة القابلة للنقل؛ وذلك حرصاً على اتخاذ احتياطاتنا حتى لهذه الحوادث النادرة”.

error: Content is protected !!