Image

مقتطفات من كتاب "Your Brain is a Time Machine" (دماغك هو آلة زمن)

Bread assortment جهاز استقبال شيفرة مورس
روانتيكويتيز/ ويكيميديا

المقال التالي مقتطف من كتاب: “Your Brain Is a Time Machine: The Neuroscience and Physics of Time” (دماغك هو آلة زمن: علم الأعصاب وفيزياء الزمن) للمؤلف دين بونومانو

لطالما رأينا البشر وغيرهم من الكائنات الحية أثناء القيام بالعديد من النشاطات التي تتضمن استخدام الزمن، كحساب التأخير الزمني للصوت من أذن إلى الأذن الأخرى، وفترة تشغيل إشارة المرور الحمراء، أو دوران الأرض حول محورها. تعتمد هذه المهام على توقيت فواصل أو فترات زمنية معزولة، أي المكافئ الزمني لقياس طول جسم ما. بالمقابل، يتطلب التعرف على الكلام والموسيقى تحديد البنية المعقدة للأنماط الزمنية، أي تركيب الكثير من الأجزاء الزمنية للحصول على النتيجة الكلية.

غلاف الكتاب
كتاب “Your Brain Is a Time Machine: The Neuroscience and Physics of Time” للمؤلف دين بونومانو

يعتبر الزمن بالنسبة للتعرف على الكلام والموسيقى بمثابة الفراغ بالنسبة للتعرف على الأجسام. يمكننا أن نؤول التعرف على وجه في لوحة كمسألة مكانية، أي أن المعلومات المتعلقة بالمسألة محتواة في العلاقات المكانية بين كل عناصر الرسم. كما أنها مشكلة ذات تراتبية هرمية: حيث أن المعلومات منخفضة المستوى (الخطوط والمنحنيات) يجب أن تتكامل ضمن صورة موحدة. الدائرة هي دائرة، ولكن زوجين متجاورين من الدوائر المتمركزة يصبحان عينين، وعند وضعهما ضمن دائرة أكبر نحصل على وجه، وهكذا دواليك حتى نحصل على جمهور كامل من الأشخاص في المشهد. يعتبر الكلام والموسيقى المكافئين الزمنيين للتعرف على مشهد بصري: حيث يتطلبان حل مجموعة من المسائل الزمنية المضمّنة في تراتبية هرمية. يتطلب الكلام تتبع الميزات الزمنية لعناصر يتزايد طولها باستمرار: أصوات، مقاطع لفظية، كلمات، جمل جزئية، جمل كاملة. وفي بعض الأحيان، يكون التعرف على التراتبية الهرمية لنمط زمني أكثر صعوبة، لأنه يتطلب بعضاً من تذكر الماضي. إن جميع عناصر الرسم موجودة في الحاضر في نفس الوقت على قطعة ساكنة من الورق، ولكن العناصر الهامة للكلام أو الموسيقى تتطلب التكامل عبر الزمن، أي أن كل ميزة يجب تفسيرها ضمن سياق العناصر التي أصبحت من الماضي.

قد تكون شيفرة مورس أفضل مثال على مدى تعقيد قدرة الدماغ على معالجة الأنماط الزمنية. تعتمد الموسيقى والكلام على المعلومات المرمزة في البنية الزمنية للأصوات، ولكن هناك أيضاً كمية هائلة من المعلومات ضمن نغمة الأصوات. يمكن أن نعتبر النغمة كمعلومة مكانية، تقريباً مثل اتجاه خط مرسوم على قطعة ورق. قد يكون هذا مربكاً بعض الشيء، لأن النغمة تشير إلى ما نتلقاه من الترددات الصوتية، والتردد هو فعلياً خاصية زمنية تقاس بعدد تكرارات دورات اهتزازات الأمواج الصوتية.

ولكن، يتم تمثيل ترددات الأصوات مكانياً بواسطة الخلايا الحسية السمعية (الخلايا الشعرية) على طول القوقعة في الأذن الداخلية. وبالتالي، بالنسبة للجهاز العصبي، فإن التمييز بين نغمات الأصوات هو مهمة مكانية بشكل أساسي، كما الفروقات بين مواضع مفاتيح البيانو. أما شيفرة مورس فهي مستقلة عن النغمة أو أي شكل من المعلومات المكانية، حيث يعتبر التوقيت كل شيء في هذه الشيفرة.

هناك عنصران أساسيان في شيفرة مورس: النقاط والخطوط. والفارق الوحيد بين الرمزين هو الفترة الزمنية، وبالتالي فإن شيفرة مورس لا تتطلب سوي قناة اتصال واحدة، مثل نغمة أو ضوء يتم تشغيله وإطفاؤه بنمط زمني معقد ما. ونظراً لهذه البساطة، تعتبر شيفرة مورس سهلة البث، حيث يمكن إرسال الرسائل حتى بإغماض العينين لفترات طويلة وقصيرة. وهو ما فعله الأدميرال الأمريكي جيريمايا دينتون في حادثة شهيرة في حرب فييتنام. فعندما كان أسيراً في الحرب، أخضع لمقابلة لأهداف دعائية، وخلال المقابلة التلفازية أجاب على أحد الأسئلة بقوله: “أنا أحصل على طعام مناسب وملابس مناسبة وعناية طبية عند الحاجة”. ولكن أثناء كلامه، طرفت عينه بكلمة “تعذيب TORTURE”.

تعتمد الفترة الزمنية للنقطة والخط على السرعة الكلية لشيفرة مورس، والتي تقاس بعدد الكلمات في الثانية. عند سرعة 10 كلمات في الثانية، تكون فترة النقطة والخط 120 و 360 ميلي ثانية على الترتيب. ولكن يوجد هناك معلومات مرمزة ضمن فترات التوقف أيضاً، حيث يبلغ الفاصل بين كل حرفين 360 ميلي ثانية (3 أضعاف الفترة الزمنية للنقطة)، كما أن الفاصل الزمني بين كل كلمتين يبلغ 840 ميلي ثانية (7 اضعاف الفترة الزمنية للنقطة). لتكن لدينا الرسالة التالية:

— — · · · · · — — · · · · · — · · — — ·

تترجم هذه الرسالة إلى الجملة التالية: “what is time”، أي ما هو الزمن. تمثل فترات التوقف المؤقت الأطول الفواصل بين الكلمات. كل المعلومات محتواة في الفترات الزمنية للنغمات، والفواصل الزمنية بينها، وبنيتها الكلية. ولكن، وعلى غرار الكلام، هناك أيضاً إيقاع لشيفرة مورس، ويبدو أن الخبراء قادرون على استخدام التغيرات الطفيفة في التوقيت لتحديد المرسل بناء على ما يمكن أن نسميه “اللهجة”. بالنسبة للأذن غير المدربة، فإن الاستماع إلى رسالة طويلة بشيفرة مورس يشبه الاستماع إلى لغة أجنبية، حيث يستحيل تمييز لحظة انتهاء حرف وابتداء الحرف الذي يليه. وتتراكم كل نغمة فوق ما يسبقها، ما يجعل من المستحيل التمييز بين السلسلتين: · · · · · · · · والتي تترجم إلى she و · · · · · · · · · والتي تترجم إلى his (حيث تتألف جميع رموز مورس للأحرف e وh و i و s من أعداد مختلفة من النقاط فقط).

بالطبع، لا يحتاج الخبير إلا إلى أن يعد هذه النقاط بانتباه ويفكر أين ينتهي حرف ويبدأ الذي بعده، تماماً كما تفعل عند الانتباه إلى حرف t عند التمييز بين الكلمتين neuron و neutron.

إذاً، كيف يتحول الشخص إلى خبير في شيفرة مورس؟ ببطء. حيث لا يمكن البدء بتعلمها بسرعة 20 كلمة في الدقيقة، ويفضل البدء بسرعات منخفضة وزيادتها بالتدريج. تعتمد أحد الطرق التي ينصح بها على ما يسمى توقيت فارنزوورث: حيث يتم إرسال الأحرف بالسرعات الطبيعية، ولكن مع زيادة الفترات الفاصلة بين الأحرف والكلمات. ما يسمح للمتدربين بحفظ الأحرف كـ “غرض زمني” موحد، مع زيادة الفواصل الزمنية بين الأحرف والكلمات حتى لا تتداخل مع بعضها البعض.

المقال مقتطف من كتاب “Your Brain Is a Time Machine: The Neuroscience and Physics of Time” للمؤلف دين بونومانو. حقوق النشر محفوظة لدين بونومانو، 2017. مع الحصول على إذن الناشر، شركة و. نورتون وشركاه. جميع الحقوق محفوظة.

error: Content is protected !!