Reading Time: 3 minutes

لمرض الأنفلونزا علاقةٌ متناقضة مع الطقس. ففي الولايات المتحدة الأميركية مثلاً، تنتشر الأنفلونزا في فصل الشتاء على نطاقٍ واسع حين يكون الهواء بارداً وجافاً، ثم تقل كثيراً في الربيع نظراً لارتفاع درجات الحرارة التي تحدّ من انتشاره. بينما يختلف انتشار المرض في المناطق المدارية، ذات الجو الدافئ والممطر، ويصاب الناس بالأنفلونزا على مدار العام. يبحث العلماء حالياً عن دراسة السبب الكامن وراء حدوث ذلك، لكن ليس لديهم إجابات حتى الآن.

يقول «وليام شافنر»، أستاذ الأمراض المعدية بجامعة فاندربيلت: «تنتشر الأنفلونزا هناك طوال الوقت، ولا نعرف السبب، إنه لغز حقيقي لأن فيروس الأنفلونزا ينتشر بسهولة أكبر في الجو الجاف والبارد من الجو الحارّ، لكنّه مشكلة مستمرة في المناطق الدافئة».

ربما يكون لهذا التناقض آثارٌ على مستقبل الأنفلونزا في الولايات المتحدة. تشير الدراسات إلى أن التغير المناخي سيفضي إلى شتاءٍ أقصر وأكثر دفئاً في العقود القادمة، وقد يؤدي ذلك لأن يكون موسم الأنفلونزا أقل حدّة عموماً. بينما يقول العلماء بأن الطريقة التي تنتشر بها الأنفلونزا في المناطق الاستوائية تُشير -مع ارتفاع حرارة الطقس ورطوبته خلال العقود المقبلة في الولايات المتحدة- إلى أنّ مرض الأنفلونزا قد يصيب الأميركيين على مدار العام.

يقول «روبرت شولي»، أخصائي الأمراض المعدية ورئيس تحرير دورية «Clinical Infectious Diseases»: «لن يكون مفاجئاً أن تتوسع رقعة انتشار الأنفلونزا التي تصيب الناس على مدار العام حول العالم نتيجة ارتفاع درجات الحرارة».

ويوافق شافنر على ذلك. يقول: «المناخ الدافئ يشجع على انتقال العدوى بشكلٍ مستدام بدلاً من تفشي الأمراض الموسمية، وبالتالي قد نُصاب بالأنفلونزا على مدار السنة».

يمكن أن يؤثر موسم الأنفلونزا الطويل سلباً على برامج التطعيم السنوية بشكلٍ حاد؛ لأن لقاح الأنفلونزا سيصبح أقلّ فعاليةً مع مرور الوقت، خصوصاً لدى كبار السن. في الواقع يطلب مسؤولو الصحّة العامة في الولايات المتحدة من الأميركيين أخذ اللقاح في الخريف ليحميهم خلال فصل الشتاء بشكلٍ أفضل، ولكن إن أصبح موسم الأنفلونزا طويلاً أكثر، فربما يحتاج الناس لأخذ اللقاح أكثر من مرّة واحدة في السنة، وهو احتمالٌ يخشى عواقبه خبراء الصحّة.

من الصعوبة إقناع الناس بأخذ لقاح الأنفلونزا السنوي –أقل من نصف الأميركيين البالغين حصلوا على اللقاح العام الماضي-، ناهيك عن تشجيع اللقاحات والحقن المتعددة على مدار أي سنة معينة. بالإضافة إلى ذلك، يجب على العلماء البدء في إنتاج اللقاحات قبل وقت طويل من وصول الأنفلونزا، وتحديد السلالات التي ينبغي مكافحتها، والمنتشرة في بقاعٍ أخرى من العالم خلال فصل الشتاء. ستصبح هذه العملية معقدة أكثر إذا اضطر العلماء لمواكبة تراجع مناعة البشر، أو تطور الفيروسات المستمر.

يمنح الطقس الأكثر دفئاً وقتاً إضافياً لفيروس الأنفلونزا ليتطور خلاله (تغيير مادته الوراثية)، وينُتج سلالات أكثر مقاومة. في الوقت الحالي، تتطور سلالات فيروس الإنفلونزا لعدّة أشهرٍ في الولايات المتحدة خلال فصل الشتاء، بينما يتوقف تطورّه إلى حدٍّ كبير في الربيع. إذا استمر الفيروس في التغير على مدار السنة، فقد نشهد سلالات أكثر خطورة من الأنفلونزا.

يتمتّع أغلب الناس حالياً ببعض الحصانة من الأنفلونزا، لكن مسؤولي الصحة العامة قلقون من ظهور سلالات فيروسية جديدة تتغلّب على الجهاز المناعي، الأمر الذي سيؤدي لحدوث وباءٍ عالمي. وفي غياب المناعة، ربما يؤدي هذا إلى موت ملايين الناس كما حدث مع «الأنفلونزا الاسبانية» المميتة عام 1918.

حتّى السلالات الشائعة من الفيروس يمكنها أن تجعل الدخول إلى المستشفى ضرورياً لمعالجتها، خصوصاً لدى الأشخاص الأكثر عرضةً للإصابة بالمرض، مثل كبار السن، بل وربما تقتلهم أيضاً. فوفقاً للبيانات الأولية لمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، أصيب نحو 43 مليون أميركي بالأنفلونزا في شتاء عام 2018 – 2019، وتوفّي منهم 61 ألف شخصٍ تقريباً.

عادةً ما ينتقل مرض الأنفلونزا عن طريق رذاذ السعال إلى الأصحاء، ويبقى الفيروس نشطاً في رذاذ السعال لفترة أطول في الأجواء الباردة. وقد تنتقل الأنفلونزا أيضاً عبر طرقٍ أخرى، مثل السلام باليد والتقبيل، أو من خلال ملامسة الأشياء التي سقط عليها الفيروس. أحد الأسباب الأخرى وراء ازدياد حالات الأنفلونزا في فصل الشتاء هو أن الناس يميلون إلى قضاء مزيد من الوقت داخل منازلهم بالقرب من أشخاص آخرين مصابين.

يذكر أن مرض الأنفلونزا ينتشر في المناطق الاستوائية على مدار العام، كما ينتشر في الولايات المتحدة الأميركية خلال فصل الشتاء. وعدد الحالات هو نفسه تقريباً في كلّ منهما، لكن الفارق أنه يدوم لفترة أطول في المناطق المدارية، أي يمكن الإصابة بالأنفلونزا في أي وقت تقريباً.

يقول «ديفيد مورنس»، اختصاصي الأنفلونزا في المعهد الوطني لأمراض الحساسية والمعدية: «ليس لدينا معلوماتٌ كافية، ولكن يبدو مدى انتشار الأنفلونزا في الحالتين متشابهاً تقريباً. فعلى هذه الحال، ومع ارتفاع درجات الحرارة، سيبقى الأشخاص الأقل مناعة عُرضةً للإصابة بالمرض في مرحلة ما، وبالأخص أنهم يواجهون فيروساً ماكراً يطور نفسه باستمرار؛ لتتغلب على أي مناعة قد يكون الأشخاص قد طوروها في وقت سابق».

يقول مورنس: «إنه يشبه سباق السلحفاة مع الأرنب، قد يصل الأرنب إلى خطّ النهاية أولاً، لكن في النهاية، سيمرض الأرنب والسلحفاة على حدٍّ سواء».