Image

هناك الكثير مما نحتاج لمعرفته حول سطح قمر المشتري أوروبا.

Bread assortment على الرغم من كل الصور التي التقطناها لسطح أوروبا -مثل هذه الصورة التي التقطتها المركبة الفضائية جاليليو- لا يزال أمامنا الكثير لكي نعرفه قبل أن نهبط على هذا السطح بمركبة فضائية.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ معهد سيتي

من المحتمل أن يكون الحزام الاستوائي لقمر المشتري (أوروبا) مغطى بنصال جليدية بارتفاع أبنية من خمسة طوابق، ما يعقِّد أي هبوط محتمل هناك لمركبة فضائية، وفق دراسة حديثة.

ويساوي أوروبا قمرَنا تقريباً من حيث الحجم، وهو مغطى بسطح جليدي صلب بثخانة تتراوح ما بين 16 و 24 كيلومتراً، ويعتقد العلماء أن هذه القشرة الجليدية تخفي تحتها محيطاً من المياه المالحة قد يبلغ عمقه 160 كيلومتراً. وبما أن الحياة على الأرض توجد عملياً حيث يوجد الماء، فقد يمثل هذا المحيط المخبأ هدفاً واعداً للبحث عن الحياة خارج كوكب الأرض.

ولكن النظر تحت القشرة يتطلب من البشر إرسال مركبة فضائية إلى أوروبا، والمخاطرة بالهبوط على سطحه الخارجي الذي نجهل معظم تفاصيله. وقد وجدت بعثات فضائية سابقة -بما فيها بعثة جاليليو من ناسا- أن سطح القمر المتجمد مغطى بالسلاسل الجبلية والشقوق، ولكن الصور لم تكن مفصلة بما فيه الكفاية لتكشف مدى ملاسة الجليد أو خشونته في هذه التضاريس.

ونستطيع أن نستدل على ما يمكن أن يواجهه أي مسبار مستقبلي على سطح أوروبا من ظروف البرد والجفاف الشديدين على الأرض. وعلى سبيل المثال، توجد في صحراء أتاكاما في تشيلي مناطق مرتفعة، حيث يوجد ضوء ساطع ومستمر، وهواء بارد وجاف وساكن، وهو ما يؤدي إلى تعرض الجليد والثلج هناك إلى عملية التصعد أو التسامي، أي التحول إلى بخار فورياً بدون ذوبان. ويمكن لهذه العملية أن تترك خلفها تشكيلات ضخمة شبيهة بالنصال تسمى “بينيتينتيس” يصل ارتفاعها إلى حوالي 5 أمتار، تتجه جميعاً نحو شمس الظهيرة. ومن الجدير بالذكر أنها اكتسبت اسمها من كلمة “تائب” باللغة الإسبانية، حيث إن هذه التشكيلات تشبه جمهرة من المتعبدين الراكعين في وضعية التوبة.

تشكيلات بينيتينتيس في صحراء أتاكاما.
مصدر الصورة: المرصد الأوروبي الجنوبي/ ب. تافريشي

تشير النتائج الأخيرة إلى احتمال وجود هذه التشكيلات من الميثان المتجمد على بلوتو أيضاً، حيث يقول أوركان أومورهان (المؤلف المشارك في الدراسة، وهو فيزيائي فلكي وعالم كواكب في مركز أيمز للأبحاث التابع لناسا في موفيت فيلد بكاليفورنيا): “لقد كانت مسألة وقت فقط قبل أن نبدأ بتخيل وجود هذه المناطق المثلمة في مكان آخر من النظام الشمسي”. وقد نشر أومورهان وزملاؤه نتائجهم مؤخراً في مجلة Nature Geoscience.

ولمعرفة إمكانية وجود تشكيلات بينيتينتيس على أوروبا أيضاً، قام العلماء بحساب معدلات التسامي للجليد المائي على سطح أوروبا، وقارنوا النتائج مع أحداث أخرى يمكن أن تتسبب في تآكل سطح القمر الجليدي، مثل ضربات النيازك، والجسيمات المشحونة كهربائياً التي يقذفها المشتري نحو أوروبا.

ووجد الباحثون أن التصعد سيؤدي إلى زيادة خشونة السطح، في حين أن الآليات الأخرى ستزيد من نعومته. وفي الحزم الاستوائية لأوروبا، اكتشفوا أن التصعد يعتبر العملية الأساسية المؤثرة على السطح، وتبلغ قوته حداً يكفي لظهور تشكيلات بينيتينتيس بارتفاع 15 متر وعرض 7 متر تقريباً على مدى 50 ميلون سنة، وهو العمر الوسطي لسطح أوروبا. ويضيف العلماء أن من الممكن لوجود هذه التشكيلات الضخمة أن يفسر الشذوذات الرادارية والحرارية التي تظهر على المنطقة الاستوائية لأوروبا.

يقول سيريل جريما (وهو عالم كواكب في جامعة تكساس في أوستن، ولم يشارك في هذا البحث): “من الرائع دوماً أن نرى كيف يمكن للعمل العلمي الجاد أن يساعدنا على تخيل شكل سطح كوكب غير معروف على نطاق لم نشهده من قبل”.

وقد تمثل المناطق المغطاة بهذه التشكيلات الضخمة خطراً على أي بعثة فضائية تحاول الهبوط على أوروبا، مثل “فكرة المسبار السطحي من ناسا للقمر أوروبا، وهي عبارة عن منصة ساكنة ترتكز على أربع قوائم”، كما يقول جريما. وإذا رغب العلماء في الهبوط بمسبار على المناطق الاستوائية في المستقبل، فمن المهم إجراء عمليات استطلاعية لتحديد توزعات تشكيلات بينيتينتيس، كما يقول جريما: “إن التجهيزات التي تحملها المركبة الفضائية المقبلة (أوروبا كليبر) مناسبة تماماً لهذا النوع من الكشف”.

ومن ناحية أخرى، يحتمل أن العمليات الاستطلاعية لن تكشف وجود هذه التشكيلات على الإطلاق؛ حيث إن النماذج الحاسوبية التي استخدمها العلماء لتشكّل هذه التشكيلات على الأرض قد لا تنطبق على أوروبا، الذي يختلف عن الأرض في العديد من النواحي؛ حيث إنه لا يتمتع بغلاف جوي حقيقي، كما أن الجليد فيه غني بالملح والمركبات الكبريتية عموماً، وذلك كما يقول كيفن هاند، عالم البيولوجيا الفلكية وأخصائي الكواكب من مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا بكاليفورنيا، والذي لم يشترك في هذه الدراسة.

ويضيف هاند: “لقد درسنا هذه المشكلة، وقررنا أن أفضل ما يمكن فعله هو بناء نسخة مخبرية لأوروبا. ولم يلاحظ فريقنا -حتى الآن- ظهور تشكيلات بينيتينتيس في الظروف المخبرية المشابهة لظروف سطح أوروبا. وأنا متأكد من وجود تشكيلات غريبة على أوروبا، ولكنها لا تعتمد على نفس الآليات الفيزيائية التي تؤدي إلى ظهور بينيتينتيس على الأرض”.

وقد لا يكون أوروبا هو المكان الوحيد الذي قد يعثر فيه العلماء على بينيتينتيس أو تشكيلات غريبة مشابهة، حيث يقول أومورهان: “أصبح من الواضح أن التشكيلات السطحية الناتجة عن التصعد قد تكون واسعة الانتشار في الأجسام الجليدية في النظام الشمسي. وعندما تذهب إلى صحراء أتاكاما وترى تلك التشكيلات، ستبدو لك وكأنها ليست من هذا العالم، والآن يبدو لنا أن هذا صحيح حرفياً”.

error: Content is protected !!