Image

هل هناك علاج للحساسية المفرطة للثوم والبصل؟

Bread assortment الثوميّات

كان أكل ثمرة بصل واحدة عند قدماء المصريين بمثابة أخذ جرعة من الخلود. فقد كانوا شديدي الولع بهذه الخضروات كروية الشكل أو ذات الدوائر متحدة المركز، والتي كانت بالنسبة لهم ثمار الزمن الأبدي. أما بالنسبة لي، فلدي حساسية مفرطة تجعلني غير قادر على أكل الثوميات، وهي عائلة من النباتات تضم البصل والبصل الأخضر والثوم والكراث والثوم المعمّر. حيث يسبب لي تناولها مشاكل هضمية.

وبالرغم من عدم وجود بيانات كافية عن الأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة الغريبة، فقد تبين لي أنني بالتأكيد لست الوحيدة التي أعاني منها. عندما علمت بمشكلتي مع عائلة الثوميات، بقيت مريضة لمدة عام تقريباً دون وجود أسباب. وعانيت من أعراض الغثيان، وحرقة المعدة، وعسر الهضم، واضطراب المعدة والإسهال. كنت أتناول العشاء عدة مرات في الأسبوع مع عائلتي أو مع أصدقاء الدراسة الثانوية. وكنت أطلب طبق الفاهيتا الشهير من مطعمي المكسيكي المفضل، وأستمع لصوت تقليب محتوياته في المقلاة. وكانت عيناي تتسعان وهما تنظران إلى بطني المنتفخ كمنطاد صغير حتى قبل أن أنتهي من وجبتي.

وكان يراودني نفس الإحساس مع كل شريحة من البيتزا (حيث يوجد ثوم في معظم الصلصات)، ومع كل قضمة من شريحة لحم (يتم تتبيلها بالبهارات المختلطة بما فيها الثوم)، ومع كل لعقة من الدجاج المشوي مع البطاطا والبصل. يفترض أنك قد عرفت أين تكمن المشكلة في هذه الوجبات.

وبعد التحدث مع عدة أطباء، وإجراء عدة تحاليل دموية، وبعد رفض نصيحة والدتي بأخذ خزعة من القولون، وبعد أن وجدت أنه لا يوجد سبب معروف للحالة التي أعانيها، نصحني أحد أخصائيي التغذية بتجريب حمية إقصائية باستخدام جدول يدعى حمية فودماب “FODMAP”، وهي اختصار للأحرف الأولى من: F: قابل للتخمر. O: سكر متعدد. D: سكر ثنائي. M: سكر أحادي. A: و P: بوليول.

ومن بين قائمة الأغذية الحاوية على المركبات العضوية التي تسبب مشاكل معوية، تعتبر قائمة فودماب دليلاً واسعاً من المهيجات، ابتداء من البصل والمشمش وانتهاء بالكسكس وسجق الكوريزو. والفكرة ليست استبعاد كل الأطعمة التي تضمها قائمة فودماب، ولكنها استبعاد كل العناصر التي تعتقد أنها تسبب لك الإزعاج. ثم تنظر إذا كنت تشعر بتحسن، ثم تعيد هذه العناصر التي استبعدتها إلى طعامك لترى إن كانت المشكلة قد عادت ثانية. ولاستبعاد أي عنصر يسبب لك الإزعاج، عليك أن تقوم بهذا الأسلوب مع مكوّن واحد في كل مرة.

وكشخص يعاني من فرط الحساسية من اللاكتوز منذ مدة طويلة، كنت أتجنب أصلاً مجموعة في قائمة فودماب تتميز بوجود أصناف من الجبنة الشهية والحلوى الدسمة. وكنت قررت أن أستبعد متعددات السكر الفروكتوزية أو الفروكتانات في بداية تجربتي في الحمية الإقصائية. والفروكتان الذي يختلف جذرياً عن الفركتوز، هو جزيء كبير من سكريات بسيطة توجد بتراكيز عالية في بعض النباتات، من ضمنها عائلة الثوميات. ولا أحد يعرف بالضبط كيف تعمل الحساسية المفرطة للفروكتان، ولكن تشير الأدلة إلى أن الفروكتان يتخمر في الأمعاء بدلاً من أن يهضم، مسبباً كل الآلام الناتجة عن الغازات والنفخة والارتجاع الحمضي.

وما تزال عملية إثبات مصدر هذه العلل التي أعاني منها أمراً شاقاً. استبعدْ البصل، انتظر عدة أيام، جرب البصل، انتظر لترى ردة الفعل. ابكِ على نفسك. استبعد الثوم، انتظر عدة أيام، جرب الثوم، انتظر لترى ردة الفعل، ابك على نفسك. لقد جعلتني هذه التجربة أدور حول نفسي. لقد كنت حزينة، وجائعة. لكن ولأول مرة منذ سنة، كنت على الأقل أعرف ما هي مشكلتي، ويمكنني أخيراً أن أمضي قدماً.

يوجد الثوم في كل مكان، ففي عام 2014 وحده أنتج العالم أكثر من 22 مليون طن من الثوم، وحوالي 2.8 مليون طن من البصل. ولكنه أيضاً نبات غامض. فقليل جداً من البشر بمن فيهم الأطباء المتخصصون في الحساسية قد تلقوا تدريباً للتعرف على القضايا المتعلقة بعائلة الثوميات. وعندما مرضت من أكل البيتزا، ظننت أن ذلك كان بسبب الحليب أو الجلوتين، أو حتى الطماطم. توقعت كل شيء إلا أن يكون السبب هو كمية قليلة من الثوم في البيتزا أو الصلصة. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم الأشخاص الذين لديهم حساسية لعائلة الثوميات ليس لديهم في الحقيقة حساسية على الإطلاق. بل لديهم حساسية مفرطة. ففي حالة الحساسية تكون معرضاً لاستجابة تأَقيّة، كالاستجابة التي تراها في الحساسية تجاه الفول السوداني أوالمحار، حيث قد يؤدي خطأ بسيط إلى غلق الحنجرة. أما في فرط الحساسية فأنت تشعر بشعور فظيع وحسب، ولكنك تستمر في التنفس.

تنتهي الحساسية الغذائية إلى عمل أضداد الغلوبولين المناعي هـ. يصل الغلوبولين المناعي هـ – وهو جزء طبيعي من استجابة الجهاز المناعي في الجسم- المواد المزعجة التي تثير الحساسية بموقع مستقبل الجهاز المناعي الذي يطلق الإنتاج السريع للهيستامين الذي يصد الهجوم. ويتمتع الهيستامين بالعديد من الوظائف القتالية، ولكن عندما يزداد نشاط الهيستامين بشكل كبير فإنه قد يؤدي إلى إنهاك الجسم. ولهذا السبب يعتبر بنداريل مضاداً للهيستامين، حيث يوقف نشاط الهيستامين ويمنع عمله الذي يؤدي إلى الطفح الجلدي أو التنفس الضحل.

إن منشأ الحساسية الغذائية غير مفهوم. وهو من وجهة نظر تطورية أمر غير منطقي. فمن الصعب مَلء الأرض بعدد هائل من الذرية السليمة إذا كان هناك احتمال لوفاة الإنسان في أي لحظة بسبب حساسية سببتها حبة لوز. ولذلك يعتقد الكثير من الباحثين أنها ظاهرة جديدة.

إحدى النظريات الرائدة التي تفسر الحساسية تدعى “الفرضية الصحية”. وتشير هذه النظرية إلى أن الحساسية تأتي من العالم المتقدم الذي أصبح نظيفاً جداً هذه الأيام. ونتيجة لذلك، لا تستجيب أجسامنا للتهديدات الحقيقية وحسب، ولكن أيضاً ضد أي شيء جديد أو مهيج. فالأطفال الذي ينشؤون في المزارع، أو لديهم الكثير من الأقارب يكون لديهم معدلات أقل من الحساسية. وبمعنى آخر، فإن جهازهم المناعي يكون أكثر صرامة لأنهم يتعاملون مع الكثير من الأشياء غير النظيفة في مراحل مبكرة. وهناك تفسير آخر أكثر احتمالاً لنشوء الحساسية في الدول الغنية، وهو وجود كمية كبيرة من حمض الفوليك في مرحلة الطفولة، وكمية قليلة جداً من فيتامين دي في جميع مراحل الحياة.

وفي حين لا يوجد رأي حاسم حول منشأ الحساسية، فإن فرط الحساسية الغذائية – كالذي أعاني منه تجاه الثوميات- غير مفهوم بدرجة أكبر. وذلك لأنه أولاً ليس تهديداً مباشراً للحياة، ما يجعل دراسته أمراً غير مستعجل. وثانياً لأنه أمر غير واضح. ففرط الحساسية بشكل عام هو أي استجابة مزعجة لفئة معينة من الأطعمة التي لا تحفز الهيستامين أو استجابة الغلوبولين المناعي هـ أو ضيق التنفس. وكذلك فإن فرط الحساسية يختلف وبشكل كبير من شخص إلى آخر، وهذا بخلاف الحساسية التي لها آلية أساسية مشتركة.

التقيت تايلور كيفي مؤخراً لأول مرة على العشاء في الجانب الغربي الشمالي لمانهاتن. وكانت قائمة الطعام المتنوعة والخالية من الثوم مناسبة لنا بالتأكيد. وكان هذا أمراً بالغ الأهمية لأن تيلور يعاني من فرط حساسية للثوميات أيضاً. قال لي: “نحن سلالة نادرة”. لقد كان الشخص الوحيد الذي ألتقي به ممن لديه حساسية تجاه الثوم. وكنا نتبادل أطراف الحديث عن رعب الثوميات ونحن نتناول الهامبورغر والبيض. وتختلف قصته عن قصتي في بعض النقاط، ولكننا كنا نشترك في ألم المعدة، والإحباط من ضياع فرص تنوع أصناف الطعام، والإصرار على أننا لم نستسلم للعزلة بسبب مرض أمعائنا.

كانت أعراض كيفي الأولية متركزة في مفاصله. وهو يتذكر إحساساً غريباً كان يشعر به في مرفقه بعد العديد من وجبات الطعام في المدرسة الثانوية. وقد عزا ذلك إلى عدة أشياء أخرى غير الثوميات. يقول كيفي وهو يضحك: “لقد اعتدت على شرب الكثير من شراب ماونتين ديو في ذلك الوقت. ولكن وفي أحد الأيام، وبينما كنت أعمل طباخاً في مطعم لشرائح اللحم، أخذت قضمة من حبة بصل. وخلال خمس دقائق، شعرت بالانتفاخ. لقد تذوقت البصل بعد يومين، وللمرة الأولى بدت العلاقة بين المكون الغذائي وبين ردة الفعل تجاهه واضحة جداً. لقد كانت حالتي تسير من سيئ إلى أسوأ”.  لقد سبب له البصل نفس الأعراض التي عانيت منها، ولكنه سبب له التسمم أيضاً. لقد أخبرني بأنه كان يصحو طوال الليل، يتقيأ ويرتجف وربما يهلوس. والأسوأ هو أن كيفي وأنا كنا نعلم أنه لا يوجد حل لمشكلتنا، وعلى الأرجح لن يكون هناك حل.

في عام 2010، ظهر إريك بلوك في الإذاعة الوطنية العامة في برنامج الجمعة العلمي ليناقش كتابه: “الثوم والثوميات الأخرى: بين العلم والعادات” والحديث عن خبرة 40 عاماً في البحوث الخاصة بالثوميات. وقد اتصل أحد المستمعين ليسأل عن وجود علاج للحساسية التي يعاني منها. وقد قدم له بلوك نصيحة واقعية: “أتعاطف معك، ولكن … جرب أطعمة أخرى تجد فيها متعتك”. لقد كان جواب بلوك أكثر فعالية من حبوب لاكتايد التي تعالج الحساسية للاكتوز.

إن الحساسية المفرطة للاكتوز هي نتيجة لعدم وجود كفاية من أنزيمات اللاكتاز. وتزود حبوب لاكتايد الجسم بأنزيم لاكتاز صناعي يلتهم اللاكتوز الموجود في الحليب والجبنة ومشتقات الحليب الأخرى، بالطريقة نفسها التي تحدث عند شخص لا يعاني من فرط الحساسية تجاه اللاكتوز والذي ينتج كمية كافية من اللاكتاز بصورة طبيعية. ولكن فرط الحساسية للثوميات لا يعمل بالطريقة نفسها. لذلك لا يوجد حتى الآن أنزيم صناعي يأكل الثوميات ليكون علاجاً مقوياً. وأفضل حل وجده كيفي هو علبة من دواء GasX المضاد للنفخة يحملها معه للحالات الطارئة. فهو يخفف من تأثيرات هضم الثوميات، ولكنه بالتأكيد لا يوقف رد الفعل السيئ لها خلال حركتها في الجسم. ولذلك يجب علينا أنا وكيفي وأي شخص يعاني من هذه المشكلة غير العادية أن نتجنب الثوم والبصل مهما كلف الأمر، وهي ليست بالمهمة السهلة.

كان البشر يأكلون الثوميات منذ آلاف السنين. وقد وجدت آثار ثُمالات (متبقيات) على الوجه المحنط للفرعون رمسيس الرابع تشير إلى أن الذين دفنوه عام 1160 قبل الميلاد، وضعوا على عينيه بصلاً برياً. وفي نصف الكرة الشمالي من العالم- وهو الموطن الطبيعي لهذه النباتات- زرع القدماء هذه النباتات البرية في أي مكان يمكن أن تنمو فيه. وقبل 7 آلاف سنة، بدأ البشر زراعة الثوميات، بعد اختيار المذاقات والأشكال التي يفضلونها، وقاموا بزراعة المحاصيل بعناية بالقرب من بيوتهم. واليوم، عندما نأكل الثوميات، فإننا نأكل النباتات المنحدرة من السلالات التي زرعها المزارعون الأوائل في العصور الماضية.

واليوم تنتشر الثوميات في كل مكان. وفي إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث لا ينمو الثوم بشكل طبيعي، تتم زراعته ويستعمل على نطاق واسع في الطهي. ويقوم الطهاة اليابانيون بإدخال الثوميات في طعامهم، ولكنهم قاموا مؤخراً بإدخاله في الآيس كريم، وهناك من يشتريه فعلاً. وفي الولايات المتحدة هناك يوم وطني للثوم يوافق 19 أبريل من كل عام. بينما يعتبره رواد الفضاء الروس من البهارات المفضلة لديهم، ويأخذونه معهم في رحلاتهم الفضائية، ولكنهم لم يزرعوه هناك بعد.

وفي الحقيقة، إن الثقافة الوحيدة التي تتجنب البصل هي الديانة اليانيّة في الهند، حيث يلتزم اليانيّون ببعض الممارسات الفريدة. والمعتقد الرئيسي عندهم هو اللاعنف. ولكن هذا لا يعني مجرد تجنب القتال أو عدم أكل اللحوم، ولكنه يعني أيضاً تجنب الخضروات الجذرية. ويعتقد اليانيون أنك عندما تقتلع خضروات جذرية –كالبطاطا أو البصل أو الثوم – من الأرض، فإنك تسبب لها الأذى. لأن الدرنات والبصلات ستنتج المزيد من الدرنات والبصلات إذا تركتها. ولذلك فإن اقتلاع أحدها من الأرض يشبه قتل الحيوان وأكله. ومع أنني لم أزر مطعماً تابعاً للديانة اليانية بعد، فإنني أتخيل أنه سيكون شعوراً مريحاً جداً أن أطلب أي وجبة من القائمة. فمعظم قوائم الطعام هي بمثابة حقل ألغام بالنسبة لي أقوم فيها بالبحث عن طبق عادي. والأسوأ، أنني أحياناً أطلب طبقاً لا يكون جيداً وحسب، بل يكون ممتازاً في الواقع. ولكن الوجبات الشهية تنقلب أحياناً وبالاً عليّ، فبعد ساعات من خروجي من باب المطعم، يبدأ جسمي بالصراع مع زيوت الثوم أو البصل التي تسللت إلى الوجبة التي أكلتها.

ومن الواضح أن هناك أمراضاً أسوأ بكثير. وأنا اعتبر نفسي محظوظة، حتى عندما أبحث عن طبق بيتزا لا يجعل بطني ينتفخ كمنطاد.
إن الغريب في الحساسية تجاه الثوميات هو أن التغلب عليها صعب جداً. وعندما أنظر إلى طبق الصلصة الذي طلبه صديقي، أو أشعر بالحسد تجاه أصدقائي الذين طلبوا طبق اللازانيا في مطعم إيطالي، بينما يتركونني مع طبق السلطة الخالية من التوابل، أتمنى لو كان الجسم البشري أقل غموضاً.

error: Content is protected !!