Reading Time: 5 minutes

هل مللت من هواء الأرض، أو تنوع أشكال الحياة الهائل عليها وحرارتها المستقرة (نسبياً)؟، أو حتى أردت أن تستقل طائرة وتسافر إلى عالمٍ آخر حيث الحياة أبسط وأقل تعقيداً؟ ربما تعتقد أن ذلك العالم غير موجود؟ حسناً، عليك أن تسافر في رحلةٍ لمسافة 384.47 كم لتجرب الوجهة الأولى بعيداً عن كوكب الأرض ضمن النظام الشمسي؛ إلى القمر. يقدّم لك أقرب جيراننا الفلكيين الهدوء والسكينة أكثر بكثيرٍ مما تتصور على مساحة تقدر بنحو 22 مليون كم مربع، ما يجعله مكاناً مثالياً لقضاء عطلةٍ بعيداً عن كل التعقيدات على كوكب الأرض.

يبدو الأمر ممتعاً؟ لكن لسوء الحظ سيتطلب الأمر أكثر من مجرد رحلةٍ فضائية بسيطة، من أجل الوصول والإقامة على الجنة القمرية الموعودة، ولن يكون الواصلين الأوائل متفرغين إطلاقاً لإقامة المنتجعات السياحية والمطاعم. فحالياً، تحاول ناسا إنشاء محطة وقود على سطح القمر لكي تزوّد المسافرين إلى كوكب المريخ بالوقود، حيث سيكون القمر بمثابة محطة توقف للتزود بالوقود فقط، قبل مواصلة رحلتهم التي ستستمر لثمانية أشهر نحو المريخ.

وسواء أردنا إنشاء فنادق 5 نجوم على القمر أو حتى افتتاح أول سلسلة متاجر شهيرة، فلابد من إنشاء بنْية تحتية تضمن مقومات الحياة واستمرارها هناك. لن يكون الأمر سهلاً، لكنه، علمياً، من الممكن تحقيقه.

تمتلك عالمة الفيزياء الفلكية والكواكب «لورا فورزيك» شركة الإستشاراتٍ الفضائية «أستراليتكال»، وتنوه قائلة: «لا يمكن للبشر العيش على سطح القمر بسبب طبيعة أجسامنا الهشة، لذلك نحن بحاجة عمل الكثير قبل التفكير بالذهاب».

في البداية، لا يملك القمر غلافاً جوياً مثل الغلاف الجوي للأرض. تقول فورزيك أن غلاف القمر شبيه بغلاف الأرض إلى حدٍّ ما، يطلق عليه اسم «الغلاف الخارجي»، وهو مزيج من الغازات والجزيئات التي تثيرها وتحركها الرياح الشمسية، لكن الأكسجين موجود بنسبٍ متناهية في الصغر مقارنةً بالأرض. كما أن أخذ نفسٍ عميق على سطح القمر سيؤدي للموت حتماً، تماماً كما هو الحال في الفضاء الخارجي.

عموماً، ولحسن الحظ، قد تكون مشكلة التنفس أقل الهواجس التي قد تثير مخاوف سكان القمر في المستقبل. تقول فورزيك: «لقد حققنا نجاحاً كبيراً في إعادة تدوير الهواء على متن محطة الفضاء الدولية، من خلال نظام التحكم البيئي ودعم الحياة. بالإضافة إلى ذلك، ومن خلال استِنْبات بعض النباتات في «الدفيئات القمرية» التي تقوم بتوليد الأوكسجين؛ يمكننا إذن إقامة نظام مماثل لتنقية الهواء وتمريره في شبكةٍ عبر الوحدات السكنية، التي قد تُقام على القمر. عندئذٍ يمكننا التنفس بسهولة ولسنواتٍ عدة. ومع ذلك، لابد لنا في البداية من شحن كمياتٍ ضخمة من الأوكسجين اللازم للحياة إلى القمر، حتى يمكننا البدء بتشغيل النظام المولد له. سيكون الأمر مكلفاً جداً، فتكلفة شحن رطلٍ واحد من هذا الغاز (الذي يتعين ضغطه في خزانات) إلى القمر؛ يكلف أكثر من 1.3 مليون دولار.

وهناك أيضاً مشكلة انعدام الرياح والهواء بسبب طبيعة غلاف القمر الخارجي قليل الكثافة، حيث لا تتعرض الصخور القمرية لعوامل الحت، ما يجعل حبيبات الغبار القمري حادة الحواف وقاسية ومزعجةً جداً. وهذا مختلف عن حبيبات الغبار في الأرض، التي تظهر دائرية تحت المجهر. لك أن تتخيل أن إزالة الغبار التي ستعلق بملابسك عند الشاطئ على كوكب الأرض، سيكون مجرد نزهة مقارنة بإزالة حبيبات الغبار شديدة التعلق بملابسك على القمر، كما أنها ستتسبب بكثيرٍ من المشاكل للآلات والبشر على سطح القمر.

حياة غير مستقرة

لا يوجود غلافٍ جوي يحمي القمر، هذا يعني أنه معرض لخطر اصطدام النيازك التي قد تندفع بسرعةٍ هائلةٍ في الفضاء، والتي يمكنها تدمير البنية التحتية المُقامة، وإبادة المقيمين هناك. لذلك إن شاهد سكان القمر في المستقبل نيزكاً يتجه نحو القمر، فسيتعين عليهم الفرار بسرعةٍ والإختباء بدلاً من تمني أمنية.

لن يكون هناك على القمر عواصفٌ أو غيرها من الظواهر الجوية المعروفة على الأرض، لكن على السكان القمريين مواجهة تهديدٍ شديد الخطورة وغير مرئي، وهي العواصف الشمسية. فالقمر لا يمتلك مجالاً مغناطيسياً يحميه من الجسيمات الكهرومغناطيسية عالية الشحنة التي تحملها الرياح الشمسية شديدة الكثافة، عند حدوث الإنفجارات الشمسية، والتي تطلق موجاتٍ ضوئية عالية الطاقة من الشمس. بل حتى الأرض، وفي مثل هذه الظروف، تكون غير قادرةٍ على منع الضرر تماماً، والذي يلحق ببعض البنية التحتية الكهربائية. فبدون مجالٍ مغناطيسي يحمي القمر، ستكون آثار العاصفة الشمسية التي تضرب القمر كارثية على الإنسان والبنية التحتية هناك. لذلك علينا استخدام مواد واقية حول المنشآت، مثل الماء أو «بولي إيثيلين» الذي يحتوي على تراكيز عالية من الهيدروجين الكافي لإمتصاص أثر الإشعاع الشمسي.

وقد كشف العلماء مصدراً آخر للقلق على سطح القمر، ألا وهو الزلازل. تخبرنا مقاييس الزلازل التي تركها رواد رحلة أبولو، أنه وعلى الرغم من عدم وجود طبقاتٍ تكتونية أو مناطق نشطة زلزالياً بوضوح، فإن القمر معرض لحدوث الزلازل بقوةٍ تصل إلى 5 درجات على مقياس ريختر. ربما هي ليست بقوة الزلازل على سطح الأرض، ولكنها غالباً قد تشكل تهديداً خطراً على الإنشاءات المزمع إقامتها على سطح القمر؛ كما يقول سام «كورفيل»، الباحث في معهد علوم الكواكب، والذي درس علم الزلازل الكوكبي.

يشير كورفيل إلى أن آلية حدوث الزلازل المُحتملة بحد ذاتها، قد تكون ذات تأثيرٍ على مبانينا المستقبلية هناك. حيث يعتقد أن بعض الزلازل القمرية ناتجة عن الإجهاد الحراري. بالتالي تؤدي فترات التبريد والاحترار الشديدتين إلى تقلص المواد وتمددها مجدداً، وفي بعض الحالات تؤدي لحدوث انزلاقات في القشرة القمرية وحدوث الزلازل. ونظراً لأن حرارة القمر تُعتبر أكثر درجات الحرارة تقلباً في النظام الشمسي -حيث تتراواح الحرارة بين 127 درجة مئوية نهاراً، إلى ناقص 138 درجة مئوية تحت الصفر ليلاً، كما أن كل يومٍ قمري يُعادل 27 يوماً أرضياً. سيتعين علينا إقامة أبنية تتحمل هذه الفروق القاسية في درجة الحرارة لأسابيع عدة.

هناك أيضاً مشكلة الجاذبية على سطح القمر. حيث تعادل الجاذبية هناك سُدس جاذبية الأرض. سيتعين على سكان القمر اتخاذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على صحتهم، نظراً لان انعدام الجاذبية على المدى الطويل له تأثير ضار عليهم، والتي أصبحنا ندركها من خلال تجاربنا السابقة مع رواد الفضاء. فقد تبين أن ظروف انعدام الجاذبية على متن محطة الفضاء الدولية، تؤدي لخلق مشاكل صحية مثل هشاشة العظام، ضمور العضلات ومشاكل أخرى تتعلق بأمراض القلب والأوعية الدموية. لذلك يؤدي رواد الفضاء التمارين الرياضية خلال اليوم لفترات زمنية طويلة، من أجل تخفيف أثر انعدام الجاذبية. ومع أن انعدام الجاذبية على القمر ليس بالقدر نفسه على محطة الفضاء الدولية، إلا أن كورفيل يقول إن العيش على المدى الطويل في أي بيئة منخفضة الجاذبية؛ يعرض صحة الإنسان للخطر.

لا بد أيضاً من تأمين مصدر للمياه لتلبية حاجة المستعمرات التي سنؤسسها هناك. يمكن إقامة نظامٍ شبيه بنظام «ECLASS» الموجود على متن المحطة الدولية، والذي يقوم بتدوير الماء، لكنه ليس فعالاً 100%، وسيؤدي إلى فقدان بعض المياه مع مرور الوقت. يقول فورزيك إن أحد الخيارات المُتاحة هو البحث عن أية آثارٍ للهيدروجين والأكسجين مرتبطة بجزيئات الغبار مثلاً، وإعادة دمجها معاً لصنع جزيئات الماء. كما يمكننا، بدلاً من ذلك، إقامة المستعمرات بالقرب من مخزونات الجليد الواقعة بالقرب من أحد قطبي القمر، حيث لا تصل إليهم الشمس، بالتالي لن يذوب أبداً. هذا من شأنه أن يوفر مصدراً سهلاً للمياه لسد النقص في نظام التنقية.

الغريب في الأمر، أن كورفيل وفورزيك يقولان إن أكبر عقبة أمام العيش على سطح القمر، ليست العواصف الشمسية المميتة أو الرمال المزعجة، لكنها الإرادة الاقتصادية والسياسية لتحقيق ذلك. فلا توجد لدى ناسا خطة محددة لإرسال البشر مرة أخرى إلى القمر بأي صفة حتى الآن، كما أن برامج الفضاء الأخرى لا تملك التمويل اللازم للقيام برحلاتٍ مأهولة حتى الآن أيضاً.

يقول فورزيك: «من الناحية التكنولوجية، لدى ناسا القدرة والدافع والخبرة للقيام بذلك، لكن السؤال الأهم: هل سيقوم الناس هنا على الأرض بتمويله حتى نتمكن من إنجازه؟».

منذ 50 عاماً، كان سباق الفضاء في الحرب الباردة دافعاً كبيراً لإرسال رواد فضاء أبولو إلى القمر. أما اليوم، فالقمر لن يستخدم سوى ليكون نقطة انطلاق للمريخ، أو أي مكان آخر في النظام الشمسي. كما يقول كورفيل: «إن إقامة مستعمراتٍ دائمةٍ على القمر من شأنه أن يقلل -بشكلٍ كبير- من تكلفة عمليات إطلاق الصواريخ إلى أعماق الفضاء، وذلك يعود إلى انخفاض الجاذبية، وانعدام الغلاف الجوي، الأمر الذي يجعل الإقلاع منه أسهل بكثير».

سواء أصبح القمر محطة انتقال مهمة في طريقنا إلى المريخ، أو منشأة الأبحاث الأكثر عزلة حتى الآن، أو أي شيءٍ آخر، فإن تحديات إقامة مستعمرات والتأسيس لعيش دائمٍ هناك، يجب أن تجعلنا ممتنين للعيش على كوكب الأرض الذي يمنحنا كل ما نحتاجه.