Reading Time: 3 minutes

يعرف محبو الكتب رائحتها جيداً، فهناك رائحة مميزة لأوراق الكتب القديمة، الصفراء، المختبئة بين رفوف المكتبة، أو في فراشات الكتب على الأرصفة. ويبدو للأمر أصداء نوستالجية، كما تُفسّر الكيمياء سبب هذا الحب، مثلما تُفسّر كل شيء في الحياة. كيف ذلك؟

 

 

يتسبب الحبر المستخدم في الطباعة، ورائحة الورق نفسه في رائحة الكتب الجديدة، فجودة رائحة الكتاب الجديد ترجع لجودة المواد المُستخدمة في التصنيع، وأخيراً المادة اللاصقة التي استُخدمت في لصق أجزاء وأوراق الكتاب.

 

أما الكتب القديمة فترجع رائحتها أيضاً للمواد الكيميائية التي يحتويها الكتاب، وتنتج من المُركّبات العضوية الطيّارة التي تتكسّر مع مرور الوقت، وهي مواد كيميائية تتبخر في درجة حرارة منخفضة، وتُسبب هذه الرائحة، مثل البنزالدهيد، والفانيلين، و إيثيل هيكسانول، والتولوين، وإيثيل البنزين. يحدث تفاعل كيميائي لهذه المواد، ويحتاج لوقتٍ طويل لكي يتم، وهو ما ينتج عنه هذه الرائحة التي نحبها.

 

كما أن الورق مصنوعٌ من الخشب، ويتكسر السليلوز واللجنين الموجود بداخل الورق، منتجاً مواداً عضوية مختلفة، وتَهب رائحة خفيفة تشبه الفانيليا و اللوز، بالإضافة إلى عوامل أخرى لها علاقة بطريقة صنع الكتاب وورقه؛ فكل نوع من أنواع الورق يُطلق مجموعة مختلفة من المركّبات الكيميائية. 

ماهي رائحة الماضي؟

 

 

وفقاً لدراسة نُشرت عام 2017 في دوريّة  علوم التراث، حاول فيها باحثون في تاريخ العلوم من جامعة لندن، معرفة وتحليل رائحة الكتب القديمة، والتي تعد بدورها جزءاً من التراث في محاولة للإجابة على سؤال: هل هناك روائح معينة ترتبط بالتاريخ الثقافي؟ 

 

أراد الباحثون تسجيل هذه الرائحة، رائحة التاريخ. حيث تم عمل تحليل كيميائي للمواد الكيميائية المنبعثة من الكتب، ويتم تحديد رائحة هذه المركبات بواسطة أدوات استشعار، تشبه تلك التي تحدد وجود المخدرات والمفرقعات. 

 

ثم استعان الباحثون في هذه الدراسة بزوّار متحف برمنجهام في إنجلترا، وزوّار مكتبة «رين» التاريخية في كاتدرائية «سان بول» لكي يصفوا رائحة بعض الكتب القديمة التي تحتويها المكتبة؛ حيث طلب منهم الباحثون الامتناع عن الطعام، وعدم استخدام أي مادة عطرية لمدة 30 دقيقة قبل الاختبار، ثم وصف الكتب، وتضمنت الأوصاف 21 رائحة منها اللوز، والشيكولاتة، والقهوة، ورائحة الخشب والدخان. تنبع أهمية هذا التحليل أيضاً بأنه يوضّح طرقاً أفضل لحفظ الكتب.

 

لماذا نحب تلك الرائحة؟

 

تستطيع الرائحة التأثير في سلوك البشر إيجابياً وسلبياً، فهي تستطيع جذب الناس إلى المأكولات، والمطاعم، والمتاجر وتستطيع تنفير الناس أيضاً. والروائح الجيدة وسيلة تسويقية هامة، وهي تثير الذاكرة، فعندما نشم رائحة معينة نتذكر موقف ما مرتبط بها، لأن الروائح مؤثر قوي على المشاعر ومن ثم على الذاكرة. 

 

يقول «ماتيجا سترليك»، أستاذ تاريخ العلوم المشارك في الدراسة: «تحمل الرائحة معلومات عن التركيب الكيميائي، والحالة الموجود فيها الشيء». ويقول إنه يأمل في  تطوير وسائل علمية، نستطيع بها الشَم، بدقة أكثر من أنف الإنسان. وتبعاً لإرشادات أصدرتها هيئة التراث الإنجليزي، فإن رائحة المباني تؤثر في تجربة زيارتنا لها، فهي دائماً جزء من التجربة.

 

أما «سيسيليا بمبيبر»، المشاركة في الدراسة تقول: «الأوصاف التي وصف بها المشاركون في الدراسة، تفتح لنا المجال كي نستطيع وصف رائحة التراث، وأن هذه الدراسة تفتح النقاش لتطوير حصيلة لغوية لكي نعرّف الروائح ذات الأهمية التاريخية».

 

ختاماً، ليس عجباً أن أكثر ما يجذبنا في الأشياء هو رائحتها، لذا ربما نستطيع التحكم مُستقبلاً في روائح الكتب، بطريقةٍ ما.