Reading Time: 3 minutes

لقد اعتاد معظمنا السفر لفترات طويلة في الطائرة، تلك الآلات المعدنية التي تزن نحو 60 طناً (54431.1 كيلوغرام). وبجانب تحذيرات السلامة الإلزامية للطائرة عند الإقلاع، يجهل معظم الناس كيف يؤثر الطيران على أجسادنا وعقولنا على ارتفاع 7 أميال فوق مستوى سطح البحر، حيث تحدث بعض التغيرات مثل انخفاض ضغط الهواء، تتخدّر براعم التذوق لدينا جزئياً، تجف بشرتنا، ويبدأ البعض في البكاء!

في عام 2015، أجرت شركة «فيرجن أتلانتيك» دراسة استقصائية على موقع فيسبوك، وجدت أن 55% من المشاركين صرّحوا بأن عواطفهم تزداد على متن الرحلات الجوية. ورداً على ذلك، قدمت شركة الطيران تحذيرات قوية بشأن عرض الأفلام العاطفية أو المحزنة أثناء الطيران. فلماذا نبكي؟

هناك دراسات ونظريات تبحث في العلوم وراء البكاء على متن الرحلات الجوية «Mile Cry Club»، لكنها دراسات قليلة ومتباعدة. وفي هذا الإطار، يهتم العلماء من مختلف المجالات، بدءاً من السينما إلى علم النفس والطب بهذا التأثر. وعلى الرغم من عدم وجود سبب محدد، يعتقد الباحثون أن السبب يكون نتيجة الحرمان من الأكسجين، والجفاف، وتغيّر الضغط.

عند الإقلاع، ترتفع الطائرة في السماء بسرعة قصوى إلى أن تصل إلى ارتفاع نحو 35 ألف قدم، وأثناء ذلك، ينخفض ضغط هواء المقصورة إلى مستويات مكافئة لضغط الهواء الذي يمكن أن تختبره إذا قمت بالمشي عبر ممرات جبال الألب السويسرية، على ارتفاع (6000 – 8000 قدم فوق سطح البحر).

يؤدي ضغط هواء المقصورة المنخفض إلى انخفاض كمية الأكسجين في الدم، وهي حالة تسمى «نقص الأكسجين». إذا حدث ذلك، فإن العديد من الأعراض تظهر على الشخص مثل التعب، الارتباك، وضعف اتخاذ القرار خاصة أنه يعالج قدرتنا على التعامل مع المشاعر.

علاوة على ذلك، فإن أنظمة تكييف الهواء على متن الطائرات تجفف الهواء، بحيث تصل الرطوبة إلى نسبة تتراوح بين 25 – 30%، لذا نُصاب بالجفاف.

على الرغم من أن نقص الأكسجين لن يؤثر على الشخص السليم (الأمر الجيد، لأن الطيارين يعملون في ظل هذه الظروف بشكلٍ روتيني)، يقول «يوشين هينكلبين»، الباحث الطبي المقيم في برلين ورئيس جمعية طب الفضاء الجوي: إن نقص الأكسجين يجعلنا أكثر عرضة للتغيرات النفسية والجسدية. وينام أغلب الناس أثناء الإقلاع بسبب هذه التغيرات الهائلة في الضغط والرطوبة، حيث يمكنك الشعور بالدوار والتعب.

ووفقاً لِما تقوله عالمة النفس السريري «جودي دي لوكا» من إري كولورادو للاستشارات؛ فإن هذه التغيرات الفسيولوجية قد تضع الأساس لأدمغتنا للبدء في التفكير في محيطنا غير المريح. فعلى الرغم من أن المسافرين قد لا يدركون ضعفهم العاطفي، فإن أدمغتنا تعمل ساعات إضافية على الطائرات بسبب الخوف من الأماكن المغلقة، الإجهاد أثناء السفر، الإرهاق.

تدرس دي لوكا تأثير العيش على ارتفاع عالٍ في منطقة جبلية على الصحة العقلية، فتقول: «لدينا سيطرة بسيطة على بيئتنا أثناء سفرنا بالطائرة، وجميع هذه الضغوطات تثير استجابة بعض الأشخاص لمكافحة الطيران».

يؤدي هذا إلى إنتاج الجسم لهرمون «الكورتيزول – cortisol»، والذي يؤثر على عواطفنا عن طريق زيادة ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ما يجعلنا أقل قدرة على التعامل مع آثار الطيران. بالإضافة إلى الحرمان من الأكسجين، الجفاف؛ فلا عجب أن «فيرجين أتلانتيك» ذكرت أن «41% من الرجال الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم اختبأوا تحت البطانيات لإخفاء دموعهم». وقد يفسر ذلك أيضاً السبب في أن الأطفال الصغار يصابون بنوبة غضب أو بكاء، أو صراخ أثناء ركوب الطائرة. لكن على أيّ حال، لم تقم أي دراسات بدراسة هذه العلاقة بشكل صريح.

يدرس «ستيفن جروينج»، أستاذ الأدب المقارن والسينما والإعلام في جامعة واشنطن هذه الظاهرة في سياق الترفيه أثناء سفره بالطائرة على مدار سنوات.

يقول إن محتوى الأفلام العاطفية أو المحزنة التي يتحدث عنها الناس لا يهم، لكن صديقاً له أخبره أنه بكى عند مشاهدة ثور في رحلة إلى أستراليا. لذا فهو يعتقد أن أحد العوامل الأخرى المساهمة هو البيئة التي يتواجد فيها المسافرون. فعندما نشاهد الأفلام على متن الطائرة، نكون على مقربة من الشاشات والأشخاص أكثر مما اعتدنا عليه.

يقول جروينج: «لا يتعلق الأمر بالمحتوى، بل يتعلق بالموقف الذي تكون فيه معزولاً وفي نفس الوقت تجد نفسك محاطاً بالغرباء.. يكون لديك هذا التقارب الجسدي الغريب مع الأشياء حولك، ولفترة طويلة من الوقت – مدة السفر».

على الرغم من عدم وجود آلية محددة يمكن للعلماء أن يشيروا إليها حتى الآن، فإن معظم الباحثين يعتقدون أنه قد يكون مجرد مزيج من كل هذه العوامل التي تعطينا سبباً للبكاء. هذا الإزعاج اللاشعوري والتغيرات الجسدية التي يصفها هينكلبين، يفسر على الأرجح سبب صراخنا على الطائرات كما أوضحها جروينج.

كما توافق دي لوكا على أن «العواطف تحكم حياتنا بصورة أكثر مما نعرف، وبيئتنا تؤثر على عواطفنا أكثر مما ندرك».