Image

يحتفظ هذا القرش بأسرار الصحة وطول العمر

Bread assortment قرش جرينلاند
حقوق الصورة: الجمعية الفيزيولوجية

إن المياه الجليدية في المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي باردة جداً. ولكن هذه المياه يمكن أن تصل في الواقع إلى درجات حرارة أقل مما نعتقد أنه تجمد وتبقى سائلة. (1.7 تحت الصفر بدلاً من الدرجة المعروفة للتجمد وهي صفر مئوية.) وبدون أي معدات واقية، يمكن للجسم البشري أن يتحمل 15 دقيقة في هذه الدرجة قبل أن يستسلم لفقدان الوعي، و45 دقيقة قبل أن يموت.

وما يزال قرش جرينلاند الذي قد يصل طوله إلى 4.60 متر، ووزنه إلى 400 كيلوجرام يستوطن هذه المياه. هذه السمكة الغضروفية التي لا يقتصر عملها على تحمل درجات الحرارة المتجمدة، فهي تقاوم الأمراض الشائعة عند البشر، كالسرطان، ويمكن أن يكون لديها السر الذي قد نستفيد منه من أجل حياة أطول وأكثر صحة.

تقول هولي شيلز، أستاذة وظائف الأعضاء في جامعة مانشيستر: “لم يحظ هذا النوع الخاص من أسماك القرش بالدارسة الكافية، وهو غير معروف لدى لباحثين، أو لدى أي شخص عدا سكان جرينلاند أنفسهم”. وقد عادت شيلز حديثاً من بعثة إلى القطب الشمالي مع مجموعة دولية من ثمانية علماء، كان هدفها تغيير هذا الموقف من قرش جرينلاند.

وقد جذب هذا القرش المحيّر الانتباه لأول مرة على نطاق واسع العام الماضي، عندما كان موضوع الغلاف في مجلة العلوم. وكان سكان جرينلاند يقولون منذ وقت طويل إن قرش جرينلاند يمكن أن يعيش عمراً مديداً. وقد أثبت باحثون من الدنمارك العام الماضي أن هذا النوع هو الأطول عمراً بين الفقاريات، حيث يمكن أن يعيش حتى عمر 400 عام، وهو ما يثير -وفقاً لشيلز- العديد من الأسئلة، مثل: “لماذا لا يصاب بالسرطان مادام يعيش هذا العمر المديد؟”.

والسرطان هو مرض نسخ الخلايا. فعندما تقوم خلايانا بنسخ نفسها، فقد يحدث خطأ أثناء هذا النسخ، إما بسبب حدوث ضرر ما، أو بسبب أنها وصلت إلى نهاية دورة حياتها الطبيعية، وهو ما قد يتحول إلى سرطان. وبصفة عامة، كلما طالت فترة البقاء على قيد الحياة، زاد نسخ الخلايا، ما يزيد من فرص حدوث مثل هذه الأخطاء. وهو ما يفسر كون الإصابة بالسرطان أكثر شيوعاً عند البالغين. ولكن جين كالمينت، أكبر معمرة في العالم بعمر 122 عاماً، تعتبر مجرد طفلة مقارنة بقرش جرينلاند. ويبدو أن هذه المخلوقات لا تصل إلى سن البلوغ حتى تصل إلى سن 150 عاماً. ولسنا متأكدين من الطريقة التي تجعل هذا القرش يحقق هذا الإنجاز، ولكننا نعرف أنه يفعل ذلك وحسب.

تقول شيلز: “لقد أتيت هنا لأنهم كانوا يريدون أحداً يبحث في الجهاز القلبي الوعائي. وأمراض القلب هي أمراض الشيخوخة. ونحن نعلم أن كل سنة تعيشها بعد سن الخامسة والستين تزيد من احتمال حدوث الإصابة بأمراض القلب، فكيف تتابع هذه الحيوانات الحياة حتى عمر 400 عام؟ هل تصاب بالتليف، أو عدم انتظام ضربات القلب، أو أي من الأشياء التي تصيب القلب البشري والتي نربطها بالشيخوخة؟”

وتشير شيلز إلى أن الهدف من هذه الرحلة هو المراقبة للمساهمة في سد الفجوة المتعلقة بفهمنا لأسماك قرش جرينلاند. وهي في سباق ضد الزمن مع بقية الباحثين لتعلّم أكبر قدر ممكن من المعلومات عن هذا النوع من أسماك القرش، وذلك بهدف حماية هذا النوع، ولمعرفة الجوانب الفيزيولوجية الخاصة به والتي يمكن أن تحسن فهمنا للصحة والرفاهية البشرية.

ولكن لماذا هذا الاندفاع؟ لأن الصيد المتصاعد في شمال الأطلسي والقارة القطبية الشمالية يعني أن قرش جرينلاند يتعرض بشكل متزايد للصيد العرَضي، وهو صيد نوع ما دون قصد أثناء محاولة اصطياد أنواع أخرى. كما أن أسماك قرش جرينلاند الصغير قليلة جداً. وبالنظر إلى أن الأمر قد يستغرق 150 عاماً قبل أن تصبح الإناث قادرة على التكاثر، فعلينا أن نتوقع تغيراً جذرياً في أي وقت. ولذلك فقد يساهم البشر في إزالة أسماك قرش جرينلاند من المحيط.

تقول شيلز: “عندما تفكر بجهود فريق كبير، فأنت لا تفكر بالفيزيزلوجيا، لذلك فمن المثير للاهتمام أنه يوجد مجال جديد من فيزيولوجيا الحفاظ على الأنواع، والتي تهتم بفهم الطريقة التي تعمل بها الحيوانات على جميع المستويات لوضع خطط الحفاظ على بقائها”.

وهذا ما يثير المخاوف من أن الضغوط البشرية قد تضر من غير قصد بقرش جرينلاند لينضم إلى القائمة الحمراء للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعي (الأنواع القريبة من خطر الانقراض). وسيكون الأمر محبطاً أكثر إذا أخذت بعين الاعتبار أن هذه الحيوانات تتعرض للصيد من أجل الطبقة السميكة من الزيوت الدهنية التي تحيط بكبدها.

تقول شيلز: “كان هذا النوع من أسماك القرش قد تعرض للصيد الجائر منذ مطلع القرن العشرين وحتى عام 1940 وذلك بسبب كبده الذي كان يستخدم كزيت محركات في سنوات الحرب. ولأنه حيوان ضخم فإن كبده ضخم أيضاً. ولأنه يعيش في المياه الباردة، فإنه يخزن الكثير من الدهون في كبده. ولهذا فهو يعمل بشكل ممتاز كزيت محركات”.

الباحثون يتحركون لوسم قرش جرينلاند
حقوق الصورة: الجمعية الفيزيولوجية


ووفقاً لبعثة شيلز وغيرها من البعثات المشابهة، فإن هناك الكثير من الأشياء المفيدة التي يمكن تعلمها عن قرش جرينلاند. فقلبه على سبيل المثال، ينبض مرة واحدة كل 12 ثانية، بينما ينبض قلب الإنسان مرة واحدة على الأقل كل ثانية في حالة الراحة (ويكون أسرع من ذلك في حالة النشاط، أو عند الأطفال). وينبض القلب البشري بسرعة أكبر مع ضخ كمية أقل من الدم، حيث ترسل كل نبضة كمية قليلة من الدم إلى أنحاء الجسم. بينما يقوم قرش جرينلاند بضغط قلبه ليرسل الدم إلى أنحاء جسمه في نبضة واحدة، يتبعها فاصل من 12 ثانية لإعادة الملء.

والقلب ليس العضو الوحيد الذي يتحرك ببطء عند أسماك قرش جرينلاند، فذيلها يتحرك ببطء أيضاً. وقد قام باحث ياباني من البعثة بتثبيت حساسات تقوم بجمع كل أنواع المعلومات عن الكائنات الحية من خلال ذيلها.
تقول شيلز: “معدل نبض ذيلها هو أبطأ معدل نبض للذيل تم تسجيله، حتى لو قمت بمقارنة النبض مع اعتبارات الحرارة وحجم الجسم”.

وفي حين تعاني بعض الحيوانات القطبية من التلوث الذي أخذ طريقه باتحاه الشمال مع التيارات المحيطية، فإن أسماك قرش جرينلاند على ما يبدو بقيت سالمة. وتشير شيلز إلى إحدى الدراسات التي اختبرت عينات نسيجية لتحديد إذا ما كانت بعض الملوثات المعروفة متركزة في أجسام أسماك قرش جرينلاند.
تقول شيلز: “الشيء المثير للاهتمام هو أن تلك الملوثات لم تكن موجودة، ولكن دراسة واحدة لا تكفي”.

وهذا هو بالضبط سبب حاجة الباحثين إلى مواصلة تحدي المياه الجليدية لمعرفة المزيد عن هذا القرش وموطنه. وإذا كنا محظوظين، فربما يكون بإمكاننا يوماً ما أن نسرق بعض أسرار طول عمر هذه الحيوانات. ولكن إذا لم نكن حذرين، فقد تكون السلوكيات البشرية الشيء الوحيد القادر على إبادة هذه المخلوقات المرنة.

error: Content is protected !!