Reading Time: 5 minutes

في صفقة هي الأضخم من نوعها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أعلنت أوبر استحواذها على كريم بشكلٍ كامل مقابل 3.1 مليار دولار، يتم سداد 1.4 مليار منها نقدياً، و 1.7 مليار المتبقية في شكل سندات قابلة للتحويل، على أن يتم إنهاء إجراءات الاستحواذ في الربع الأول من 2020 بعد الخضوع لموافقة الجهات التنظيمية ذات الصلة.

بدأت كريم رحلتها كشركة ناشئة في دبي عام 2012، لتصل على مدار سبع سنوات من العمل والتحديات إلى أكثر من 30 مليون مستخدم، ومليون كابتن، في أكثر من 120 مدينة داخل 15 دولة مختلفة. ووفقاً لبيان الاستحواذ الذي أصدرته أوبر اليوم، فإن هذه الصفقة ستساعد أوبر وكريم في “تحسين البنية التحتية للتنقل في المنطقة على نطاق واسع، وتقديم خيارات متنوعة للتنقل والتوصيل والدفع”.

ما وراء الاستحواذ

هناك العديد من الأسباب التي تدفع الشركات الكبيرة للاستحواذ على الشركات الناشئة، منها على سبيل المثال:

  • تحقيق النمو
    عادة ما يكون هذا هو الهدف وراء “الاندماجات الأفقية” التي تحدث بين الشركات العاملة في نفس الصناعة، مثلما حدث بين أوبر وكريم، أو أمازون وسوق، حيث تؤدي عمليات الاستحواذ هذه إلى زيادة حصة المستحوذ من حجم السوق، ما يعني زيادة عدد المستخدمين والشريحة المستهدفة، وبالتالي الأرباح. في كتاب “Strategic Acquisition: A Smarter Way to Grow a Company”، يشير المؤلفان “ديفيد آنيس” و”جاري سكين” إلى أن تحقيق النمو من خلال الاستحواذ عملية أسرع، أرخص، وأقل مخاطرة من طرق النمو التقليدية.
  • قتل المنافسة
    بدلاً من استهلاك الموارد المالية والبشرية في المنافسة مع الشركات الناشئة، تقوم بعض الشركات بالاستحواذ على غيرها بهدف قتل فرص المنافسة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى وجود حالة من الاحتكار، وهو الأمر المتوقع حدوثه في بعض الدول التي لا يوجد بها أي خدمات منافسة لأوبر وكريم في الوقت الحالي. مثال آخر على عمليات الاستحواذ بهدف قتل المنافسة هو قيام جوجل بشراء “بيكاسا” ثم غلقها بهدف التركيز فقط على منصة جوجل المخصصة للصور. في دراسة أجراها باحثون من جامعة “يال” على بيانات الاستحواذ التي تمت في مجال صناعة الدواء، اكتشف الباحثون أن ما يقرب من 6 % من عمليات الاستحواذ كانت بهدف قتل المنافسة ووقف عمليات تطوير الدواء بالشركات التي تم الاستحواذ عليها، وكلما كانت المنتجات التي تم الاستحواذ عليها متشابهة مع منتجات المُستحوذ، كلما زادت فرص إغلاقها وعدم استمرارها في السوق.
  • التوسع ودخول سوق جديد
    محاولة دخول سوق جديد هي عملية مرهقة ومُكلفة، لذا تلجأ بعض الشركات لعمليات الاندماج أو الاستحواذ على الشركات النشطة في المناطق التي تسعى للعمل بها أو الأسواق التي تحاول دخولها، ما يضيف لها فرص تخطي حواجز العمل بالإضافة إلى ضمان عدم المنافسة. تعتمد أمازون على هذا النموذج، حيث تقوم بدخول أسواق جديدة من خلال عمليات الاستحواذ مثلما فعلت مع سوق في صفقة تقدر بقيمة 650 مليون دولار عام 2017 حتى تتوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

  • الحصول على تقنيات جديدة
    شراء تقنيات جديدة غالباً ما يكون عملية أسرع وأرخص تكلفة من بناء واحدة من الصفر. هذا هو المبدأ الذي تتبعه معظم المؤسسات العملاقة، حيث تقوم بالاستحواذ على الشركات التكنولوجية الناشئة للوصول إلى تقنيات جديدة في وقتٍ أسرع بدلا من إهلاك المصادر البشرية والمادية في محاولة بناء تقنية من الصفر. هذا ما فعلته آبل على سبيل المثال، حينما قامت بشراء تطبيق “سيري” عام 2010 بأكثر من 200 مليون دولار ليصبح المساعد الافتراضي الرئيسي في أنظمة تشغيل آبل. تتبع عادةً المؤسسات الضخمة هذا النموذج مثل “سيسكو” و”آي بي إم”، حيث يتم شراء تقنيات ناشئة جديدة، ومن ثم دمجها في الحلول والخدمات التي تقدمها الشركات المستحوذة.

عادةً، تتنوع الأهداف من وراء عملية الاستحواذ، فقد يكون الاستحواذ هادفاً إلى تحقيق نمو سريع مع ضمان عدم المنافسة مثلما تفعل فيسبوك في مجال التواصل الاجتماعي حيث تقوم بسلسلة من الاستحواذات على الشركات الناشئة بهدف زيادة جمهورها وقتل فرص المنافسة كما فعلت مع تطبيقي واتساب وانستغرام.

التأثير في السوق المحلي

تؤثر عمليات الاستحواذ في السوق المحلي -والعالمي- بشكلٍ ملحوظ، فهي تُمثل نموذجاً ربحياً ناجحاً للشركات الناشئة، فبعد عددٍ من السنوات والاستثمارات، تصل بعض الشركات إلى مرحلة الاستحواذ بالكامل، مما يوفر خروج آمن -ومُربح بالطبع- لمؤسسيها والمستثمرين بها على حدٍ سواء.

وفقاً لتقرير “ميرجر ماركت“، وصلت قيمة عمليات الاندماج والاستحواذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2018 إلى 26.76 مليار دولار، مقارنة بـ 15.86 مليار دولار عام 2017، بزيادة قدرها حوالي 68.7 بالمائة، ووصلت قيمة هذه العمليات في دولة الإمارات وحدها إلى 10.4 مليار دولار. أحد أهم عمليات الاستحواذ التي حدثت خلال عام 2018، هي استحواذ شركة “سامسونج” على شركة “كنجين” المصرية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بهدف تطوير مساعد سامسونج الافتراضي “بيكسبي”، إلا أن قيمة الصفقة لم يتم إعلانها. كذلك قامت كريم خلال عام 2018 بالاستحواذ على منصة “راوند منيو” المُخصصة لاستكشاف المطاعم والمأكولات، بهدف المنافسة في صناعة توصيل الطعام، إلا أن قيمة الصفقة لم يتم إعلانها أيضا.

في الوقت ذاته، شهد حجم الاستثمار في الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة ملحوظة في عام 2018، حيث وصلت قيمة الاستثمارات في الشركات الناشئة بالمنطقة إلى 893 مليون دولار، بزيادة قدرها 31 % عن عام 2017، مما يشير إلى نمو حجم سوق الشركات الناشئة بالمنطقة. جديرٌ بالذكر أن القطاعات الأكثر نشاطاً وحصولاً على الاستثمارات خلال 2018 هي مجال التكنولوجيا المالية بنسبة 12 % من إجمالي حجم التمويل، متبوعاً بالتجارة الإلكترونية بنسبة 11 بالمائة، ثم الشحن والمواصلات بنسبة 8 %.

ليس بالضرورة أن تكون العلاقة بين حجم الاستحواذ وحجم الاستثمار علاقة سببية، لكنها في نهاية المطاف مؤشرات تدل على تطور حجم سوق ريادة الأعمال في المنطقة، مما سيجعلنا نشهد -على الأغلب- الكثير من الأفكار الثورية في المستقبل القريب على الأخص التي تستغل التكنولوجيا في تطوير البُنى التحتية في مجالاتٍ عدة.

الاستحواذ بهدف التطوير

تحتاج الأفكار إلى تمويل مستمر حتى تصل إلى مرحلة التطبيق ومن ثم التأثير، لذا يمكننا النظر إلى بعض عمليات الاستحواذ على أنها عملية تؤدي إلى التطوير، حيث تقوم المؤسسات الكبيرة بتوفير كافة المصادر البشرية والمادية التي قد تحتاجها التقنيات للتطور والنمو وتحقيق التأثير المطلوب.

في عام 2011، قامت شركة “غيلياد ساينسز” بالاستحواذ على شركة “فارماسيت” المتخصصة في تطوير أدوية الأمراض الفيروسية مثل فيروسات التهاب الكبد من النوع ايه، بي، وسي، وهي أيضاً الشركة المطورة لعلاج “سوفالدي” الشهير الذي يُستخدم في علاج فيروس التهاب الكبد من النوع سي. خاطرت “غيلياد” في صفقة الاستحواذ هذه التي وصلت قيمتها إلى 11.2 مليار دولار وقتها، وواجهت الكثير من الانتقادات باعتبارها مخاطرة كبيرة غير مضمونة النتائج. حسناً، لم تكن هذه الصفقة جيدة بالنسبة لـشركة “غيلياد”، لكنها كانت استثنائية، حيث ارتفعت القيمة الإجمالية للشركة -بمجرد حصولها على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على عقار سوفالدي- من 31 مليار دولار، لتصل إلى 159 مليار دولار بحلول أكتوبر 2014. وصلت مبيعات غيلياد من علاج فيروس سي عام 2015 وحده إلى 19.1 مليار دولار أي أكثر من القيمة التي استثمرتها في شراء فارماسيت. لا يقتصر الاستحواذ على زيادة الأرباح فقط، بل قامت غيلياد بإضافة خبرتها في مجال الأدوية من خلال تطوير علاج سوفالدي ودمجه مع بعض المركبات الأخرى حتى وصل إلى شكله النهائي في علاج مرضى فيروس سي على مدار 12 أسبوعاً، ونتيجة لهذا قلّ عدد المرضى المصابين بفيروس سي خلال السنوات الماضية بشكلٍ ملحوظ.

حسناً، سنعود بالزمن إلى 11 يوليو عام 2005، حينما أعلنت جوجل عن شراء “أندرويد” مقابل 50 مليون دولار. كان الهدف من أندرويد في البداية بناء نظام تشغيل مخصص للكاميرات، لكن سرعان ما تحولت الفكرة إلى بناء نظام تشغيل مخصص للهواتف، إلا أنها مرت ببعض العثرات المادية قبل أن تستحوذ عليها جوجل نظير هذا المبلغ الضئيل وقتها. بالطبع استثمرت جوجل في تطوير نظام أندرويد، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، حيث يقوم باستخدامه أكثر من 2 مليار مستخدم نشط شهرياً، بالإضافة إلى استحواذه على نسبة 85% من سوق أنظمة التشغيل للهواتف المحمولة. تحول أندرويد من نظام تشغيل للكاميرات والهواتف يمر بعثرات مادية، إلى نظام التشغيل الأكثر استخداماً في الهواتف اليوم، مما يوضح أهمية بعض عمليات الاستحواذ على المساهمة في تطوير المنتجات للأفضل.

أما الصفقة الأكبر في تاريخ آي بي إم، فقد شهدناها العام الماضي، حينما أعلنت عن الاستحواذ على “ريد هات” الموزع الأكبر لنظام التشغيل مفتوح المصدر “لينوكس” العام الماضي، في صفقة تقدر بـ “34 مليار دولار” لتصبح ثالث أكبر صفقة في تاريخ التكنولوجيا الأمريكية. تحاول آي بي إم المنافسة في مجال الحوسبة السحابية مما دفعها إلى عملية الاستحواذ هذه، حيث قامت بدمج “ريد هات” كوحدة ضمن قسم “آي بي إم هايبرد كلاود”، مع الإبقاء على كافة مشاريع ريد هات المتعلقة بمصادر الوصول المفتوحة، مما سيضيف ميزة كبيرة لآي بي إم في عملية المنافسة في سوق الحوسبة السحابية مع كلٍ من أمازون وجوجل وميكروسوفت.

ربما هناك بعض المساوىء في عمليات الاستحواذ على الأخص التي تهدف إلى الاحتكار وقتل المنافسة، إلا أن العديد من هذه العمليات تساعد في تحقيق النمو أو زيادة قيمة العائدات والأرباح، كما تساعدنا كمستخدمين أيضاً في الحصول على خدمات أكثر تطوراً من التقنيات الحالية، بالإضافة إلى إلهام مجتمع رواد الأعمال في التركيز على أهدافه ومحاولة بناء أفكار تكنولوجية وثورية من شأنها مساعدة الناس والتيسير عليهم، كما تُصر “كريم” دائماً على أن مهتمها هي “منح الناس حلولًا تُسهّل حياتهم وترتقي بها من خلال تشييد مؤسسة رائعة تُلهم الآخرين”.