Reading Time: 4 minutes

من المنتظر أن تنمو صناعة الفضاء الأسترالية لتصبح قطاعاً تبلغ قيمته نحو مليارات الدولارات؛ يمكنه تأمين عشرات آلاف فرص العمل، والمساعدة في تعويض النقص الحاصل في الموارد الثمينة على الأرض. ولكن للتأكد من عدم فشلها والمحافظة على استمرارها، تحتاج شركات الفضاء إلى تعلّم بعض الدروس الأساسية حول الاستدامة في قطاع الفضاء.

تُعرّف الاستدامة عادةً بأنها: تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها، وغالباً ما يُربط هذا التعريف بضرورة التنمية الاقتصادية المستمرة، أما في سياق موضوعنا، فسنربطها بحاجات المجتمع -الأسترالي- المادية والاجتماعية.

لا يمكننا النمو بلا حدود. لقد أشار تقريرٌ «حدود النمو» والمؤثّر عام 1972 إلى أنه إذا استمر نمو المجتمع -في أستراليا- وفقاً للمعدلات المُتوقعة حينها، فإن البشرية ستواجه «انخفاضاً مفاجئاً لا يمكن السيطرة عليه في طاقة الاستيعاب السكّانية، وفي المصادر اللازمة لمختلف قطاعات الإنتاج بحلول عام 2070». وقد عززت الأبحاث الحديثة التي أجراها معهد الاستدامة في جامعة ملبورن الأسترالية هذه الاستنتاجات أيضاً. حيث تزداد حاجتنا الماسّة التي لا يشبعها شيء للموارد في ظلّ استمرار سعينا وراء تحسين طريقة حياتنا، ولكن ما هي علاقة استخدام مواردنا بصناعة الفضاء؟

هناك طريقتان يمكننا من خلالهما أن نحاول تفادي هذا الانهيار المتوقع والمُشار إليه في تقرير «حدود النمو»، يمكننا تغيير سلوكياتنا من النمط الاستهلاكي إلى نمط التوفير والمحافظة على الموارد، أو يمكننا اكتشاف مصادر جديدة لإنعاش مخزوننا من الموارد غير المتجددة؛ وتمثّل صناعة الفضاء فرصةً كبيرةً أمامنا لتنفيذ الخيار الثاني.

هناك فرصةٌ كبيرةٌ جداً لاستخراج المعادن من الأجسام الفضائية (الكويكبات) مثل الذهب والكوبالت والنيكل والبلاتين بالإضافة للموارد اللازمة لاستكشاف نظامنا الشمسي في المستقبل مثل الماء الجليدي المُكتشف حديثاً على سطح القمر، والذي يُعد حيوياً جداً وحاسماً في تمكين جهودنا الاستكشافية الأخرى نظراً لإمكانية تنقيته واستخدامه كماء للشرب ومصدرٍ للأوكسجين وكوقود للصواريخ أيضاً.

ولكن لكي تقوم المهمّات الفضائية في المستقبل بإنعاش مواردنا المتضائلةَ على الأرض، يجب أن تكون صناعاتنا الفضائية نفسها مستدامةً، وهذا يعني بناء ثقافة الاستدامة في هذه الصناعات لضمان استمراريتها ونموّها.

كيف نقيس الاستدامة؟

يُعد حساب الحصيلة الثلاثية، أو خط الأساس الثلاثي «TBL»؛ هو أحد أكثر الطرق المُستخدمة شيوعاً لتقدير استدامة الشركات، وهو يعتمد في حسابه على ثلاثة عوامل مؤثرة، الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، لأنه يمكن استخدام إطار مشترك لقياس الأداء في هذه المجالات الثلاث.

في عام 2006، قدمت باحثة الأعمال المستدامة في جامعة سيدني للتكنولوجيا «سوزان بن» وزملاؤها طريقةً «نموذجاً رياضياً» لتقييم استدامة الشركات «corporate sustainability» لإحدى المؤسسات في المجالين الاجتماعي والبيئي. وقد توسّع فيما بعد زميلها «بروس بيرّوت»  في هذا الطريقة عام 2014 وطوّرها لتشمل البعد الاقتصادي.

يسمح هذا النموذج بتقييم المؤسسات على مقياسٍ من واحد إلى ستة مستويات للاستدامة. وهي بالترتيب: مرفوض، لا يستجيب للاستدامة، يقبل الاستدامة، الفعّال، الفعّال على المستوى الاستراتيجي ، وأخيراً المؤسسة المُستدامة.

الاستدامة في صناعة الفضاء

الفضاء, ناسا, الاستدامة, المستقبل

استخدمت هذه النماذج في بحثي [ريتشارد ماثيوز/ كاتب المقال] الذي قدمته هذا الأسبوع في المؤتمر الأسترالي لأبحاث الفضاء في أديليد، لتقييم استدامة شركة الفضاء الأميركية «سبيس إكس»، وذلك من خلال المعلومات المُتوفرة مجاناً حول هذه الشركة، وقد حازت الشركة حسب تقييمي على علامة 3 من 6 على مقياس الاستدامة.

بالرغم من أن «سبيس إكس» كانت مبتكرةً في تصميم طرق السفر إلى الفضاء، إلا أن ابتكاراتها لم تكن معنية بالشأن البيئي، بل كانت بهدف التوفير في نفقات عمليات الإطلاق.

كما تعتمد شركة «سبيس إكس» بشكلٍ كبير على العقود الحكومية في نفقاتها التشغيلية. حيث ثارت شكوك في أرباحها، وتحدّث عنها العديد من المحللين حول مصدر رأس المال الذي تجمعه من خلال القروض، وبيع تذاكر السفر المستقبلية إلى الفضاء بغرض السياحة الفضائية التي تنمو شيئاً فشيئاً. ربما يُنظر إلى هذه الطريقة في جمع رأس المال كطريقة لتوليد الإيرادات، لكن الاقتصاديين سيصنّفون هذه الإيرادات كديون مُستحقة الدفع لاحقاً.

في الحقيقة تُمثل تجارة المبيعات المستقبلية التي تمارسها هذه الشركة مصدر قلقٍ متزايد لصناعة الفضاء، مع الأخذ بعين الاعتبار فشل الشركات الفضائية السياحية الأخرى في تأمين مثل هذه الموارد لنموها؛ مثل شركة «فيرجين جالاجتيك – Virgin Galactic»، وأكّدت تقاريرٌ أنّها ستفقد عملائها بحلول عام 2023 بسبب التكاليف المرتفعة المرتبطة بإنجاز الرحلات الفضائية المُزمع القيام بها.

بالإضافة إلى ذلك، كان أداء شركة «سبيس إكس» سيئاً من ناحية توفير ظروف العمل اللائقة، والتي تتعلّق بالاستدامة. فكما هو الحال في العديد من الشركات الناشئة، من المعلوم أنّ العاملين في الشركة يعملون لأكثر من 80 ساعةً في الأسبوع دون منحهم الاستراحات الإجبارية المنصوص عليها في قوانين العمل. كانت هذه المشكلة موضوع دعوىً قضائية تمت تسويتها عام 2017. ومثل هذا السلوك ينتهك الهدف رقم 8 من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، والذي يسعى إلى تحقيق «العمل اللائق للجميع».

ماذا بعد؟

أستراليا في وضعٍ فريدٍ من نوعه. فنظراً لأنها دخلت حديثاً إلى مجال صناعة الفضاء، فإن فرصة الاستثمار فيها كبيرة. تتوقع الحكومة الفيدرالية أنه بحلول عام 2030، يمكن أن تصل قيمة قطاع صناعة الفضاء إلى 12 مليار دولار أسترالي تُسهم في توفير 20 ألف فرصة عمل.

فقد أظهرت العروض التقديمية التي قدّمتها وكالة الفضاء الأسترالية في مؤتمر أبحاث الفضاء الاسترالي  شيئاً واحداً بوضوح، وهو أن تنظيم هذه الصناعة سيتم العمل عليه ليُصار إلى وضعه في حيّز التطبيق قريباً. يمكن أن يكسبنا ذلك ميزةً تنافسية. وذلك من خلال تضمين مبادئ الاستدامة في الشركات الفضائية التي ستنشأ عندنا، وبذلك يمكننا تجنّب التكلفة الاقتصادية الناجمة عن تصحيح السلوكيات السيئة لاحقاً.

سنكسب ميزة المحرك أو المبادر الأول «First-Mover» في تضمين وتطبيق هذه المبادئ، التي ستزيد بدورها ثقة المستثمرين، وتعمل على تحسين تقييمات الشركات.

في الختام، يجب أن يعتمد قطاع الفضاء أساساً على مبادئ الاستدامة لضمان قدرته على أن يدوم طويلاً بما يكفي لتوفير فوائد حقيقية لأستراليا والعالم.

تم نشر هذا المقال بواسطة «ريتشارد ماثيوز» في موقع ذا كونفيرسيشن