Reading Time: 2 minutes

قد تكون الجاذبية الأرضية مشكلة حقيقية تواجه العلماء في محاولات تنمية الأعضاء، لذلك تكتسب تجارب تنمية الأعضاء البشرية في الفضاء أهمية كبيرة. فقد كشف الباحثون عن رؤى جديدة في العلوم البيولوجية تشمل تقنيات جديدة لتطوير الأنسجة البشرية.

في الواقع، تؤثر الجاذبية على السلوك الخلوي من خلال التأثير على كيفية تفاعل البروتين والجينات داخل الخلايا، مما يخلق أنسجة مستقطبة، وهي خطوة أساسية لتطور الأعضاء الطبيعية. لسوء الحظ، تعيق الجاذبية عملية إنتاج أنسجة حية ثلاثية الأبعاد في المختبر بهدف استخدامها طبياً. يُعدّ هذا الأمر صعباً بسبب محدودية فعالية المفاعلات البيولوجية (جهازٍ أو وعاء تُجرى فيه عملية التفاعلات الكيميائية التي تشمل الكائنات الحية أو المواد النشطة الكيميائية الحيوية المشتقة من الكائنات الحية المختلفة) المستخدمة على الأرض، لذلك يتوجه العلماء الآن لتطويرها في الفضاء.

أنا أخصائي في الخلايا الجذعية، ولدي اهتمامات وأبحاث تتعلّق بصحة الدماغ وتطوره. تشمل أبحاثي المخبرية كيفية تكوين دماغ الإنسان داخل الرحم، وكيف يمكن أن يكون للشذوذات في هذه العملية عواقب تستمر مدى الحياة على السلوك البشري، مثل التوحد أو الفصام. وتركز جزء من هذه الدراسات على تنمية خلايا الدماغ في الفضاء.

تنمية الأنسجة والأعضاء في المختبر

لبناء أنسجة متناسقة في المختبر، يستخدم العلماء «السقالات» لتوفير سطحٍ صلب محدد الشكل مُسبقاً كي تستند إليه الخلايا أثناء نموها. على سبيل المثال، تحتاج الكلى الاصطناعية إلى بنيةٍ أو سقالة ذات شكل معين كي تنمو عليها خلايا الكلى. في الواقع، هذه الإستراتيجية تساعد الأنسجة على النمو بانتظام في المراحل المبكرة، لكنها تخلق مشاكل على المدى الطويل؛ مثل ردّ الفعل المناعي لهذه الخلايا على السقالات الاصطناعية، أو الهياكل غير الدقيقة.

وعلى النقيض من ذلك، وفي ظروف انعدام الوزن، يمكن للخلايا أن تنمو وتتخذ شكلاً دقيقاً ثلاثي الأبعاد بحريّة دون الحاجة إلى ركيزة السقالة. فمن خلال إزالة عامل الجاذبية من المعادلة، قد نتمكّن نحن الباحثون من تطوير طرقٍ جديدة لبناء الأنسجة البشرية، مثل الغضاريف والأوعية الدموية دون الاعتماد على السقالات، ومحاكاة ترتيبها الخلوي الطبيعي في بيئة صناعية.

وبالرغم من أن ذلك لا يشبه تماماً تطور الأعضاء في الرحم (في النهاية يخضع الرحم إلى الجاذبية الأرضية)، إلا أن ظروف انعدام الجاذبية تمنحنا ميزة، وهذه بالضبط الظروف المتوفرة في محطة الفضاء الدولية.

تساعد هذه الأبحاث العلماء على تحسين تنمية الأنسجة البشرية لاستخدامها في العلوم الأساسية والطب الشخصي (الدقيق) وزراعة الأعضاء.

ولكن هناك أسباب أخرى تدفعنا لصنع الأعضاء في الفضاء. تؤدي المهمات الفضائية الطويلة إلى حدوث سلسلة تغيرات فسيولوجية في أجسام رواد الفضاء، ورغم أن بعض هذه التغيرات الفسيولوجية يمكن أن تعود إلى طبيعتها مع مرور الوقت، إلا أن بعضها الآخر لا يعود مطلقاً، مما يعرّض روّاد الفضاء إلى المخاطر في الرحلات الفضائية المستقبلية الطويلة جداً.

يمكن أن تكشف دراسة أجسام رواد الفضاء قبل وبعد مهمتهم عن التغيرات التي حدثت في أعضائهم، لكنها لا تقدم سوى القليل من الرؤى حول الآليات المسؤولة عن التغيرات المرصودة. وبالتالي، يمكن لتجارب تنمية الأنسجة البشرية في الفضاء أن تكمّل هذا النوع من الاستقصاء، وتكشف عن طرق لمعالجته.

أخيراً، تطورت جميع أشكال الحياة التي نعرفها في وجود الجاذبية الصغرى. وبدون الجاذبية، ربما كانت أدمغتنا تطورت بطريقةٍ مختلفة، أو قامت أعضائنا الداخلية بوظائفها بشكلٍ مختلف عما هي الآن في وجود الجاذبية.

يمكننا من خلال إعادة تشكيل الأعضاء الجنينية في الفضاء، توقع كيفية تطوّر أعضاء جسم الإنسان في الرحم. لدينا العديد من المبادرات البحثية الجارية لتنمية الأنسجة الدماغية مخبرياً على متن محطة الفضاء الدولية، وهي مصممة لدراسة تأثير انعدام الجاذبية على تطوّر الدماغ البشري. سيكون لهذه الأبحاث آثار كبيرة على مشاريع استعمار البشر للفضاء في المستقبل، حيث ستجيب على أسئلةٍ مهمة مثل: هل يمكن للبشر التكاثر بنجاح في الفضاء؟ ستعمل هذه الدراسات أيضاً على تحسين توليد الأعضاء الاصطناعية المستخدمة لاختبار الأدوية والعلاجات على الأرض. تُرى هل سيتمكن الباحثون من تطوير علاجاتٍ أفضل للأمراض العصبية النمائية والأمراض العصبية التنكسية -التي تؤثر على الملايين- في الفضاء؟

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن