Reading Time: 4 minutes

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أكثر من ثلث سكان الولايات المتحدة لديهم مخاوف متعلقة باللقاحات؛ والتي من المرجّح أنها ستكون الطريقة الوحيدة الموثوقة لإنهاء جائحة فيروس كورونا. فلماذا يخاف الناس من اللقاحات؟

تعكس هذه النتائج الشعور العام الذي ساد في الولايات المتحدة في الخمسينيات عندما وُزّع لقاح شلل الأطفال. في الواقع، هناك عدة أسبابٍ محتملة لمخاوف الناس؛ مثل تلك التي تتعلّق بالسلامة العامة، ونقص شفافية المجتمع العلمي، وانعدام الثقة في الحكومة، والرغبة في الانتظار وقتاً أطول حتّى تحوز اللقاحات سجل أمانٍ أكبر.

نحن خبراء في نشر الثقافة الصحية عبر الإعلام والتواصل الصحي والسياسي والإحصاء الحيوي والبحوث الطبية الحيوية لمقدمي الرعاية الصحية، ونعمل في مركز «إدوارد آر مورو» في جامعة ولاية واشنطن لأبحاث تعزيز وسائل الإعلام والصحة، وكلية «إلسون إس فلويد» للطب، نحن نعيش أيضاً في مجتمعات نأمل أن نخدمها بعلمنا.

استناداً إلى أبحاثنا، نعتقد أن المسؤولين بحاجة إلى استغلال فترة الاختبار هذه لبناء الثقة؛ وليس لخلق أسباب لإضعافها. يمكن أن يساعد احترام الناس ومصارحتهم على تعاون الناس معها بدلاً من مناهضتها، بل وحتّى إشراك الناس في عملية صنع القرار أيضاً. يجب على العلماء ومسؤولي الصحة العامة معالجة مخاوف الناس وعدم تجاهلها؛ وهي عملية شائعة في مجالاتٍ أخرى في نطاق العلاقة بين المُصنّع والمرض، لكنها بالنسبة لقضية اللقاحات ما تزال إلى الآن استثناءً بارزاً.

اللقاحات والمضاعفات

تعد اللقاحات من بين الأدوية الأكثر أماناً وتأثيراً في عالمنا؛ وسجلها يكاد يكون خالياً من النتائج السلبية لدرجة أن التطعيم الشامل بها ممكن جداً، لذلك؛ إلى جانب الخطورة العالية التي تنطوي عليها بعض الأمراض؛ مثل كوفيد-19 والحصبة والإنفلونزا، فإن المدافعين عن اللقاحات لديهم سبب وجيه للتأكيد على مدى أمان اللقاحات.

في الواقع، تضمن تاريخ اللقاحات بعضاً من اللقاحات ذات الجودة المشكوك فيها، فضلاً عن أساليب التطعيم التي كانت تثير قلقاً أكبر منها. كانت بعض الأقليات تُستهدف بالتطعيم بأسلوب «الإجبار»؛ مثل حالات التطعيم القسري ضد الجدري التي تعرّض لها الأميريكيون الأفارقة تحت تهديد السلاح في أوائل القرن العشرين، وفي نيويورك، كانت حملات تطعيم عائلات المهاجرين ضد الجدري عام 1901 تتم من خلال مداهمات الشرطة لأحيائهم في منتصف الليل، وتفريق الآباء عن الأبناء، وتطعيم أكبر عددٍ ممكن منهم.

عندما بدأت حملة التطعيم بلقاح شلل الأطفال (الذي يحوي على فيروسٍ حي مُضعّف) على نطاقٍ واسع عام 1955، كان المطلوب سرعة التطعيم بغضّ النظر عن السلامة، ونتيجةً لذلك، أصيب 70 ألف طفلٍ بضعفٍ عضلي، بينما أُصيب 164 طفلاً بشللٍ دائم، وتوفي 10 أطفال؛ أدى ذلك إلى تدخلٍ حكومي مباشر، ومطالبة المصنعين بإجراء اختبارات السلامة والفعالية للّقاحات قبل إعطائها.

بلا شكّ، تُغذي هذه الأمثلة شكوك ومخاوف الناس. يجب أن تدفعنا مثل هذه الأحداث -سواء كنّا علماء أم لا- إلى بذل جهدنا لتقديم الأفضل في المرة القادمة، وعدم تكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة.

لماذا لا يمكن إصلاح ضرر اللقاحات؟

كورونا حول العالم، مشاكل لقاح أسترازينيكا

shutterstock.com/Rido

بصفتنا باحثين في الطب والصحة العامة، نجد أنه من المثير للاهتمام أن الشركات المتراخية والمخادعة قد عادت إلى وضعها الطبيعي رغم ارتكابها أخطاء فادحةً؛ دون أن يؤثّر ذلك على سمعتها. على سبيل المثال، تبيّن أن شركة «فولكس فاجن» قد كذبت على الجمهور عام 2014 بشأن انبعاثات سياراتها، ومع ذلك؛ وبحلول عام 2019، زادت مبيعاتها أكثر مما كانت عليه قبل فضيحة عام 2014.

ربما نقبل بهذه العيوب القاتلة والعثرات الأخلاقية أحياناً لأن السيارات ضرورية لحياتنا. في الحقيقة؛ سجل السلامة الموثق للقاحات مذهل أيضاً، ولا يختلف عن سجل الأمان المثير للإعجاب الذي تتباهى به معظم شركات السيارات اليوم.

لكن لماذا تخضع اللقاحات لفحص خاص؟ هل هناك دورٌ للعلماء ولمقدمي الرعاية الصحية في الشعور العام بافتراض أنه يجب على الناس تنفيذ ما ينصحونهم به دون نقاش أو مشاركةٍ في عملية صنع القرار؟ هل يمكن للعلماء ومقدمي الرعاية إيصال فكرة أهمية اللقاحات بشكلٍ أفضل؟ هل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز وزرع الشك في سلطة يمكن أن يُنظر إليها على أنها موثوقة للغاية؟ في الواقع، تؤثر قرارات الرعاية الصحية الشخصية بشكلٍ دائم على أطفالنا وعائلاتنا، لذلك دعونا نرتقي إلى مستوى المناسبة، ونستغل هذه الفرصة الفريدة لإعادة صياغة الحوار حول اللقاحات.

تبنّي عملية صنع القرار المشترك

من المهم للغاية وجود مكتبٍ حكومي -قد لا يكون معروفاً على نطاقٍ واسع- يقرّ بمشاكل اللقاح السابقة وإنصاف من تضرر منها، وفي هذا الصدد؛ يُعد البرنامج الوطني للتعويض عن أضرار اللقاح؛ والذي أُطلق في الثمانينيات، أداةً قويةً للشفافية والمساءلة التي ستساعد على تشكيل عملية صنع القرار المشترك. على سبيل المثال، وُزعت أكثر من 3.7 مليار جرعة من اللقاحات المُعطاة بين عامَي 2006 و 2018، وخلال هذه الفترة، تم منح تعويضٍ لـ 5233 التماساً عن أضرار اللقاحات من أصل 7482؛ أي مقابل كل مليون جرعة لقاح يتم توزيعها، حصل فرٌد واحد على تعويض.

يجب على الخبراء الاستماع إلى مخاوف السلامة لدى الآباء والأفراد بدلاً من تجاهلها والتقليل من أهميتها، وشرح مشكلات السلامة عند الحديث إليهم بلغةٍ واضحةٍ؛ مستخدمين أمثلةً سابقة عن نجاح التعاون بين الناس والحكومة، لمحاولة بناء المزيد من الثقة في اللقاحات.

يجب على الخبراء الإقرار بأن ممارسة الطب وبحوث الصحة العامة هي مجالات علمية جديدة نسبياً في التأثير على الناس، والتقدم بسياسات الصحة العامة مقارنةً مع المجالات العلمية الأخرى الأكثر رسوخاً؛ مثل الفيزياء أو الكيمياء، فبناء الدعم العام والثقة أكثر من مجرّد الاستشهاد بأدلةٍ قوية من مؤلفاتٍ علمية خضعت لتقييم الأقران. إن الاعتراف بالأخطاء بشفافية كاملة، والإعلان عن التراجع عنها يبني الثقة أيضاً، ويجعلنا نمضي قدماً في عملية إصلاحها. في هذا الصدد، كانت خطوة شركة أسترازينيكا في الإعلان عن أحد الحوادث الضارة في تجارب لقاحها؛ والذي أدى لإيقاف تسجيل المشاركين فيها، خطوةً رائعة.

لنبدأ بالإقرار بأن جميع الأطراف تريد تحقيق نفس الهدف النهائي؛ المتمثل في عودة صحية وآمنة إلى الحياة اليومية. بالرغم من انتشار الكثير من المعلومات الخاطئة حول فيروس كورونا، لكن اتباع نهجٍ واضحٍ ومتسق يقوم على الاحترام والشفافية يمكن أن يبني الثقة في اللقاحات الجديدة.

ثم لنعترف بعد ذلك بأن اللقاحات -سابقاً والآن- لم تكن مثاليةً مئة في المئة (ولا حتى أي دواء). يجب أن نشير أيضاً أن نفس العلم الذي ينتج اللقاحات ينتج أيضاً اختراقاتٍ لا تعد ولا تحصى في مجالاتٍ أخرى؛ مثل أمراض القلب والأورام، وإنتاج أدويةٍ لا تحتاج وصفة طبية تخفف من الآلام البسيطة؛ مثل «الإيبوبروفين» (رغم أن له بعض محاذير الاستخدام).

ثم لندعوا أخيراً المشككين في اللقاحات إلى النقاش والاعتراف أن اللقاحات -مثلها مثل أي إنجاز علميٍ آخر تستفيد منه البشرية الآن- عانت من النّكسات، ولم تعمل كما هم مأمولٌ منها في بعض الأحيان سابقاً.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «ذا كونفيرسيشن» من هنا.