Reading Time: 3 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


أصبح الوعي بأشكال الرهاب غير المنطقي المختلفة هذه الأيام شائعاً جداً لدرجة أنه بالكاد يثير قلقنا. لكن العلماء لم يوجهوا اهتمامهم نحوها حتى نهاية القرن التاسع عشر، حين شخّص الطبيب الألماني «كارل ويستفال» رهاب الخلاء (الخوف من الأماكن العامة المفتوحة) لأول مرّة عام 1871. 

أصابت الحيرة ويستفال عندما راجعه 3 من المرضى، لا تبدو عليهم أية عوارض مرضية، يشكون من شعورهم بالخوف الشديد عندما يضطرون لعبور أمكنةٍ مفتوحةٍ في المدينة. كان الجميع يدركون عدم منطقية مخاوفهم، لكنهم كانوا عاجزين عن التغلب عليها.

ثم سرعان ما تبنت الأوساط العلمية الطبية الطرح القائل بامكانية إصابة الأشخاص ذوي التفكير السليم عموماً بأشكالٍ من الخوف غير المبرر، سواء في الثقافة الطبية أو الشعبية في ذلك الوقت. حيث حدّد عالم النفس الأميركي «جي ستانلي» في كتابه «دراسة جينية للخوف الزائف» عام 1914؛ ما لا يقلّ عن 136 نوعاً مختلفاً من الرهاب المرضي، وأعطاها أسماء يونانية أو لاتينية.

وتتدرج أنواع الرهاب من الفئات الأكثر شيوعاً مثل رهاب الخلاء (أجروفوبيا)، ورهاب الأماكن المغلقة (الكلستروفوبيا) ورهاب اللمس (الهابتوفوبيا)، إلى الحالات الخاصة من الرهاب مثل رهاب العربات (أماكوفوبيا)، ورهاب الريش (بترونوفبيا)، بالإضافة إلى رهاب المسؤولية (هابجايفوبيا) الذي ظهر في العصر الفيكتوري الملكي تحديداً. كان هناك أيضاً، بالطبع، رهاب الأيلوروفوبيا وهو الخوف من القطط.

نتيجةً للحاجة إلى تصنيف هذه الأمراض النفسية، تشكّلت صورة أوضح لها تمثل المخاوف وأنواع القلق التي سادت المجتمع الذي كان يتغير بسرعةٍ في ذلك العصر، والذي كان يشهد نمواً صناعياً وانحداراً للقيم الدينية في حقبة ما بعد الداروينية. كان المجتمع حينها يتحول إلى العلوم العقلية للوصول إلى إجابات.

فوبيا القطط, فوبيا الريش, الخوف من القطط

الريش؛ كابوس المصابين برهابه – مصدر الصورة: توني ألتر / فليكر

136 نوعاً من الرهاب

تعود دراسات هول عن الرهاب إلى تسعينيات القرن التاسع عشر، حيث كان أسلوبه في البحث يعتمد على توزيع المئات من الاستبيانات إلى المشاركين، وطلب منهم التعبير عن مخاوفهم. جاءت العديد من الاستبيانات من طلاب المدارس، وقدمت معلوماتٍ مذهلة، رغم أن هول لم يكن راضياً عنها وقال أنها لا تقدم سوى القليل.

من بين الإجابات، على سبيل المثال، قالت سيدة إنجليزية أن مخاوفها الدينية «سلبتها فرحة الطفولة»، وقررت بدلاً من ذلك اللجوء إلى الشيطان «الذي وجدته أكثر لطفاً». وكتب طفل في العاشرة من عمره، يبدو أنه كان أكثر دهاءً وقرر مواجهة مخاوفه، أنه قرر الذهاب إلى الجحيم عندما يموت، وقد بدأ بفرك الكبريت على جسده كي يعتاد عليها! ما الذي يدفع طفلاً لتمني الذهاب إلى الجحيم؟ يتساءل هول.

من الواضح أن هناك أسباباً اجتماعية ودينية واضحة لهذه الأشكال الخاصة من الخوف. لكن هول جادل، استناداً على الداروينية، بأن المخاوف والرهاب في جزءٍ كبيرٍ منها ما هي إلا نتاج ماضينا التطوري، وورثناها من أسلافنا البعيدين.

رهاب القطط

جذب الخوف من القطط (أيلوروفوبيا)، أحد أنواع الرهاب، اهتماماً طبياً وشعبياً كبيرين. لدرجة جعلت بعض الأطباء يكتبون عنه مقالاتٍ في المجلات المشهورة. على سبيل المثال، أعاد جراح الأعصاب الأميركي «سيلاس ميتشل» العمل على ورقةٍ بحثية نُشرت سابقاً في دورية «معاملات جمعية الأطباء الأميركيين» عام 1905، وذلك لصالح مجلة المنوعات «ليديز هوم جورنال» المتخصصة بشؤون المرأة عام 1906، وأعطاها عنواناً أكثر عصرية؛ الخوف من القطط.

مقتدياً بهول، أرسل سيلاس أيضاً استبيانات لاستكشاف الأشكال والأسباب المحتملة للخوف من القطط. كان مهتماً أيضاً بقدرة المصابين المفترضة على اكتشاف وجود أي قط في الغرفة دون رؤيته. حصل سيلاس على المشاهدات التي ساعده فيها مراقبون موثوقون من خلال قيامهم بتجارب عملية مختلفة، مثل إغواء القط بالبقاء متخفياً في الخزانة عبر إعطائه الطعام، ثم استدراج من يعاني من رهاب القطط إلى الغرفة دون معرفته بوجود قط في الخزانة، لمعرفة ما إذا كان بمقدوره اكتشاف وجود القط دون رؤيته. كان متشككاً في البداية حول الأمر، لكن البعض قد اكتشف وجود القطة في الخزانة بالفعل دون رؤيتها في ثلث الحالات، وخلص سيلاس إلى أن العديد من الحالات يمكنها بالفعل اكتشاف وجود القطط المخبأة، حتى عندما لا يتمكنون من رؤيتها أو شمها.

استبعد سيلاس في عامل الربو والعوامل الجينية في محاولته تفسير هذه الظاهرة. حيث اقترح أن القطط تُصدر انبعاثاتٍ قد تؤثّر على الجهاز العصبي عن طريق الغشاء المخاطي بالرغم من عدم تمييز رائحةٍ محددةٍ لها. وبالرغم من تجاربه، بقي سيلاس حائراً حول سبب رهاب القطط غير المبرر. وختم بملاحظة أن ضحايا الخوف من القطط يقولون دائماً بأنهم «يشعرون دائماً بأن القطط، مهما كان نوعها، لديها رغبةٌ بالاقتراب منهم أو القفز في أحضانهم أو ملاحقتهم».

يبدو أن عصر الإنترنت قد زاد من اهتمامنا بالقطط؟ فبينما كان هول وسيلاس يرسلان الاستبيانات إلى المشاركين لملئها وجمع البيانات حول الرهاب، أصبح بإمكان الملايين الآن المشاركة في التجارب وملء الاستبيانات عبر الإنترنت، وإرسال أسئلتهم إلى الخبراء ببساطة. وفقاً لأحد المواقع الذي يقوم بجمع البيانات حول رهاب القطط، فإن أحد الأسئلة الأكثر شيوعاً هو «لماذا تذهب القطط إلى أشخاص لا يحبونها؟».

إذا استعنا بما يقوله ستانلي هول في كتابه، سنجد أن الإجابة ترتبط بالتطور دائماً؛ إذ أن الشخص الذي يخاف القطط لا يشكل تهديداً. ولكن وفقاً لسيلاس ميتشل، لا نزال غير قادرين على الإجابة على السؤال الرئيسي: لماذا يطور البعض هذا الرهاب أساساً؟ وذلك طبعاً يمثل مجالاً آخر من البحث للباحثين في الوقت الحالي.