Reading Time: 2 minutes

لا شيء يمكنه الهروب من الثقب الاسود ولا حتى الضوء، أسرع شيءٍ معروف في الطبيعة. لا يمكن لشيء الإفلات من جاذبية الثقب الأسود الهائلة، كما لا يمكننا الاقتراب كفاية منه لإلقاء نظرةٍ عن كثب عليه. يقول «شيب دوليمان»، الباحث الرئيسي في جامعة هارفارد ومدير مشروع «تلسكوب أفق الحدث» في مركز «هارفارد سميفسونيان» للفيزياء الفلكية: «نحن أمام شيءٍ مصممٍ على ألا يكشف عن أسراره».

في إبريل/ نيسان 2019، قام «دوليمان» وفريقه بكشف سرٍّ عظيمٍ عن ذلك الشيء، حيث عرضوا أول صورةٍ لثقبٍ أسودٍ هائل. يقع ذلك الثقب الضخم على بُعد 55 مليون سنة ضوئية في مجرة «M87» الواقعة في برج العذراء. ربما يسهم هذا الاكتشاف الهائل في الإجابة على بعضٍ من أصعب الأسئلة التي حيّرت العلماء حول هذا الكون.

استخدم علماء الفيزياء الفلكية مصطلح «الثقب الأسود» أول مرةٍ عام 1967، وقد أثار هذا الوحش الغامض اهتمام العلماء منذ عقود. يحتوي كلّ ثقبٍ أسود على مركزٍ كثيف جداً. يبلغ حجم الثقب الأسود في مجرة «M87» ما يعادل 6.5 بليون مرة حجم كتلة الشمس، مما يخلق قوة جذبٍ هائلة تجعله يسحب كل شيءٍ حوله تقريباً.

كما يظهر حول مركز الثقب نقطة واضحة تُسمى تقليدياً «نقطة اللاعودة» ويطلق عليها العلماء اسم «أفق الحدث» (المنطقة الفاصلة بين داخل الثقب وخارجه)، حيث يخلق الغاز والحطام الكوني المتجمع هناك صورةً ظلّية مضيئةً، أو ما يشبه خيالاً متوهجاً.

في الحقيقة، تسلكوب أفق الحدث الذي يقوم بمهمة مراقبة ذلك الثقب الأسود ليس تلسكوباً واحداً عملياً، إنما هو عبارةٌ عن «مصفوفة» مكونة من 8 تلسكوبات. تستخدم الشبكة الدولية للتلسكوبات الراديوية الأرضية تقنيةً تُسمى «مقياس التداخل طويل المدى الأساسي»، وتقوم مجموعةٌ كبيرة من الساعات الذرية فائقة الدقة بمزامنة المصفوفة، لتقوم برصد هدفٍ مشترك واحد في نفس الوقت. بذلك تُصبح هذه المصفوفة تعمل مجتمعة كما لو كانت تلسكوباً واحداً. تقوم هذه المصفوفة (التلسكوب) بالتقاط الموجات المنبعثة من منطقة «أفق الحدث»، ثم تقوم أجهزة الكمبيوتر العملاقة بتحويل تلك الإشارات إلى بياناتٍ تمثّل ذلك الكائن رسومياً. بعد ذلك يقوم الخبراء بعد ذلك بمعالجة الصور وتجميعها في صورةٍ واحدة.

وقد وُجهت مصفوفة تلسكوب أفق الحدث، وعلى مدار 4 أيام في أبريل/نيسان 2017، نحو الثقب الأسود الهائل في مجرة «M87»، حيث التقطت الإشارات المنبعثة منه بدقةٍ وحساسيةٍ عالية غير مسبوقة. ثم عمل أكثر من 200 عالمٍ حول العالم من أجل تحليل وترجمة هذه البيانات إلى صورة الثقب الأسود البرتقالية، التي شاهدناها. يقول دوليمان: «لقد تجاوزنا كل التوقعات وكسبنا الرهان، كل شيءٍ كان يعمل وفق ما أردناه تماماً إلى أن حصلنا على هذه الصورة».

ويضيف دوليمان قائلاً: «لا توجد بيئةٌ في الكون مثل بيئة الثقب الأسود، إن تمكننا من رؤية هذا الشيء يعطينا «مُختبراً طبيعياً» للتحقق من النظريات القديمة، والتي تتحدث عن كيفية تحرك الأجسام عبر الفضاء -مثل نظرية النسبية العامة لأينشتاين-، وذلك من خلال مراقبة الالتواءات في نسيج «الزمكان»، حيث تتسبب بها الجاذبية في الفضاء، والتي تؤثر على كيفية انتقال الضوء. كما يمكننا دراسة كيف تساعد الثقوب السوداء في تشكّل الكون عن طريق امتصاص المادّة». ويضيف دوليمان: «كما هو الحال مع كل الاكتشافات العظيمة، فهذه مجرد بدايةٍ فقط».