Image

ليست مظلمة فقط، بل صعبة المراس أيضاً

Bread assortment المجرة فائقة الانتشارNGC1052-DF2 ، والتي لا تحتوي على مادة مظلمة على ما يبدو.
حقوق الصورة: مرصد جيميناي/ المؤسسة العلمية الوطنية/ الاتحاد الجامعي لأبحاث الفلك/ مرصد كيك/ جين ميلر

في العام 2000، ظهرت مجرة على شكل بقعة فوق صفيحة فوتوغرافية. وكانت ضخمة، بحجم مجردة درب التبانة، ولكنها كانت أيضاً خافتة للغاية لدرجة جعلت من رصدها أمراً صعباً. بعد ذلك، منحها أحدهم رقماً تسلسلياً وقام بحفظ الملف في غياهب النسيان.

كانت هذه المجرة تنتمي إلى صنف جديد نسبياً من المجرات، تسمى بالمجرات فائقة الانتشار. وهي تساوي مجرتنا في الحجم تقريباً، ولكنها تحوي من النجوم عدداً أقل بمئات الآلاف من المرات، ما يجعلها خافتة للغاية مقارنة بالأجسام السماوية الأخرى الأكثر سطوعاً. بعد ذلك بعدة سنوات، قرر الفلكيون أن يلقوا نظرة أخرى عن كثب باستخدام مصفوفة دراجونفلاي، وهي عبارة عن تلسكوب مؤلف من 48 عدسة تصويرية، ما يجعله مثالياً لتصوير الأجسام الضخمة الخافتة مثل هذه المجرة.

أراد الفلكي بيتر فان دوكوم وزملاؤه معرفة المزيد عن آليات هذه البنى قليلة النجوم، ولكن عمليات الرصد التفصيلية (والتي نشرت مؤخراً في مجلة Nature) كانت غريبة. حيث أنها تبين أن المجرة لا تحتوي على مادة مظلمة، وهو لغز جديد يفتح مجالاً واسعاً للتفكير أمام علماء الفيزياء الفلكية.

بالمناسبة، ما هي المادة المظلمة؟

في الواقع، ليس لدينا أدنى فكرة عن ماهية المادة المظلمة، بل إن صفة (مظلمة) قد لا تكون أفضل صفة تعبر عنها. ولهذا اقترح الباحثون عدة بدائل، مثل المادة عديمة اللون، والمادة الشفافة، وبضعة مرادفات لعبارة “المادة المجهولة”. ويمكن أن نقول أنها تعبر عن شيء لم نعثر عليه حتى الآن، ولكننا متأكدون من أن هذا الشيء موجود… إلى حد ما.

يقول فان دوكوم: “لم نتوصل حتى الآن إلى اكتشاف جسيم المادة المظلمة، على فرض أنها مؤلفة من هذا الجسيم. ولم نر المادة المظلمة إلا من خلال تأثيراتها على أشياء أخرى”. من هذه الأشياء: حركة النجوم والمجرات عبر الكون، وانحناء الضوء حول الأجسام كبيرة الكتلة.

يتابع فان دوكوم شارحاً: “حقق نموذج المادة المظلمة نجاحاً كبيراً في تفسير نطاق واسع من الظواهر، بما في ذلك ظهور المجرات وتوزعها في الفضاء. ولكننا لم نتمكن بعد من تحديد طبيعتها الفعلية”.

ما نعرفه عن المادة المظلمة أنها تختلف عن أية مادة أخرى في الكون، ولكن معلوماتنا تتوقف عند هذا الحد. وإذا كانت موجودة فعلاً، يمكن أن تساعدنا على تفسير الظواهر، كما أنها ستشكل قسماً كبيراً من الكتلة الكلية للكون. يقول فان دوكوم: “لو تمكنا من رؤية الكون مع المادة المظلمة، لوجدنا أن النجوم والكواكب التي نراها في تلك الصور ليست سوى قليل من الزبد يطفو فوق بحر من المادة المظلمة. إنها تمثل الهيكل الذي بني عليه كل شيء. وفي هذا السياق، فإنه من المستحيل أن توجد مجرة خالية من المادة المظلمة”.

إذاً، ما قصة هذه المجرة؟

وبهذا، نصل إلى مجرتنا الغريبة التي ذكرناها أعلاه.

بعد أن قام فان دوم بتصوير المجرة إياها باستخدام دراجونفلاي، قام مع زملائه بمقارنتها مع خرائط سماوية أخرى. ولاحظوا وجود حوالي 10 نقاط مضيئة ضمن المجرة، وهي دفقات ساطعة من نجوم تعرف باسم المجموعات النجمية المتكتلة.

يقول فان دوكوم: “شعرنا بحماسة كبيرة، لأن اجتماع الضوء الموزع مع هذه المجموعات المتكتلة أمر فريد من نوعه، وهو يعني أنه يمكننا دراسة حركة هذه المجموعات المتكتلة من أجل حساب كتلة هذه المجرة”.

باختصار، كلما كانت الكتلة أكبر، سوف تتحرك الأجسام بشكل أسرع، كما يشرح فان دوكوم: “إذا كانت كتلة الشمس أكبر بأربع مرات، يجب أن تتحرك الأرض بضعف سرعتها الحالية حتى تبقى في مدارها، وإلا سوف تنجذب مقتربة من الشمس”. وبالتالي، يمكننا أن نحسب كتلة الشمس عن طريق قياس سرعة دوران الكوكب حولها، حتى لو لم ندرك وجودها أساساً.

يمكن تطبيق نفس المبدأ على المجرات، وذلك بقياس سرعة النجوم أو المجموعات ضمن المجرة، ما يمكن العلماء من حساب كتلة هذه المجرة. يقول فان دوكوم: “إذا كانت الأجسام تتحرك بسرعة فهذا يعني وجود كتلة كبيرة تحافظ على تجمعها معاً، أما إذا كانت تتحرك ببطء فهذا يعني أن الكتلة صغيرة، وإلا فسوف تنهدم على نفسها”.

تبين بالقياس أن هذه المجرة تتحرك ببطء شديد للغاية، لدرجة أنها تكاد تبدو ثابتة. وبالنسبة لفان دوكوم، فإن هذا يعني أن هذه المجرة لا تحوي الكثير من المادة المظلمة.

يبدو أن هذه المجرة تحمل لغزا محيراً آخر، حيث أن مقارنتها مع المجرات الأخرى المشابهة ظاهرياً تثير الاستغراب. فقد اكتشف فان دوكوم وزملاؤه منذ بضعة سنوات مجرة تكاد تكون مؤلفة بالكامل من المادة المظلمة، أي أنها عكس هذه المجرة تماماً، غير أن المجرتين العملاقتين تبدوان شديدتي التشابه.

يقول فان دوكوم: “إن المناظر خادعة في هذه الحالة، لأن هذين الجسمين من نوعين مختلفين تماماً، والتشابه بينهما ظاهري فقط. وهو أمر مثير بحد ذاته”. عادة ما يفترض الفلكيون أن كتلة النجوم ضمن المجرة تسمح بتقدير دقيق لكتلة المادة المظلمة فيها، ولكن وفقاً لفان دوكوم: “ينطبق هذا المبدأ فقط على المجرات المشابهة لدرب التبانة، ولكنه يصبح خاطئاً تماماً في حالة هذه الأجسام المنتشرة. وهو شيء لم نكن نعرفه أو نتوقعه”.

ماذا يعني هذا؟

إن وجود مجرة بدون مادة مظلمة يتسبب بالمشاكل، ومن سخرية القدر أنه يتسبب بها للباحثين الذين يحاولون وضع نموذج للكون لا يتضمن المادة المظلمة. يقول فان دوكوم: “يبحث الجميع عن المادة المظلمة، ولكن كلما استغرق البحث وقتاً أطول، كلما بدئوا بالتفكير بأنهم يسيرون على الطريق الخاطئ، وأنه يوجد تفسير مختلف لهذه الظواهر”.

تقترح بعض الأساليب البديلة إعادة دراسة المفاهيم الأساسية للجاذبية ورفض فكرة المادة المظلمة، ومحاولة تفسير حركات النجوم والمجرات عن طريق نظرة جديدة للفيزياء. غير أن فان دوكوم يقول إن هذا الموضوع يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة لهذه النظريات. فإذا أثبتت فكرة الجاذبية المعدلة صحتها، وتم نفي وجود المادة المظلمة، فإن قوانين الفيزياء التي تحكم جميع المجرات يجب أن تكون متطابقة، وبالتالي فإن النموذج الذي ينفي تأثير المادة المظلمة يجب أن ينطبق على هذه المجرة أيضاً. وبالتالي، وضمن هذه النقلة الكبيرة في نموذج الكون، تبدو هذه المجرة وكأنها تتحدى قوانين الفيزياء. يقول فان دوكوم: “تؤدي بنا هذه الفرضية إلى أن المجرة مؤلفة من نوع ما من المادة. إنه شيء تملكه المجرة أو لا تملكه، وهي تملكه في أغلب الأحيان، ولكن على ما يبدو ليس دائماً، أي أنه شيء مرتبط بالجسم أو غير مرتبط، ويتمتع بوجوده الخاص المستقل عن بقية المجرات”.

يرحب بعض الفيزيائيين بهذه الأنباء، مثل جودي كولي، والتي تعمل على تجارب لاكتشاف المادة المظلمة على الأرض. لم تتمكن هذه التجارب من اكتشاف المادة المظلمة حتى الآن، وبالتالي فهي ترى الدليل على وجودها شيئاً مريحاً، ولو كان من مجرة بعيدة.

تقول جودي، والتي لم تشارك في هذا البحث: “تدفع بي هذه النتائج للعمل بكل قوتي. ومن سوء الحظ، فهي لا تفيدني عملياً في البحث. ولكنها على الأقل تمنح المصداقية لفكرة جسيم المادة المظلمة، ما يجعل مني سعيدة للغاية”.

ماذا بعد؟

بدأ الفلكيون مثل فان دوكوم بتفحص مجرات أخرى بحثاً عن شبيه لهذه المجرة، لحصر عددها التقريبي وتوزعها في الكون.

يقول فان دوكوم: “بدأنا حالياً بتعقب هذه المجرات محاولين العثور على المزيد منها، وأنا متأكد أنه يوجد آخرون سيحاولون فعل شيء مشابه والبحث عن هذه الأجسام ما أن يتم إعلان النتائج، طبعاً بعد أن يحاولوا أولاً إثبات خطئنا”.

أثناء ذلك، سيستمر العلماء من الحقول الأخرى في الفيزياء بعملهم أيضاً. تقول كولي: “عندما تعمل في البحث عن المادة المظلمة، ستجد أن هناك من يقوم بعمل مكمل لعملك أيضاً”. وفيما تعمل كولي على كشف المادة المظلمة على الأرض، يعمل الباحثون في مصادم الهادرون الكبير على صدم الجسيمات ببعضها البعض في محاولة لتشكيل جسيمات المادة المظلمة لدراسة خصائصها. كما يعمل الفيزيائيون الفلكيون مثل فان دوكوم على متابعة استكشاف الأثر الظاهر للمادة المظلمة على نسيج الكون.

تقول كولي: “إذا أردنا أن نفهم ماهية المادة المظلمة وما هي طبيعة الكون عموماً، علينا إدراك أن ما نكتشفه هنا على الأرض، وما يقومون به ضمن المُصادِمات، هو نفس الشيء الذي يرون تأثيره في الكون. ومعاً، يمكننا كعلماء أن نفهم ما يجري فعلاً”.

error: Content is protected !!