Image

السباقات لا تؤثر على عضلات الأرجل فحسب، بل تؤدي إلى اضطراب الأمعاء أيضاً

Bread assortment ألم حقيقي
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

في عام 2014، قامت امرأة بزيارة عيادة أحد الأطباء في كاليفورنيا وهي تشكو من الإسهال المائي منذ عام ونصف. كانت تبدو سليمة، حيث أنها لم تفقد الوزن وكانت بمظهر ممتاز. في الواقع، كانت قد بدأت بالركض في سباقات الماراثون قبل ذلك بعامين، وعادة ما تركض حوالي 32 كيلومتراً في نهاية كل أسبوع. وأشارت أيضاً إلى أنها لاحظت وجود علاقة بين جولات الركض الطويلة وعمليات التغوط غير المريحة، والتي يبدو أنها أصبحت أضعف قواماً وأكثر تواتراً مع مرور أشهر التدريب المكثفة. نصح الأطباء المرأة بالتوقف عن الركض لهذه المسافات الطويلة، وتوقفت مشاكل الجهاز الهضمي لديها في غضون شهر.

وتذكر كيم فان ويلجك – وهي طبيبة في هولندا وتمارس السباق الثلاثي بنفسها – تجربة مماثلة مع إحدى المريضات التي كان عدّاءة محترفة بالمسافات المتوسطة. قامت الرياضية بتجريب كل شيء –كالإقلاع عن الكافيين ومنتجات الألبان وكذلك القيام بتقنيات الاسترخاء قبل السباق – لجعل أمعائها أقل حساسية، ولكن شيئاً لم يخفف من الانزعاج.

هؤلاء النساء ليسوا وحدهنّ في ممارساتهن الرياضية الشاقة، أو ما ينتج عنها من مشاكل في الأمعاء. ففي 5 نوفمبر، يجتمع أكثر من خمسين ألف متسابقاً في ماراثون TCS في مدينة نيويورك، وتكون دورات المياه القابلة للنقل أساسية بالتأكيد من أجل سباق ناجح ويمكن تحمّله.

يسبب الركض مجموعة من المشاكل الهضمية التي تتراوح من الحرقة والارتجاع المعدي المريئي إلى التغوط المتكرر. إلا أن أكثرها شيوعاً هي تلك التي تحدث في الجهاز الهضمي السفلي، والذي يشمل الأمعاء الدقيقة والغليظة. يمكن أن تكون هذه المشاكل خفيفة مثل الانتفاخ وامتلاء البطن بالغازات أو شديدة مثل البراز الدموي. ولا يعرف الأطباء والباحثون بالضبط عدد العدّائين الذين يعانون من هذه الآلام البطنية، ولكنهم يقدرون ذلك بنحو الثلث إلى النصف في أي وقت من الأوقات. كما وجدت إحدى الدراسات في دورية “بريتيش ميديكال” بأن ما يقرب من نصف المشاركين في ماراثون درامن في النرويج عام 1985 ذكروا وجود درجة من إسهال العدّائين أثناء السباق وبعده مباشرة. ويقدر العديد من الأطباء أن معظم الناس يعانون من أحد أشكال مشاكل الأمعاء في نهاية المطاف.

وعلى الرغم من أن هذه المشاكل المعوية غير مريحة، إلا أن الخبر السار هي أنها (عادةً) ما تكون مؤقتة. وإن فهم سبب حدوثها قد يساعد بعض العدّائين على التعامل مع هذه المشاكل، أو على الأقل طمأنتهم في معرفة سبب حدوثها، وأنهم ليسوا وحدهم في ذلك.

ويُذكر بأن أحد أسباب هذه المشكلة هو أن أعضاء الجهاز الهضمي الحساسة لا تحصل على ما يكفي من الدم أثناء ممارسة الرياضة، وهي حالة تعرف باسم نقص التروية. ويقوم القلب في كافة الأوقات بضخ الأكسجين والمواد المغذية إلى الأعضاء التي تحتاجها بشكل أكثر، والتي تتغير اعتماداً على النشاط الذي يتم ممارسته. فخلال الركض المكثف، يكون الجلد والعضلات الكبيرة هم الأعضاء الأكثر حاجة لتلقي الدم، في حين أن الأمعاء لا تحصل على الكثير من الاهتمام.

هذا التفسير يبدو منطقياً، فخلال الركض، تكون العضلات بحاجة أكبر إلى الدم المؤكسج من المعدة. وفي الواقع، يمكن خلال ذروة ممارسة الرياضة البدنية أن ينخفض تدفق الدم إلى الأعضاء الداخلية بنسبة تصل إلى 80 في المئة. وفي حين أن إعادة تخصيص الموارد قد يكون ضرورياً خلال السباق، فإن نقص الدم يضر بالغشاء المخاطي الذي يبطن الأمعاء، مما يجعله أكثر نفاذية وعرضة للاضطراب. وفي إحدى الدراسات، وجد العلماء البرازيليون بأن نقص تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي كان العامل الأكثر أهمية فيما يصيب العدّاء من الغثيان والقيء وآلام البطن والإسهال الدموي.

ولا تنتهي مشاكل البطن عند خط النهاية، إذ أن التأثيرات التي غالباً ما يعاني منها المتسابقون في الصباح واليوم التاليين قد تكون ناجمة عن بعض التلف الطفيف في الأنسجة المعوية بسبب نقص تدفق الدم، على حدّ قول فان ويلجك، على الرغم من أنها أوضحت بأن هذه الإصابة تكون بسيطة. وتقول: “إنها مثل كشط الجلد. وبعد ذلك تظهر خلايا جديدة ولا تدوم هذه المشكلة”.

لماذا يعاني العداؤون من الإسهال بشكل شائع جداً؟

لا بدّ أن يكون هناك المزيد من العوامل المسببة لإسهال العدّائين من نقص التروية، وإلا فإن الرياضيين سوف يعانون من ذلك بنفس المعدلات كما في الألعاب الرياضية الأخرى. وأظهر الباحثون البرازيليون أن المتسابقين الذين يركضون بسرعة عانوا من هذه المشاكل أكثر بمرتين تقريباً من الرياضيين في رياضات التحمّل الأخرى، مثل ركوب الدراجات أو السباحة. (يمكن للرياضيين الآخرين أن يعانوا من مشاكل في الجهاز الهضمي، ولكنها عادة ما تكون مختلفة كثيراً عن إسهال العدّائين وليست شائعة مثله، فالسباحون على سبيل المثال، يعانون أحياناً من التجشؤ المفرط)، كما كان العدّاؤون المحترفون أكثر عرضة بثلاث مرات للإصابة بالإسهال من العدّائين بهدف التسلية. ويعتقد الباحثون بأن آليات حركة الأعضاء حول بعضها لساعات في وقت واحد هو على الأرجح ما يضخم تأثير التدريب لوحده. وقد وجدت بعض الدراسات بأن حركة المعدة المستمرة لأكثر من 52 ألف خطوة يمكن أن يؤدي إلى الرغبة الملحة باستخدام دورات المياه، فضلا عن انتفاخ البطن والإسهال.

وللأسف، لا توجد الكثير من الاستراتيجيات التي يمكن للعدّاء استخدامها لتوجيه تدفق الدم نحو الأمعاء، أو للحفاظ على ثباتها خلال السباق (لا ينصح بالمشدّات الخاصة بالماراثون). ومع ذلك، يمكن للرياضيين التحكم بنظامهم الغذائي ومقدار المياه التي يشربونها، ويمكن لذلك أن يحدث فرقاً في كيفية أداء الجهاز الهضمي للشخص خلال جولات الركض الطويلة. ووجدت إحدى الدراسات بأن المشاركين في بطولة آيرونمان والذين تناولوا الأطعمة الغنية بالألياف والدهون والبروتين والكربوهيدرات الكثيفة خلال السباق وقبله بفترة وجيزة كانوا أكثر عرضة للإصابة بهذه المشاكل. جميع هذه الأطعمة هي أكثر صعوبة في الهضم من الكربوهيدرات البسيطة كالسكر العادي، ويجب على الأمعاء أن تعمل أكثر لتفكيكها، الأمر الذي لا يعدّ مثالياً للجهاز الهضمي الضعيف أصلاً. وفي الواقع، فإن كل الرجال الذين أكلوا قبل السباق بثلاثين دقيقة تقيأوا خلال السباحة لمسافة كيلومتر ونصف. (لم تشمل الدراسة النساء، وهو أمر محبط لي بعد أن أنهيت سباق آيرونمان الثلاثي).

ربما يكون من الأفضل الابتعاد عن الأطعمة التي يصعب هضمها قبل السباق، لكن الباحثين ما زالوا غير متأكدين تماماً من الأمر الأفضل. كما أن مواد الطاقة الهلامية الغنية بالكربوهيدرات التي يتم توزيعها في كثير من الأحيان في السباقات والتي يتناولها العدّاؤون قبل السباق وبشكل متقطع خلاله قد لا تكون أفضل بأي شيء.

وفي حين أن هذه المواد هي بالأساس كربوهيدرات بسيطة على شكل سكر ويفترض بأنها سهلة الهضم ومصدر سريع للطاقة، إلا أن الدراسات التي تبحث في آثارها على أمعاء العدّائين متفاوتة. ووجدت دراسة صغيرة بأن العدّائين الذين يتناولونها كثيراً أثناء السباقات لم يواجهوا مشاكل كبيرة في الجهاز الهضمي خلال الركض لعشرة أميال. إلا أن دراسة أخرى أكبر وجدت عكس ذلك، فبالنسبة للرجال والنساء الذين يركضون في السباقات الثلاثية وسباقات الماراثون النصفية أو الكاملة، فقد كان هناك علاقة بين هذه المواد الهلامية الغنية بالكربوهيدرات وذكر حدوث غثيان وانتفاخ في البطن. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون أوقات الانتهاء للمنافسين الذين تناولوا المواد الهلامية مع أولئك الذين لم يتناولوها، وجدوا بأن أولئك الذين استخدموا المواد الهلامية حققوا في المتوسط أوقاتاً أسرع. ويوصي بعض العلماء بشرب المشروبات التي تحتوي على أكثر من نوعين من الكربوهيدرات مثل الجلوكوز والفركتوز، بدلاً من العصير الذي يحتوي على كمية كبيرة من نوع واحد من الكربوهيدرات، والذي يبدو بأنه يفاقم أعراض الجهاز الهضمي.

وعادةً ما يكون لمشاكل العدّائين علاقة مع التأثيرات الحركية للرياضة وانخفاض تدفق الدم. ومع ذلك، يمكن أيضاً لعادة شائعة بين عدّائي المسافات الطويلة أن تؤدي إلى تفاقم أو إثارة الأعراض، ألا وهي الاستخدام المتكرر للأدوية غير الستيرويدية المضادة للالتهابات (NSAIDS)، مثل الأيبوبروفين. ففي حين أنها مفيدة لألم العضلات، إلا أنها يمكن أن تسبب حدوث مشاكل في أي مكان في الجهاز الهضمي، من المريء إلى القولون. وفي الأمعاء السليمة، تكون الخلايا الظهارية في القناة الهضمية – وهي مماثلة لتلك الموجودة في الجلد – مترابطة بإحكام لمنع الجزيئات الكبيرة من المرور من خلال الأمعاء إلى مجرى الدم. وأشارت دراسة صغيرة حول ماراثون شيكاغو عام 1996 بأن الأيبوبروفين جعل البطانة المخاطية للأمعاء أكثر نفاذية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى مشاكل في الأمعاء مع مرور الوقت، ودعمت دراسات لاحقة هذه النتائج.

تعمل هذه الأدوية جزئياً من خلال تقليل تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي، وهي مشكلة تتفاقم أثناء ممارسة الرياضة، وذلك وفقاً لفان ويلجك التي أشرفت على دراسة وجدت بأن علامات الضرر في الجهاز الهضمي كانت أعلى بمرتين عند العدّائين الذين تناولوا هذه الأدوية المضادة للالتهابات. ولا يقتصر ذلك على العدّائين فقط. فمن المعروف جيداً بأنه عندما تؤخذ مضادات الالتهاب غير الستيرويدية بكميات كبيرة لفترة طويلة من الوقت، فإنها يمكن أن تسبب تأثيرات في الجهاز الهضمي، مثل التهاب المعدة والأمعاء، بل وحتى الإصابة بقروح صغيرة في بطانة المعدة، ويمكن للحرارة والكحول أيضاً أن يسببا حدوث فجوات بين هذه الخلايا الظهارية كذلك.

وفي حين أنه لا يوجد طريقة مضمونة للوقاية من إسهال العدّائين، إلا أن تناول الكثير من السوائل والأطعمة التي لا تفاقم الحالة هو الأفضل على الأرجح. ومثلما يمارس العدّاؤون دورة السباق ويتدربون على المسافات، فإنه يجب عليهم أن يتدربوا أيضاً على أوقات تناول الطعام وأن يتذكروا متى يحتاجون إلى استخدام الحمام حتى لا يكون هناك أي مفاجآت في يوم السباق أو الحدّ الأدنى منها إن وجدت. وتقول فان ويلجك: “عليك بالإصغاء إلى جسدك حقاً، مثلما تفعل عند الشعور بآلام العضلات.” وتضيف بأن إيلاء نفس الاهتمام للجهاز الهضمي يمكن أن يساعد على تقليل كمية الانزعاج التي تشعر بها.

error: Content is protected !!