Image

جاء علاج اللاعب المعروف باسم بامبينو عند مرحلة تحول رئيسية في الطب.

Bread assortment حقوق الصورة: ويكيميديا

كان جورج هيرمان روث مريضاً. إذ بدأ الأمر بآلام عميقة وحارقة خلف عينه اليسرى. وأصبح لا يستطيع ابتلاع الطعام إلا بالكاد. ويبدو بأن الألم قد تسلل إلى جسده، مثل ثقل الوزن الخفي في وركيه وساقيه. وبعد ذلك بوقت قريب، اضطر إلى استخدام مضربه كعكاز.

ولكنه لم يكن مريضاً عادياً. إذ كان يعرف باسم “بيب”، والذي كان أعظم لاعب بيسبول في التاريخ. وكان فريقه الطبي فيما يعرف الآن بمركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان في مانهاتن البعيد بمقدار مسافة قصيرة بالقطار إلى الجنوب من ملعب يانكي قد هدف إلى علاجه على هذا الأساس.

وفي حين يبدو من الممكن بأن أحداً لم يخبر أسطورة البيسبول روث بذلك، إلا أنه كان مصاباً بالسرطان العضال. وكان الورم قد نما من خلف أنفه إلى قاعدة جمجمته وكان في طريقه إلى عنقه. وكان العلاج مروعاً، ولكن أطباؤه جزموا بأن سلطان الضربات العنيفة سوف يتحسن. وعلى الرغم من أن جهودهم لإنقاذه لم تنجح في نهاية المطاف، إلا أن صاحب الأرقام القياسية روث أصبح رائد السرطان في هذه العملية.

اللاعب الأسطورة وهو يقول وداعاً في عام 1948
حقوق الصورة: نات فين / نيويورك تايمز / ريدوكس

في وقت ولادة روث في 6 فبراير من عام 1895، أصبح السرطان – الذي كان نادراً – فجأة في كل مكان. ويقول الدكتور أوتيس براولي – الرئيس الطبي في جمعية السرطان الأميركية: “لقد عاش في وقت كانت فيه معدلات السرطان تتزايد بشكل ملحوظ.” ويضيف براولي بأننا نعرف هذه الأيام ما هي أسباب ذلك: التدخين وتلوث الهواء. ولكن في ذلك الوقت، لم يكن هناك أحد يعرف أسباب السرطان بالفعل، ناهيك عن كيفية علاجه.

وحتى أواخر القرن التاسع عشر، أيّد العديد من العلماء النظرية الخلطية للمرض، التي تنص على أن اختلال التوازن في الدم والبلغم ونوعين من المادة الصفراء هو السبب في كافة الأمراض. ورأى آخرون بأن السرطان هو مرض معدٍ مثل السل. وفي وقت متأخر من عشرينات القرن الماضي، أيّد بعض الأطباء فكرة أن المرض الجسدي يسبب الأورام. واستمرت هذه النظرية الأخيرة على الرغم من كل الأدلة. إذ قام العلماء بأذية الكثير من حيوانات المختبر بشكل منهجي ولكن لم تتطور أي سرطانات جديدة.

وكانت العلاجات بدائية أيضاً. فبالنسبة للمريضات اللواتي يعانين من سرطان الثدي، فإن أفضل ما كان يمكن تقديمه هو الاستئصال الكامل للثدي. وكان ذلك أفضل من معظم العلاجات. وفي حين كان استئصال الثدي مؤلماً وغير مفيد غالباً، إلا أنه كان على الأقل يمكن اتخاذ بعض الإجراءات. وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من تغلغل السرطان بشكل أعمق في الجسم، فلم يكن هناك بالفعل سوى مسكنات الألم والدعاء.

حقوق الصورة: ويكيميديا

لكن السنة الأولى من حياة روث كانت نقطة تحول في مجال أبحاث السرطان الناشئة. إذ دفعت وفاة كارل ثيرش – الجراح الألماني الذي اقترح بشكل صحيح بأن السرطان ينمو من خلال انتشار الخلايا الخبيثة – بعض العلماء الآخرين لمتابعة مسيرته وتأكيد صحة أبحاثه. وأدى اكتشاف أستاذ الفيزياء الألماني فيلهلم رونتجن للأشعة السينية إلى تغيير العالم بأكثر من طريقة. وكان من الواضح بأن هذا الطول الموجي سيكون أساسياً للتصوير الطبي (لأول مرة، أصبح بالإمكان أن ترى الأعضاء الداخلية للإنسان دون استخدام المشارط)، ولكن كان ذلك قبل بضعة أشهر فقط من إدراك العلماء بأن للأشعة السينية قيمة علاجية أيضاً.

في عام 1896، بدأ طبيب فرنسي مغامر بأول محاولة لاستخدام الأشعة السينية كعلاج. إذ قام بتسليط الأشعة السينية على ورم في المعدة لأحد المرضى لمدة 15 إلى 30 دقيقة مرتين في اليوم لأكثر من شهر. ووفقاً لتقريره، فقد تقلصت كتلة الورم وأفاد المريض بتخفيف الألم. وعلى الرغم من أن هذا الشخص الذي تمت دراسته توفي في وقت لاحق بسبب المرض، فإن النجاحات قصيرة الأمد شجعت الأطباء في جميع أنحاء العالم على تجريب هذا العلاج بأنفسهم. وأجريت المعالجة التجريبية من خلال توجيه حزمة من الإشعاع إلى المريض وإلحاق الضرر بالحمض النووي لأي خلية تتواجد في نطاق الأشعة، مما يمنعها من التكاثر.

وعلى مدى السنوات العشر التالية، تم اختبار العلاج بالأشعة السينية كعلاج محتمل لعدد كبير من الأمراض، من سرطان الغدد الليمفاوية الهودجكيني إلى مشاكل الجلد غير السرطانية مثل حب الشباب. وللأسف، كانت هذه الحزم المبكرة عشوائية، إذ كانت غالباً ما تدمر الخلايا السليمة كما تدمر الخلايا السرطانية. وفي أواخر الخمسينيات، ظلت أجهزة الإشعاع تسبب الضرر بقدر ما تفيد. ويقول براولي: “لقد أحرقوا الكثير من المرضى بواسطة الإشعاع. والأكثر من ذلك هو أن الإشعاع لم يكن قادراً حقاً على اختراق ورم العنق والرأس، على سبيل المثال”.

وكان هناك طريق آخر أيضاً للعلاج الإشعاعي يتطور في ذلك الوقت. ففي عام 1898، اكتشفت ماري كوري الراديوم، وهي المادة المشعة التي أدت إلى تألق مذكراتها المختبرية حتى يومنا هذا. وبحلول العقد الأول من القرن الماضي، عندما انضم روث إلى الدوري الرئيسي، ازداد الاستخدام الطبي للمواد المشعة. إذ بدأ الباحثون بالتفريق بين الطرق العديدة التي يمكن بها حقن الراديوم في جسم المريض. وخلافاً للعلاج بالأشعة السينية، والذي كان لابد من توجيهه من خارج الجسم، فقد أمكن للباحثين تجربة استنشاق الراديوم، من خلال حمامات علاجية يتم فيها إدخال أملاح الراديوم مباشرة إلى المنطقة المصابة، وغيرها من أساليب المواجهة.

وكان العثور على وسيلة لنشر عامل مكافحة السرطان بمسؤولية ما يزال بعيداً لعقود. وبشكل مماثل لكوري – والتي توفيت بسبب فقر الدم اللاتنسجي نتيجة لتعرضها للراديوم والبولونيوم – فقد أصيب العديد من أوائل الباحثين – والمرضى الذين يدرسونهم- بآثار علاجاتهم. ويقول براولي: “كان الإشعاع بدائياً جداً في العشرينات والثلاثينيات. لقد استخدموا حرفياً نفس الأجهزة التي كانوا يستخدمونها في تصوير الأشعة السينية للصدر، ولكنهم كانوا يشغلونها لفترة أطول.”

فبالنسبة لجزء كبير من القرن العشرين، كان السرطان لا يزال يعتبر مستحيل العلاج عموماً، وكان الأمل مفقود من معظم مرضى السرطان. ويقول براولي: “حتى في أوائل السبعينات، لم يكن بإمكان الناس أن يتلفظوا بمصطلح السرطان، والذي كان يعتبر كلمة سيئة”. ولم يكن يتم إخبار المرضى بحقيقة تشخيصهم. وبدلاً من ذلك، كانوا يسمعون الأعذار والعبارات الملطفة. وعلى الرغم من أنه قد يبدو غريباً أو حتى غير أخلاقي اليوم، فقد كان أفراد العائلة والأطباء يخشون من أن معرفة المرضى للحقيقة قد تفقدهم الأمل.

ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، بزغ يوم جديد في مجال الطب. وكان ذلك جيداً أيضاً، لأن بيب روث كان قد فقد صوته حينها.

ويمكن للصوت الأجش أن يعني أشياء كثيرة، ومعظمها ليست مهددة للحياة. كمدخن طوال حياته وكونه رجل الإعلانات الدائم لسيجار وايت اول وسجائر رالي، فقد كان من المعقول أن بيب روث لم يعد يمكنه أن يدخن بالطريقة التي اعتاد عليها، وبأن المشكلة سوف تختفي لوحدها إذا قام بالحدّ من التدخين.

ولكن بين شهري سبتمبر ونوفمبر من عام 1946، ازدادت الأمور سوءاً. إذ ترافق صوت روث الخافت مع ألم شديد في العين وضعف في كتفيه التي كانت تحطم الأرقام القياسية. وفي موعد مع الطبيب في المستشفى الفرنسي في مانهاتن (المغلق حالياً)، فقد وجد الأطباء بالضبط ما كانوا يخشونه: ورماً بارزاً من قاعدة الجمجمة عند روث.

ويُذكر بأن طبيب الأذن والأنف والحنجرة نديم بكازي هو مؤلف لإحدى المقالات التي تصدرت العناوين الرئيسية في دورية “Laryngoscope” في عام 1999 بعنوان “مرض بيب روث وأثره على التاريخ الطبي”. وفي مقالته، استخدم بكازي ما تبقى من التقارير الطبية الأصلية لروث لتجميع قصة تطور مرض اللاعب الأسطورة. وعلى الرغم من أنه يبدو بأنه لم يتم إبلاغ روث قط بأنه مصاب بالسرطان – فعندما وصل روث إلى مستشفى ميموريال سلون كيترينج لتلقي العلاج، يقال بأنه قال “أيها الطبيب، هذا مستشفى ميموريال المتخصص بأمراض السرطان. لماذا تجلبني إلى هنا؟”- إلا أنه تعرض بسرعة لعلاجات السرطان المؤلمة في ذلك الحين.

وقد تلقى العلاج بالأشعة السينية لرأسه، وخضع لعملية جراحية فاشلة لإزالة الكتلة، وأخذ حقن الهرمونات الأنثوية، حيث أن البعض افترض بشكل غير صحيح بأن سرطانه قد يكون ناجماً عن اختلالات كيميائية من نوع ما. (الهرمونات تلعب دوراً في بعض أنواع السرطان، بما فيها سرطانات الثدي والمبيض والرحم، ولكنها لم تكن ذات صلة على الأرجح بمرض روث في العنق والرأس.) وكتب بكازي “بالمحصلة، أمضى ثلاثة أشهر في المستشفى، وخسر حوالي 36 كيلوغراماً من وزنه، وظل يشعر بألم شديد”. وعلى مدار العامين التاليين، تلقى روث أيضاً تدخلات أخرى غير مفيدة إلى حد كبير بما فيها الراحة والاسترخاء وبذور الذهب المشعة، والتي تم زرعها في عنقه. ويقول بكازي: “كان من الواضح بأنهم وصلوا إلى الكثير من الأشياء.”

ولكن في صيف عام 1947، قُدّم لروث علاج تجريبي من فئة جديدة تماماً من علاجات السرطان. وقال بكازي بأنه كان “في المدينة المناسبة في الوقت المناسب”.

يقول براولي من الجمعية الأميركية للسرطان: “جاء العلاج الكيميائي بسبب أحد الحوادث في الحرب العالمية الثانية”. ففي عام 1944، هاجمت القاذفات الألمانية قوات الحلفاء في ميناء في باري في إيطاليا. وقد أدت الغارة الجوية نفسها إلى مقتل جنود ومدنيين وتدمير الإمدادات العسكرية. ولكن ما جعل هذا الحدث تاريخياً هو ما كان يخبئه الأميركيون في إحدى سفن الشحن المحطمة والتي كانت تسمى إس إس جون هارفي واحتوت على أكثر من 120 ألف رطل من غاز الخردل. ومع غرق السفينة في البحر، أطلقت سرها المختفي، مما أدى إلى تسمم حوالي 628 شخصاً. وخلال شهر واحد، لقي ما لا يقل عن 83 شخصاً مصرعهم.

لقد كان ذلك حدثاً مأساوياً – ومخجلاً أيضاً، لأن اتفاقية جنيف كانت قد حظرت الأسلحة الكيميائية قبل ما يقرب من 20 عاماً. وبالنظر إلى عدم شرعيتها المتأصلة، فقد عملت الحكومتان الأميركية والبريطانية بسرعة لتغطية الأزمة، وكتمتا أسرار باري لعقود. ولكن لم يكن بالإمكان نفي البيانات. واستناداً إلى عينات الأنسجة التي تم جمعها خلسة من جثث الضحايا الذين تم تشريحهم، فقد رأى العلماء للمرة الأولى الإمكانات العلاجية لهذا المستحضر الكيميائي.

ويقول براولي: “إن أحد آثار الأشخاص الذين تعرضوا لغاز الخردل، هو انخفاض أعداد خلايا الدم البيضاء لديهم”. وافترض الباحثون بأن غاز الخردل يمكن أن يستخدم لعلاج بعض السرطانات مثل سرطان الدم، مما يؤدي إلى تراكيز مرتفعة بشكل غير طبيعي من خلايا الدم البيضاء. وأشار الأطباء أيضاً إلى أن الخلايا الجسدية – التي تتكاثر عادة بشكل دائم للتعويض عن الخلايا الهرمة أو الميتة – قد توقفت عن الانقسام عند كثير من الضحايا. وبالنظر إلى أن السرطان هو نتيجة للانقسام الخلوي الجامح، فقد أشارت هذه النتيجة إلى تأثير آخر يحتمل أن يكون إيجابياً لهذه المواد الكيميائية.

“لقد انتقل الدواء من التجارب على الفئران إلى بيب روث، دون أن يكون هناك وسيط”

بعد الحرب، سعى العلماء لتطبيق هذه المعرفة في الأوساط السريرية. وبدأ طبيب الأطفال في بوسطن سيدني فاربر – الذي أصبح يعرف باسم الأب للعلاج الكيميائي الحديث، وهو يثق الآن بأن المواد الكيميائية يمكنها أن تكافح السرطان – بإجراء تجاربه الخاصة على الأطفال الذين يعانون من سرطان الدم. ولاحظ بأن حمض الفوليك يحفز انتشار المرض عند مرضاه. ومن خلال هذه الملاحظة، قرر فاربر تطبيق جرعات من مادة كيميائية مضادة – مضادات الفولات – للأطفال الذي هم تحت رعايته. ولحسن حظه، هدأ السرطان عند كل مريض في دراسته الصغيرة. وعلى الرغم من عدم شفاء أي منهم بشكل دائم، إلا أنه قد تم تأسيس هذا المبدأ: يمكن أن تكون مضادات الفولات وسيلة هامة لتطوير أدوية لمكافحة السرطان.

ويقول براولي عن تجارب فاربر: “كان لها بالفعل بعض الاستجابات العلاجية. ليس شفاء من المرض، ولكن استجابات علاجية. وهذا دفع الزملاء الآخرين لاستخدام بعض مضادات الفولات. وفي الواقع، كان أحد أولى مضادات الفولات ذلك الذي تم إعطاؤه لروث.”

وكان اسم الدواء الذي أخذه روث تيروبتيرين. إذ استخرج ريتشارد ليويسون – الباحث في مستشفى ماونت سايناي في مدينة نيويورك – مضادات الفولات من خميرة البيرة. وبدا المركب فعالاً عند عدد قليل من الفئران، ولكنه لم تتم تجربته أبداً عند البشر. وخلافاً لرغبة ليويسون، فقد أصبح الدواء الناشئ متاحاً لاستخدام روث. ويقول بكازي مع شعور بالدهشة، حتى بعد كل هذه السنوات: “لقد انتقل الدواء من التجارب على الفئران إلى بيب روث، دون أن يكون هناك وسيط”.

وقد نجح الدواء كالمعجزة، لفترة قصيرة على الأقل. بدأ روث بأخذ الحقن اليومية في 29 يونيو 1947. ويذكر بكازي بأنه خلال وقت قصير فقد اكتسب روث مرة أخرى بعض الوزن الذي كان قد خسره، وذكر حدوث ألم أقل، وكان في النهاية قادراً على ابتلاع الطعام الصلب. وواصل العلاج الكيميائي لمدة ستة أسابيع وخضع لمختلف العلاجات الإشعاعية لسنة أخرى، في حين كان الأطباء يبحثون عن علاج دائم. ولم يتمكنوا من العثور على علاج، وتوفي روث في نهاية المطاف بسبب السرطان في 16 أغسطس 1948، عن عمر يناهز 53 سنة. ويقول بكازي بأنه خلال عملية تلك التجربة والعلاج الخاطئ، أصبح روث ربما أول مريض يتلقى العلاج الكيميائي والإشعاع على التتابع. ويعدّ هذا النهج الثنائي – الذي يطلق عليه الآن “الكيميائي الشعاعي” – هو العلاج القياسي للعديد من أنواع السرطان اليوم.

ويقول بكازي بأن الهجوم المتناسق أطال فترة حياة روث إلى حد كبير خارج نطاق التوقعات في تلك الأيام. ولعل الأهم من ذلك بالنسبة للأميركيين الذين أعجبوا بروث بشدة هو أن الدواء سمح له بالعيش لفترة كافية لتوديع ملعب يانكي في 13 يونيو 1948، قبل شهرين فقط من وفاته. وفي تلك الزيارة الأخيرة إلى “البيت الذي بناه روث”، تم تكريمه بقميصه ذي الرقم 3 وأقفلت خزانته ذات الرقم 3 بشكل دائم. وفي وقت لاحق، بينما كان يرتكز على مضربه للحصول على الدعم، تلقى روث تصفيقاً حماسياً من الجمهور الذي وقف احتراماً له.

على مدى نصف قرن، اعتقد الأطباء بأن روث كان مصاباً بسرطان الحنجرة، والذي ينمو من الحنجرة في الحلق. وقد أيد هذه النظرية صوته الأجش، وكذلك استهلاك روث الغزير للكحول والسجائر. ولكن من خلال تقييم تقارير تشريح الجثة الخاصة بروث، أظهر بكازي بأن روث كان مصاباً في الواقع بالسرطان البلعومي الأنفي، وهو مرض نادر يبدأ خلف الأنف. وبعد أكثر من 70 عاماً على وفاته، قد يبدو الفارق بسيطاً، ولكن الحقيقة مذهلة: إذ أن روث – وبمحض الصدفة – قد حصل تقريباً على العلاج الصحيح. فسرطان الحنجرة يتطلب عادة الإشعاع والجراحة (بما في ذلك الاستئصال الكامل للحنجرة)، ولكن لا يزال يعالج السرطان البلعومي الأنفي بالعلاج الإشعاعي الكيميائي حتى اليوم. وكتب بكازي: “إذا جاء روث اليوم وهو يعاني من مرحلة متقدمة من السرطان البلعومي الأنفي كما كان في عام 1946، كان سيتاح له فرصة جيدة للبقاء على المدى الطويل”.

ويعتبر بكازي – الذي قام بتجميع قصة مرض روث على الرغم من السجلات المتضررة وحتى المتلفة عمداً – هذه القصة على أنها محفزة بطبيعتها. فعلى الأقل، هي تذكير بمدى تطور علاجات السرطان. ولكن هذا لا يعني بأن الحكاية مفائلة تماماً. ويقول براولي: “إحدى مشاكل الطب هو أن هناك دائماً هذا المفهوم بأن الناس المشهورين يحصلون على معاملة خاصة. فليس من المفاجئ لي أنهم فعلوا كل تلك الأشياء لأنه كان بيب روث”. وفي حين حصل روث على الوقت الذي كان يحتاجه ليقول وداعاً، إلا أنه لم يقم أحد آخر بذلك، لأنه لم يتم توفير الأدوية التجريبية مثل تيروبتيرين للجماهير وكذلك لم يكن العلاج الكيميائي متاحاً على نطاق واسع حتى الخمسينيات.

وربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الدليل على أن روث كان يجهل مرضه إلى حد كبير. وفي حين أنه لا يمكن تأكيد ذلك، فقد قالت عائلته بأنه لم يكن يعرف، ولكن التقارير المعاصرة حول وفاته تصف بوضوح السرطان الذي أدى إلى مقتله. وإن الجهل المحتمل لروث حول مرضه يدعو إلى التشكيك بأخلاقيات قرارات الطبيب الذي كان يعالجه. وقد تطورت القواعد والمبادئ الطبية المرتبطة بالتجارب السريرية بشكل كبير منذ عهد روث، ولا يسمح لأحد اليوم أن يخضع للعلاج التجريبي دون أن يتم إطلاعه بشكل كامل على المخاطر التي يتخذها.

ومع ذلك، يقول بكازي بأن مساهمات روث في التاريخ الطبي هي أكبر من أي انتقاد. وبفضل المرضى مثل روث والعلماء مثل فاربر وليويسون، فقد أصبحت أدوية العلاج الكيميائي الجديدة أكثر فعالية وأكثر استهدافاً من أي وقت مضى. وينطبق الشيء نفسه على الإشعاع. وبدلاً من تعريض منطقة كاملة من جسم المريض إلى جهاز الأشعة السينية الضخم، يمكن توجيه مئات الحزم الدقيقة إلى الورم لتجاوز معظم الأنسجة السليمة أثناء مهاجمتها للخلايا السرطانية. ويقول براولي عن عصر روث: “نهج بندقية الصيد هو الطريقة القديمة للقيام بذلك. أما القناصة فهي الطريقة الجديدة”.

ولعل الأهم من ذلك هو أن الشعبية التي حصل عليها مرض روث في نهاية المطاف قد ساعدت في زوال الوصمة التي كان يشعر بها مرضى السرطان لقرون. وإن الجهود التي بذلت في العقود اللاحقة من قبل غيره من الناجين البارزين من السرطان، مثل السيدة الأولى بيتي فورد، أدت إلى عالم يتم فيه إعلام المرضى والتشاور معهم بشأن مرضهم وعلاجه، ومعاملتهم بكرامة بشكل حاسم في جميع مراحل العملية.

وبعد وفاة بيب روث، وضع جثمانه للحداد العام في ملعب يانكي، حيث اصطف المشجعون لإلقاء التحية. والتقط المصورون المتواجدون في الساحة بعض اللحظات المؤثرة مثل بكاء الأولاد والشباب والكبار على رحيل بيب. لم تكن العلاجات في ذلك الوقت قادرة على علاج بطلهم، ولكن الابتكارات الطبية التي استهلها روث أدت إلى علاج عدد لا يحصى من الآخرين. ويرغب المرء أن يفترض بأن روث سيفخر جداً بمساهماته. ففي النهاية، ينطبق اقتباسه الأكثر شهرة على البيسبول كما ينطبق على مواجهة السرطان: “لا تدع الخوف من تسديد الضربات يعترض طريقك.”

error: Content is protected !!