Reading Time: 4 minutes

ألا يمكن لأغنى بلدٍ في العالم، الولايات المتحدة، توفير وجبة غداء مجانية لجميع الطلاب لتجنّب التمييز فيما بينهم، والحرج الذي يشعرون به، بسبب مشكلات الديون التي قد يقع بها الأهالي بسبب أحوالهم؟

لا يُسمح للطلاب -على سبيل المثال- في إحدى المدارس، في ولاية نيوجرسي، بحضور الأنشطة التفاعلية مثل الحفلات الموسيقية، في حال لم يدفع أهاليهم تكاليف الطعام الذي يُوزع عليهم في المدرسة، أو ما يُسمى «دين الغداء»، ولا يُقدَّم للطلاب المدينين بثمن الغداء للمدرسة في ولاية رود آيلاند، سوى شطيرة من الهلام، بدلاً من الغداء الساخن. وقد تَلقّى أهالي الأطفال من مدارس ولاية بنسلفانيا خطاباً تهديدياً، إذا لم يدفعوا مستحقات وجبات الغداء المُقرَّرة لهم.

باتت تقارير «الغداء المُخجل» تنتشر في الأخبار بين الفينة والأخرى؛ فتقول «كريستال فيتزسيمونز»، مديرة البرامج المدرسية في مركز بحوث الأغذية في الولايات المتحدة: «يدل حدوث ذلك على عدم فهمٍ لآثاره في الأطفال، ينبغي أن تكون أماكن تناول الغداء تجربةً إيجابية لجميع الأطفال».

تُعدُّ مثل هذه السياسات محرجةً جداً للأطفال، فضلاً عن أنها تمنعهم من الحصول على الفائدة الكاملة للغداء المدرسي، الذي يقدم وجبة، مغذية، صحية، مهمة، ويزيد من الأمن الغذائي لهم، ويسهم في رفع سوية الطلاب، وضمان أداءٍ أفضل لهم في المدرسة.

تقول فيتزسيمونز: «تُعد برامج الغداء المدرسي أحد أفضل الأدوات لدينا للحد من الجوع وتحسين التغذية».

يقدم البرنامج الوطني للغداء المدرسي، الذي تديره وزارة الزراعة في الولايات المتحدة، وجباتٍ مغذية منخفضة التكلفة للمدارس العامة، وغير الربحية الخاصة، في أنحاء الولايات المتحدة كلها. إذ تشارك جميع المدارس الحكومية و85% من المدارس الخاصة تقريباً في هذا البرنامج الذي يقلل، إلى درجةٍ كبيرة، من خطر انعدام الأمن الغذائي، في جميع أنحاء البلاد خلال فترة المدارس. تقول فيتزسيمونز: «تزداد حالة انعدام الأمن الغذائي خلال الصيف، ويرتبط انعدام الأمن الغذائي بالمشكلات الصحية؛ مثل: فقر الدم، ونزلات البرد المتكررة، ومشكلات الصحة العقلية».

بالإضافة إلى ذلك، توفر الوجبات أطعمةً مليئةً بالعناصر المُغذية؛ فتقول جوليانا كوهين، الأستاذة المساعدة في التغذية، التي تدرس برامج التغذية المدرسية في جامعة هارفارد: «يوفر البرنامج للطلاب مجموعة متنوعة من الخضراوات، والفواكه، والحبوب الكاملة، والبروتينات الخالية من الدهون؛ أي العناصر المرتبطة بنمو جسماني أفضل».

ويتعلم الأطفال، من خلال تناول وجباتٍ متوازنة في المدرسة، كيفية تكوين الوجبات الصحية، ويجربون الأطعمة المغذية الجديدة، التي تسهم في وضع أسس العادات الغذائية لبقية حياتهم. من المحتمل أن تتردد الأُسَر ذات الدخل المنخفض في الدفع لقاء الغداء المدرسي، إن أبدى أطفالهم عدم رغبتهم في تناولها؛ فتقول كوهين: «الأهل ليسوا مستعدين لإنفاق أموالهم على طعامٍ، قد لا يتناوله أطفالهم، ومع ذلك، غالباً ما يدفعون للحصول عليه، إذا أبدى الطفل رغبته في تناوله وأحبَّه».

وتلاحظ فيتزسيمونز أن برامج الغداء المدرسي تعمل أيضاً على تحسين الأداء الأكاديمي؛ فتقول: «نلاحظ أن هناك علاقة بين المشاركة في برامج التغذية المدرسية، والتعلم، والحضور، ونتائج الاختبارات، والتأخر في الدراسة أيضاً؛ فالأطفال الذين بمقدورهم الحصول على وجبةٍ في المدرسة غالباً ما يميلون إلى حضور الدروس، بينما يجد الأطفال الجياع صعوبة في التركيز والفهم. وفي الحقيقة ينبغي علينا التأكد من حصولهم على وجبة غداء صحية؛ لأن ذلك يسهم في الارتقاء بمستواهم الأكاديمي». لقد أظهرت دراسةٌ في المدارس العامة في كاليفورنيا، على سبيل المثال، أن الأطفال الذين واظبوا على تناول وجباتٍ صحية؛ حازوا على علامات اختبارٍ أعلى.

وجبات, غداء, تغذية, لانش بوكس

تقديم وجبات الطعام للأطفال حتى سن 18 عامًا من خلال برنامج الخدمة الغذائية الصيفي (USDA)، التابع لوزارة الزراعة الأمريكية في 24 مايو 2012 — مصدر الصورة: وزارة الزراعة الأميركية

ويوفر البرنامج الوطني للغداء المدرسي وجبات غداء منخفضة التكلفة، لكن هذه التكاليف لا تزال مرتفعة في بعض الأحيان بالنسبة إلى بعض الأسر. يمكن أن يكون التقدم للحصول على وجباتٍ مجانية أو مُخفَّضة عائقاً أيضاً؛ إذ تقول فيتزسيمونز: «قد تكون بعض العائلات مؤهلةً فعلاً لأن يحصل أطفالها على الوجبات المجانية، لكنهم غير معتادين على ملء الطلبات، أو لا يعلمون كيف يملؤونها، وربما تُسبِّب لهم بعض الإحراج»، وتضيف قائلةً: «في العديد من الأماكن قد تكون شروط الحصول على الوجبات المجانية صعبةً جداً؛ إذ لا تزال العديد من الأسر تجد صعوبة في  توفير مستحقات الغداء، وإنْ كانت أسعاره مُخفَّضةً، وقد يكون الغداء المدرسي آخر ما قد يفكرون به».

وتضيف قائلةً: «إن رؤية الأطفال وهم يشعرون بالخجل والإحراج، بسبب «دين الغداء»، دليل إضافي على أن البرامج الوطنية تحتاج إلى توفير المزيد من التمويل، الذي قد يدعم تقديم وجبات الطعام لجميع الأطفال. كما ينبغي ألا تكون المدارس مكاناً سيئاً يكرهه الأطفال بسبب مثل هذه الأشياء. نحن نحتاج فعلاً إلى بذل الجهود على المستوى الوطني، لضمان وصول وجبات الغداء المجانية إلى الجميع». وفي الواقع، تقدم العديد من المدارس والمناطق التعليمية وجبات غداءٍ مجانية لجميع الطلاب، بغض النظر عن دخل الأسر؛ مما يساعد في زيادة أعداد الأطفال الذين يتناولون وجبة الغداء في المدارس، التي تؤثر إيجابياً في أداء الأطفال الأكاديمي.

تقول كوهين: «إن مواجهة «وصمة العار» التي يشعر بها الأطفال، بسبب وجبات الغداء المدرسية، يمكن أن تؤثر سلباً في صحتهم العقلية، وتزيد مستوى توترهم، وتشوه صورة مكان تناول الطعام مع رفاقهم عموماً، وهذا ما نراه عند الأطفال الذين يشعرون بالخجل؛ لوصفهم بأنهم يتلقون وجبات الغداء مجاناً. عندما نزيل وصمة العار هذه؛ فإن ذلك سيحدثُ فرقاً كبيراً في حياة الأطفال، وتقوم بعض المدارس بالعمل على ذلك من خلال توزيع بطاقات وجبات الغداء على جميع الطلاب، وبهذا يصعب التمييز بين من يدفع، ومن يحصل على الوجبة مجاناً»، وتضيف كوهين: «تتحسن خدمات المدارس في تقديم الوجبات المجانية إجمالاً، ولكن لا تزال لديها مشكلةٌ في طريقة التعامل مع الأطفال، في حال استدان أهاليهم ثمن الغداء من المدرسة؛ فعندما تقدم للطفل ساندويش الجبن، فأنت بذلك تشعره بالخجل ووصمة العار مجدداً».