Reading Time: 4 minutes

يستعد الطلاب في سنتهم العاشرة -في نظام التعليم في أستراليا مثلاً- لاختيار المواد الدراسية التي يرغبون في دراستها في نهاية المرحلة الثانوية، تشير الاحتمالات أن نصفهم سيتخلّى عن اختيار المواد العلمية، ولن يقوموا بدراستها.

تقول «تريسي آن بالمر»، المحاضِرة في جامعة سيدني للتكنولوجيا: «قرار اختيار المواد في السنة الأخيرة بالنسبة إلى شخصٍ يعتقد أن العلوم هي أفضل ما درسه على الإطلاق-مثلي- هو أمرٌ محيرٌ بالفعل».

وتضيف: «يثير تراجع إقبال المراهقين على اختيار مواد العلوم قلقاً متزايداً خلال العقود الماضية في أستراليا، وهو موضوعٌ تناولته بحوثٌ كثيرة في الآونة الأخيرة، رغم ما لها من مجالات عملٍ واسعة أكثر بكثير من مجال المهن العلمية التقليدية».

الشباب يعيشون عصر العلم بالفعل

يكبر المراهقون اليوم في عالمٍ يترك فيه العلم بصماته ودوره في كلّ ناحية، ومعظمهم لم يجرب الحياة بلا شبكة الإنترنت، والعالم كله في متناول أيديهم بكبسة زرّ عبر حواسيبهم وهواتفهم الذكية، وغيرها من الأجهزة التي تتصل بالإنترنت.

تبذل المدارس في أستراليا ما بوسعها لإعداد الطلاب وتعليمهم المهارات التي يحتاجونها في عملهم؛ في مستقبلٍ يزداد فيه الاعتماد على العلوم في كلّ مناحيه نظراً لتوسع استخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وغير ذلك.

قد يظنُّ المرء أن الطلاب -في بيئةٍ كهذه- سيختارون التوجه نحو العلوم ودراستها في المستقبل، بوصفه خياراً مُفضَّلاً لديهم؛ نظراً للطلب الكبير على المهن المرتبطة بها في هذا العالم المتطور.

الصورة مختلفة تماماً

هناك العديد من الكتب والأبحاث التي تفسر سبب عدم إقبال الطلاب على العلوم، وهناك الكثير من التقارير الحكومية التي تُبرز الحاجة إلى المزيد من المهارات العلمية؛ لذلك قد تتسائل: ما سبب انخفاض رغبة الطلاب في اختيار العلوم لمستقبلهم؟

ومن هنا كان بحثي؛ لقد درست حيثيات هذا الموضوع بوصفي عالمةً ومعلمةً وأعمل في مجال التسويق، وقد كنت أعتقد أن المشكلة قد لا تكمن في العلوم بحدِّ ذاتها على الإطلاق، ولكن كيف يرى الطلاب العلوم مقارنةً بالمواد الدراسية الأخرى التي يختارونها في النهاية؟ بدا لي الأمر كأنَّه قرار شراء سلعةٍ ما!

عملية اختيار خاطئة للمواد

طلاب, دراسة, علوم, بيولوجي, دراسة المواد العلمية

أجريت استطلاعاً بين الطلاب لأعرف ميولهم، وكيفية اختيارهم لموادهم، ونظرتهم لمواد العلوم.

تحدثتُ في البداية إلى 50 طالباً من 5 مدارس في ولاية نيو ساوث ويلز، ومن ثمَّ تحدثتُ إلى 15 بالغاً «مستشاري ومعلمي حِرف» يقدمون المساعدة والمشورة للطلاب لاختيار موادهم. ثم قمتُ بمراجعة الوثائق المُقدمة للطلاب -التي اختاروا بموجبها المواد- والمحفوظة في سجلات تلك المدارس.

وبعد ذلك قمتُ باستطلاع آراء 379 طالباً من طلاب الصف العاشر؛ للاستفسار عن اختيارهم للمواد الدراسية، وطلبت منهم ترتيب نحو 21 عاملاً حسب أهميتها لهم. وجدت أن الطلاب يعلِّقون أهميةً على بعض العوامل عند اختيارهم للمواد مثل: نصائح الوالدين والمعلمين، مدى اهتمام الطالب بالمادة، مدى صعوبتها، العلامة التي يتوقعون الحصول عليها فيها.

وقد وجدتُ أنَّ الطلاب يختارون موادهم الدراسية الخمسة أو الستة بناءً على مرحلتي تقييم، حيث كانت المرحلة الأولى هي تقييم الطالب للمادة على أنه «يحبُّها» أو «يكرهها». وقد استخدموا هذه الكلمات بالفعل في وصفها، وبالنسبة إلى بقية المواد كانوا يحكمون عليها بناءً على قيمتها مقارنةً بالمواد المتاحة الأخرى. كانت هذه القيمة تشير، مثلاً، إلى أهميتها وفائدتها في الحصول على وظيفةٍ ما في المستقبل، أو مدى ما تُتيحه لهم من متابعة الدراسة فيما بعد. بالإضافة إلى مقدار الجهد الذي يتعيَّن على الطالب بذله للحصول على علاماتٍ جيدةٍ فيها، ولسوء الحظ يبدأ من هنا الخلط والخطأ وسوء التقدير تجاه مواد العلوم.

اختيار المواد العلمية كعملية شراءٍ خاسرة

يقول الطلاب غالباً (16 مقابل 7) إنهم يجدون المواد العلمية أصعب من المواد الأخرى، ويواجهون صعوبةً في الحصول على علاماتٍ مرضيةٍ فيها، لكن الطلاب لم يذكروا أن سبب عدم اختيارهم لها يعود إلى عدم رغبتهم ببذل الجهد لتعلُّمها، وقالوا: «إنها لا تستحق الجهد المبذول لدراستها».

ولسوء الحظ تُواجه المواد العلمية عقبةً هنا أيضاً؛ فقد كرر الطلاب عبارة: «فائدة المواد الأخرى تفوق فائدة المواد العلمية؛ طبعاً ما لم ترغب في أن تُصبح طبيباً، أو مهندساً، أو عالماً، أو نحو ذلك».

وفي الحقيقة لم أرَ أي تعارضٍ بين سجلات اختيار الطلاب للمواد الدراسية وما وجدته في الاستبيان. استنتجتُ أن اختيار المواد العلمية يشبه قرار الشراء المكلِّف والسيئ؛ إذ ينظر الطلاب إليها بوصفها تتطلب الكثير من الوقت والجهد ليحصلوا على علاماتٍ جيدةٍ فيها، كما أن فائدتها في المستقبل محدودة.

ومع ذلك، وبالرغم من خيارات الطلاب، تبقى مواد العلوم مفيدةً في مجالات عمل كثيرة؛ من النجارة إلى علوم الإدارة، والعديد من المهن الأخرى. وكقاعدة أساسية؛ فإن أي مهنةٍ تحتاج إلى خلفية علمية تدعمها، فضلاً عن أن مواد العلوم تساعدنا على فهم العالم من حولنا والمشاركة فيه، لكن الطلاب لايفهمون ذلك. إن إدراكهم لفائدة المواد العلمية ضيقٌ للغاية، لذلك لم يعد هناك إصرارٌ لإدراجها بوصفها مواد أساسية إلى جانب الرياضيات واللغة الإنجليزية.

يجهل الطلاب قيمة العلم

حان دورنا لتعريف الطلاب بقيمة العلم، حيث تعطينا تلك العملية مجالاً نعمل من خلاله على إقناعهم باختيار المواد العلمية، ونستطيع -إلى جانب الأعمال الأخرى التي تُحبِّب الطلاب في العلوم- أن نعمل على رفع إدراكهم لقيمة العلم، في الوقت الذي يختارون فيه المواد في سنواتهم الدراسية الأخيرة.

ينبغي على المدارس دعوة أشخاصٍ من خلفياتٍ مهنيةٍ متنوعةٍ؛ للتحدث مع الطلاب، وتبادل الأفكار معهم حول أهمية العلوم في عملهم وحياتهم في المستقبل.

ويمكننا القيام ببعض الأشياء التي تجعل المواد العلمية جذَّابة للطلاب عند اختيارهم بين المواد؛ كالقيام بتجارب ممتعة في مختبر الكيمياء، ووضع امتحانات سهلة قبل اختيارهم للمواد.

لا يستخفُّ هؤلاء المراهقون باختيار موادهم؛ فهم يعلمون أنهم يختارون طريق مستقبلهم بشكلٍ نهائي، ويغلقون في المقابل طُرقاً أخرى، وربما يكون من الخطأ إقناع الطلاب بأن ما يختارونه غير مناسبٍ لهم، ولكنه في الحقيقة يناسب إمكانياتهم بالفعل، لكن ما نتحدث عنه يتعلَّق بمساعدتهم على إدراك قيمة العلوم، إذا كان هناك ما يُشوِّش على اختياراتهم.

وقد يقررون اختيار مواد العلوم، لبضع سنواتٍ أخرى على الأقل، إذا رأوا القيمة الحقيقية لها، من خلال تقديم معلوماتٍ وخبراتٍ جيدة عنها من أرض الواقع.

تم نشر هذا المقال بواسطة «تريسي آن بالمر» في موقع ذا كونفيرسيشن