Image

صحيح أنه سيدرس قلب المريخ، ولكن الأولوية هنا للهبوط نفسه.

Bread assortment نتطلع قدماً إلى الحصول على معلومات إنسايت الجديدة.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا

بعد ست سنوات من هبوط ناسا بمركبة فضائية على سطح المريخ، أعادت الوكالة الكرّة مع بعثة إنسايت الجديدة، التي دخلت الغلاف الجوي المريخي الرقيق وهبطت في منطقة إيليسيوم بلانيشيا في 26 نوفمبر الماضي، في شمال المنطقة التي تجوبها العربة الجوالة كيوريوسيتي. وعلى عكس بعثات ناسا الأخرى -حيث تم إرسال العربات الجوالة والمسابر السطحية لدراسة الحفر الرملية أو التضاريس السطحية- فإن إنسايت هي الأولى التي ستمضي وقتها في دراسة قلب الكوكب.

وهناك الكثير من الأشياء التي تهم العلماء على سطح المريخ، ولكننا لا نعرف سوى القليل عما يحدث في الداخل، أي أننا لا نعرف مكونات نواة الكوكب بالضبط، أو حجمها، أو مدى نشاط المريخ من الناحية الجيولوجية. ولفهم هذه الألغاز، يجب أن ننظر تحت السطح، وهذه هي مهمة إنسايت.

ولكن قبل البدء بالعمل العلمي، كان على المسبار أولاً أن ينجو من “دقائق الرعب السبع” خلال مراحل دخول الغلاف الجوي، والنزول، والهبوط (تُعرف المراحل الثلاث اختصاراً باسم EDL). وقد قال توم هوفمان (مدير مشروع إنسايت) قبل الهبوط: “إننا نشعر بحماس كبير، فلا شيء يعادل إثارة الهبوط على المريخ. ونحن في حال جيدة حتى الآن، وقد اتخذنا كل الإجراءات اللازمة حتى نكون جاهزين”. وقبل بدء إنسايت بمراحل EDL بشكل رسمي، كان على الفريق هنا على الأرض أن يضع كل السيناريوهات الممكنة في الحسبان.

كيف هبط مسبار إنسايت

قبل 24 ساعة تقريباً من بدء EDL، قام الفريق في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا بتنفيذ المناورات التصحيحية الأخيرة، وحتى تجري العملية بشكل سلس، يجب أن تضرب المركبة الفضائية الغلاف الجوي بزاوية محددة ودقيقة؛ فإذا كانت الزاوية شديدة الانحدار فستحترق المركبة الفضائية وتتبخر بسرعة لا تتيح للفريق سوى التأوه والحسرة، أما إذا كانت الزاوية صغيرة أكثر من اللازم، فسوف ترتد المركبة عن الغلاف الجوي وتذهب إلى الفضاء مرة أخرى.

وقبل بضعة أيام من الهبوط، وحتى 22 ساعة قبل EDL، كانت شبكة الفضاء العميق التابعة لناسا تساعد على تتبع المركبة الفضائية باستخدام إزاحات دوبلر، وقد كانت هذه الفرصة الأخيرة لإصدار أوامر تصحيح المسار إلى إنسايت.

وبدأ العد التنازلي النهائي لمراحل EDL حوالي الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت ساحل المحيط الهادي، أي قبل ثلاث ساعات من وصول المركبة الفضائية إلى المريخ، وهو الوقت الذي بدأت عنده شبكة الفضاء العميق تستخدم طريقة تتبع تسمى ديلتا دور، حيث كان هوائيان ضخمان على الأرض يعملان على تتبع المركبة الفضائية بشكل متناغم، مع مراقبة العلماء للتأخيرات في عودة الإشارة ما بين الهوائيين لتحديد الموضع بدقة. ولتصحيح أية أخطاء بسبب ظروف الغلاف الجوي والطقس الفضائي، أو التداخلات الصغيرة على الأرض، كانت ناسا تقوم أيضاً باستخدام الهوائيين لقياس موضع ثقب أسود زائف (وهو عبارة عن نواة مجرة شديدة السطوع)، وذلك لأننا متأكدون تماماً من بعد هذه الأجسام المشعة، ولهذا فإن تحديد مصادرها الراديوية بالتناغم مع مصدر راديوي من هوائي شبكة الفضاء العميق سيمكِّن ناسا من معرفة الموضع الدقيق للمركبة الفضائية.

وقبل EDL بحوالي عشر دقائق، أفلتت مركبة إنسايت أحد أجزائها، والمسمى بمرحلة السفر الطويل، ويمثل الغلاف الواقي الذي كان يحتوي المركبة الفضائية منذ الإطلاق. وبعد ذلك حلت دقائق الرعب السبع! وإليك ما توجَّب على إنسايت تحقيقه قبل أن يتمكن طاقم التحكم في البعثة من تنفس الصعداء.

تفصيل EDL:

  • بلغت سرعة إنسايت حوالي 21,000 كيلومتر في الساعة عند دخولها الغلاف الجوي للمريخ.
  • بلغت حرارة الدرع الحراري أكثر من 1,300 درجة مئوية (أي ما يكفي لإذابة الفولاذ)، وبقي على هذه الحرارة لفترة تقارب ثلاث دقائق ونصف، قبل أن يتم فتح المظلة. وبقيت المظلة مفتوحة على اتساعها لثلاثين ثانية، عندما قامت إنسايت بإفلات الدرع الحراري.
  • بعد ذلك فوراً، بدأ رادار إنسايت يعمل ويطلق النبضات نحو الكوكب. وكانت المركبة تقيس مع كل نبضة مرتدة بعدها عن السطح وسرعة سقوطها.
  • قبل الهبوط بحوالي 40 ثانية، قامت مركبة إنسايت بنبذ كل تجهيزاتها الملحقة، لتسقط بشكل حر، وقامت بالابتعاد عن المظلة والدرع الحراري لتجنُّب التعرض لضرر.
  • قبل ثوان معدودة من ملامسة السطح قام مسبار إنسايت بإطلاق نفاثاته استعداداً للوصول، وبذلك انتقل من سرعة 21,000 كيلومتر في الساعة إلى 8 كيلومتر في الساعة خلال أقل من سبع دقائق.

تخيل فني للمسبار السطحي إنسايت التابع لناسا بعد أن قام بنشر معداته على سطح المريخ.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث

إنسايت يتصل بالمنزل

عادة ما نحتاج إلى قمر اتصالات يمر فوق موقع البعثة في الوقت المناسب لمعرفة ما إذا كان الهبوط قد تم بسلام وإرسال البيانات إلى الأرض. غير أن إنسايت أحضرت أغراضها الخاصة معها، حيث إنها البعثة الكوكبية الأولى التي يتم إطلاقها مع قمري كيوبسات خاصين بها للاتصالات، وهما ماركو إيه وماركو بي (أو كما يلقبهما مسؤولو التحكم بالبعثة: ماركو/ بولو). وقد كانت هذه الأقمار الاصطناعية -التي تساوي في حجمها علبة حبوب الفطور- تلعب دور محوِّل ومضخم إشارة أثناء دقائق الرعب السبع. ومع إكمال المركبة الفضائية لكل مهمة، من إطلاق مرحلة السفر الطويل وصولاً إلى تشغيل النفاثات، كانت ترسل البيانات إلى القمرين اللذين كانا يقومان فورياً بتحويلها إلى شبكة الفضاء العميق وفريق التحكم بالبعثة في مختبر الدفع النفاث.

هناك تأخير زمني لوصول البيانات، ومهما كانت نتيجة الهبوط، فقد كان فريق التحكم بالبعثة في حاجة إلى ثماني دقائق حتى يعرف. ولكن الهبوط تكلل بالنجاح، والتقطت إنسايت أول صورة بعد الهبوط مباشرة وأرسلتها إلى الأرض، على الرغم من الحالة المزرية لمكان الهبوط المليء بالغبار الذي لم يستقر بعد.

وقد قال هوفمان قبل البعثة: “بمجرد أن نحصل على مؤشر لنجاح الهبوط ونحصل على هذه الصورة الأولى، فسوف يتوقف المشرفون على الملاحة وEDL عن العمل لينتقلوا إلى وضعية الاحتفال. ولكن على بقيتنا البدء بالعمل العلمي الرائع للبعثة، وهو الهدف الأساسي من الهبوط على المريخ”.

وبعد هبوط إنسايت والتقاط الصور للمنطقة المحيطة، ومسح الأرض قرب المسبار بشكل جيد، بدأ الفريق بتنفيذ نسخة مصغرة من EDL مرة أخرى. فعلى عكس المسابر الأخرى التي تكون معدات القياس مثبتة على هيكلها، فإن إنسايت يحمل المعدات العلمية على سطحه، ويجب أن يستخدم ذراعاً روبوتية متعددة المفاصل حتى يلتقطها ويحركها نحو الخارج، ويضعها على سطح المريخ ببطء. لم تُجرَ هذه العملية على أي كوكب آخر من قبل، وستستغرق حوالي ثلاثة أشهر، ولكن التركيز الأكبر كان على تحقيق نجاح هبوط المسبار، الذي لم يكن مضموناً على الإطلاق.

قال هوفمان: “إن الهبوط الناجح على المريخ أمر مثير على الدوام، لأن معدل النجاح على مستوى العالم لا يبشر بالخير على الإطلاق، حيث إنه لا يتجاوز 40%. إنه تحدٍّ صعب على الدوام”.

كانت بوبساي تتابع الأحداث المرعبة وعملية الهبوط في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا، وستتابع نقل أحدث أخبار البعثة دوماً.

error: Content is protected !!