Reading Time: 4 minutes

اكتسبت أبحاث الجينوم التي تُظهر أن فيروس كورونا نشأ على الأرجح في الخفافيش تغطية إعلامية واسعة، وأثارت قلقاً عميقاً. هناك خطر كبير في أن يتوّجه الناس إلى اللجوء إلى إعدام الخفافيش من أجل مكافحة الوباء، رغم أن هذه الاستراتيجية فشلت في الماضي.

بصفتي مؤرخاً بيئياً أركّز على الأنواع المهددة بالانقراض والتنوع البيولوجي، فأنا أؤكد أنّ الخفافيش تقدّم خدمات جليلة للبشرية، وتحتاج إلى الحماية. وبدلاً من اتهام الخفافيش بالتسبب في انتشار فيروس كورونا، أعتقد أنه من المهم معرفة المزيد عنها. فمثلاً، قد نطر سؤالاً: لماذا تحمل الخفافيش هذا الكم الكبير من الفيروسات؟ ولماذا تنتقل الفيروسات إلى البشر، خاصة عندما يصطادها الناس؟

الصعوبات التي تواجه حياة الخفافيش

الخفافيش هي الحيوانات الثديّة الوحيدة في العالم التي تطير، وعملية الطيران تحتاج إلى الكثير من الطاقة. بالتالي فهي تحتاج إلى تناول الأطعمة المغذية -مثل الفواكه والحشرات- لتلبية هذه الحاجة.

أثناء بحثها عن الغذاء، تقوم الخفافيش بتلقيح حوالي 500 نوع من النباتات، بما في ذلك المانجو والموز، الجوافة والآجاف (صبار أميركي). وقد تستهلك الخفافيش التي تقتات على الحشرات ما يعادل وزنها من الحشرات كلّ ليلة، بما في ذلك البعوض الذي يحمل أمراضاً مثل فيروس زيكا، حمّى الضنك، والملاريا.

خفافيش, فيروس كورونا

الخفّاش ذو الرأس الرمادي أثناء تغذيته على رحيق الأزهار ووجهه مغطّى بحبوب اللقاح، أستراليا — مصدر الصورة: أندرو ميرسر/ ويكيبيديا

تقوم الخفافيش بتحويل هذه الأطعمة إلى فضلات تُسمى «الجوانو» أو ذرق الطائر، والتي تعد هامّة في النظم البيئية بأكملها. وقد جمع الإنسان هذه الفضلات منذ قرون ليستخدمها كسماد لتخصيب التربة، بالاضافة لاستخدامها في صناعة الصابون والمضادات الحيوية.

وبالنظر إلى أنّ الثمار والحشرات تميل لاتباع دورات حياة موسيمة تزدهر وتسكن فيها، فإن الخفافيش تلجأ إلى الدخول في حالة السّبات لفترةٍ طويلة، حيث تنخفض حرارة جسمها الأساسية إلى 6 درجات مئوية. فتقوم بالتجمّع كمستعمراتٍ في أماكن معزولة كي تحافظ على حرارتها، وهي تستخدم أجنحتها بمثابة أغطيةٍ تقيها البرد.

عندما تنضج الثمار وتفقس الحشرات عن بيوضها، تستيقظ الخفافيش من سباتها وتطير بحثاً عن الطعام. لكن يصبح لديها مشكلة مختلفة، لأن الطيرات يتطلّب طاقة كبيرة، بحيث تحتاج إلى رفع معدّل التمثيل الغذائي لديها 34 ضعفاً مما كان عليه في مرحلة سباتها، ويمكن أن تتجاوز درجة حرارتها 40 درجة مئوية.

ولكي تخفض درجة حرارتها الزائدة، تحتوي أجنحتها على الكثير من الأوعية الدموية التي تشعّ الحرارة وتتخلّص منها. كما تقوم بلعق فرائها مثلما تفعل الكلاب لتبريد نفسها. كذلك تستريح الخفافيش أثناء النهار وتطير ليلاً بحثاً عن الغذاء، مما يمكّنها من التنقّل، وتحديد مواقع فرائسها عن طريق «الصّدى».

متنوعة وفريدة من نوعها

البشر أقرب إلى الخفافيش من الكلاب أو الأبقار أو الحيتان، لكن الخفافيش تبدو أكثر غرابة وغير مألوفة، مما يصعّب علينا التواصل معهم.

الخفافيش هي المخلوقات الأكثر غرابةً من بين رتب الثدييات الستة والعشرين، أو بين المجتمعات الكبيرة، كالقوارض وآكلات اللحوم. وهي الثدييات البرّية الوحيدة القادرة على التنقّل عن طريق تحديد الموقع بالصّدى، بالإضافة إلى أنها الوحيدة أيضاً من بين الثدييات القادرة على الطيران.

الكثير من أجناس الخفافيش صغيرة الحجم وذات أيضٍ عالٍ وسريع، لكنّها تتكاثر ببطء وتعيش حياة طويلة. وتلك الخصائص أقرب وأكثر شيوعاً إلى الحيوانات الكبيرة؛ مثل أسماك القرش والفيلة.

يمكن أن تتغيّر درجة حرارة جسم الخفاش الداخلية بأكثر من 15 درجة مئوية حسب الظروف الخارجية. وتلك الميزة أكثر شيوعاً عن الحيوانات ذات الدم البارد التي تكتسب حرارة محيطها مثل السلاحف والسحالي.

تحمل الخفافيش مجموعة من الفيروسات التي يمكن أن تصيب الثدييات الأخرى بالأمراض عندما تنتقل إليها، وتشمل ما لايقل عن 200 نوع من الفيروسات التاجية، وبعضها يسبب أمراض الجهاز التنفسي البشرية مثل سارس وميرس. كما تحمل العديد من الفيروسات الخيطية، بما فيها تلك الفيروسات التي تصيب الإنسان بحمّى نزفية مميتة؛ مثل فيروس ماربورغ، وربما حتّى فيروس إيبولا.

عادة تبقى هذه الفيروسات كامنة في أجسام الخفافيش وأنظمتها البيئية دون أن تضرّ الإنسان. لكن البشر يزيدون من خطر انتقالها إليهم عندما يتعدّون على موائلها، أو عند صيدها من أجل تناولها أو استخدامها لأغراضٍ طبية. كما يوفّر البشر الظروف المناسبة التي تسمح بانتقال الفيروسات إلى الحيوانات البريّة الأخرى؛ عندما يقومون بجمعها مع الخفافيش، فتصبح تلك الحيوانات البرية بمثابة «مضيفٍ وسيط» قبل انتقالها للبشر. وهذا ما حدث في سوق ووهان في الصين، حيث يعتقد العديد من الخبراء أن فيروس كورونا قد ظهر هناك أوّل مرة.

في الواقع تستضيف الخفافيش العوامل الممرضة دون أن تتسبب لها بالمرض، مع وجود بعض الاستثناءات مثل الفيروس المسبب لداء الكلب. وفي محاولة لتفسير هذه القدرة لدى الخفافيش؛ فقد ركّزت التغطية الإعلامية مؤخراً على دراسة أُجريت عام 2019 تقترح أن الخفافيش تحمل طفرة جينية تمكّنها من البقاء بصحة جيدة رغم وجود هذه الفيروسات فيها. وبالرغم من أن هذه الطفرة الجينية قد تكون مهمة من منظور الصحّة العامة لإجراء أبحاث عليها والاستفادة منها، إلا أن فهم منشأ فيروس كورونا يتطلّب فهم ما الذي يمنح الخفافيش هذه القدرة على مقاومتها.

خفافيش, فيروس كورونا

تشعّ أجنحة الخفافيش الحرارة لتبريدها أثناء الطيران. (خفافيش الفاكهة- أستراليا) — مصدر الصورة: shellac/ فليكر

لماذا تحمل الخفافيش الكثير من الفيروسات لكنها لا تتأثر بها؟ ربما تقوّي الطفرات الجينية جهازها المناعي، وتساعدها على حماية صحتها. لكن الإجابة الأفضل هي أن الخفافيش هي الثدييات الوحيدة التي تطير.

وفقاً للعلماء؛ تعد بيئة الكهوف التي تتزاحم فيها الخفافيش بيئةً مثالية لانتقال الجراثيم بينها وتكاثرها. لكن عندما تطير، فإنها تولّد الكثير من الحرارة الداخلية في أجسامها، حيث تمنحها القدرة على مقاومة الجراثيم التي تحملها. يعرف ذلك بفرضية «flight as fever»، أو استخدام الخفافيش لحرارة جسمها العالية أثناء الطيران للقضاء على العوامل المُمرضة.

الخفافيش في خطر

هناك خطر يهدد بعض أنواع الخفافيش المفيدة التي تتغذى على الآفات الحشرية، حيث تساهم بتلقيح المحاصيل، وتخصّب التربة بمخلفّاتها. فوفقاً للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة والمنظمة الدولية للحفاظ على الخفافيش؛ فإن هناك ما لا يقل عن 24 نوعاً من الخفافيش معرضة لخطر شديد، و104 نوعاً مهددة بالانقراض. بينما لا تتوّفر بيانات للعلماء حول 224 نوعاً منها على الأقل لمعرفة حالتها.

يُعد الصيد الجائر وفقدان الموائل من أخطر العوامل التي تواجه الخفافيش، لكنّها تعاني أيضاً من أمراض جديدة باتت تصيبها. على سبيل المثال؛ اُكتشف الفطر «Pseudogymnoascus destructans» المسبب لمتلازمة الأنف الأبيض في نيويورك لأول مرة عام 2007، وأصاب 13 نوعاً من الخفافيش في أميركا الشمالية، بما فيها نوعين مهددين بالانقراض.

لا أحد يعلم منشأ هذا الفطر، لكن حقيقة أن العديد من أنواع الخفافيش لم يصبها هذا الفطر من قبل؛ تشير إلى أن البشر ربما نقلوها إليها بطريقة ما. ينمو الفطر ويزدهر في أماكن باردة ورطبة مثل الكهوف (موائل الخفافيش)، لذلك فهو ينمو عليها أثناء سباتها، مما يرهقها، بالتالي يهدر طاقتها خاصة خلال المواسم التي تكون فيها المصادر الغذائية شحيحة. قتلت متلازمة الأنف الأبيض ملايين الخفافيش، بما في ذلك أكثر من 90% من الخفافيش في بعض التجمّعات.

الخفافيش مخلوقات غير عادية تفيد الناس بطرق كثيرة، وسيكون عالمنا مكاناً أكثر فقراً وباهتاً وأقل استقراراً بدونهم. وهي اليوم بحاجة إلى الحماية من المعاملة القاسية، واستغلال البشر لها بشكلٍ خاطئ والذي يتسبب لهم بالأمراض.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن