Image

تناولت معه الغداء، ولن أنسى هذه الذكرى أبداً

Bread assortment بصراحة، فإن روحه المرحة هي أكثر ما سنفتقده
لوب كوميونيكاسيو عبر فليكر، الحقوق الأدبية محفوظة

لست نادمة على أنني فوتت فرصة التقاط صورة سيلفي مع ستيفن هوكينج.

لم أكن من أصدقاء الفيزيائي الشهير، والذي توفي مؤخراً بعد أكثر من نصف قرن من تشخيص إصابته بمرض العصبون الحركي، أو التصلب الجانبي الضموري. لم أكن أعرفه كما عرفه الكثير من العلماء والصحافيين. لم أتحدث معه فعلياً، ولم ألتقط صورة بصحبته حتى أريها لأحفادي. كل ما فعلته هو أنني تناولت معه بعضاً مع كرات اللحم، وأنا سعيدة بخياراتي.

منذ ثلاثة أعوام، ذهبت إلى ستوكهولم في السويد لحضور مؤتمر. لقد تلقيت الدعوة في وقت متأخر للغاية، لدرجة بدا لي أن المنظمين نسوا أمر الصحفيين حتى اللحظة الأخيرة، وكان المؤتمر حول الفيزياء النظرية، وهو ليس من المواضيع التي أستسيغها بسهولة. غير أن الدعوة كانت حصرية، كما وعدتني رسالة البريد الإلكتروني. علاوة على هذا، فقد كان ستيفن هوكينج سيحضر.

كان ستيفن هوكينج قد بلغ من العمر 73 عاماً، وكنت أعمل لدى صحيفة تمتلك من الموارد ما يكفي لإرسالي، كما أنني سمعت أن ستوكهولم كانت رائعة في أغسطس. وبالتالي، عثرت على آخر غرفة شاغرة في سوديرمالم في وسط ستوكهولم، وحضرت نفسي لأسبوع كامل من الاصغاء إلى مجموعة من أهم الفيزيائيين الموقرين وهم يناقشون مفارقة معلومات الثقب الأسود.

لم يكن ستيفن هوكينج العبقري الشهير الوحيد بين الحضور. وفي الواقع، فقد قاطع خطاب أحد الفائزين بجائزة نوبل عندما وصل في اليوم الأول متأخراً ساعة كاملة. غير أن وصوله جعل الصمت يخيم على القاعة كما لو أنها دار عبادة، وهو ما يتوافق بالصدفة مع كوننا في قاعة في المعهد الملكي للتكنولوجيا الذي كان كنيسة فيما مضى، حيث يبقون الرموز الدينية حالياً خلف ستارة مزخرفة.

ساد شعور بالأهمية في الأجواء عندما وصل هوكينج، حتى بين ألمع العاملين في هذا المجال، وخصوصاً عندما بدأ بالكلام. لا شك في أن بعض زملائه استهجنوا أو رفضوا بعض النقاط المحددة في وجهة نظره حول النظريات قيد النقاش (صحيح أنه كان عبقرياً، ولكنه لم يكن العبقري الوحيد)، غير أن الشعور العام كان أشبه بالترقب الذي يحبس الأنفاس: إن هوكينج موجود معنا، ماذا سيقول؟

كنت أجلس خلفه مباشرة، وكنت قادرة على رؤية رباط حذائه البنفسجي، وشاشة حاسوبه التي كان يطبع عليها كل ما يريد قوله للعالم. وقد كان يستغرق دقيقة أو أكثر لكتابة جملة كاملة باستخدام حركات وجنته، على الرغم من تكنولوجيا توقع الكلمات في برنامج الكتابة. أتذكر بوضوح رؤيته وهو يبدأ بكتابة جملة ما، وشعوري بدقات قلبي وهي تتسارع لرؤية مساهمته في الحوار قبل أن يسمعها الآخرون. لقد كنت أنتظر كل كلمة جديدة كما لو كانت نبوءة كبيرة لهذا الجيل.

وكما تبين بعد قليل، فقد كان يقول لرفيقه أنه متأكد من أنه نسي خطابه على الحاسوب المحمول الآخر.

هكذا كان هوكينج. لم يكن مضطراً لقول أي شيء جوهري. خلال المؤتمر، وقف أحد الحضور وقرأ ملاحظة موجهة للفيزيائي الشهير، وأعلن للجميع أنه تلقى للتو تشخيصاً طبياً يثير القلق، ولكنه كان واثقاً من أنه سيتغلب على المرض، والفضل في هذا يعود لستيفن. ووجه الشكر لهوكينج، ليس فقط على مساهماته في الفيزياء، بل على إظهار كل هذه القوة في وجه مرض لا شفاء منه، والانتصار عليه لسنوات عديدة. صحيح أن نظريات هوكينج مثيرة للإعجاب لوحدها، ولكنها مثيرة للإعجاب أكثر لأنه توصل إليها على الرغم من إصابته بهذا المرض. إن صموده يمد بالقوة كل شخص يشعر بمرض مزمن أو قاتل يسيطر تدريجياً على حياته، كما حدث معي شخصياً.

ما زلت أحتفظ بتسجيل صوتي للمقابلة مع مشرفة المؤتمر. حيث جلسنا نتناول كرات اللحم بالصلصة، وهي تحاول جاهدة أن تفهمني شيئاً من الطلاسم التي كانت وزملاؤها يتحدثون عنها خلال الساعات الماضية. وفي هذا التسجيل، يمكن أن نسمعها وهي تلقي التحية على شخص ما وتقدمني بطريقة غير رسمية إليه. لقد كان هذا الشخص هوكينج، وقد جلس على بعد سنتمترات مني، ومن حسن حظي أنني كنت وسط مقابلة، إذ من المستحيل أن أتخيل ماذا يمكن أن أقول له وأنا أتناول كرات اللحم.

كان المؤتمر لقاء رائعاً بين مجموعة كبيرة من العقول اللامعة، حتى بدون وجود هوكينج، غير أنني شعرت أن الكثيرين حضروا المؤتمر فقط من أجله. إنه السبب الذي جعل عدداً كبيراً من الطلاب يدرسون الفيزياء، ولا شك أنه كان مصدر إلهام للكثيرين من الصحافيين العلميين في القاعة أيضاً.

أتساءل ما إذا كنا سنقدّر يوماً ما كم ضحى هوكينج بنفسه لأجلنا. لا بد أنه من المرهق أن يكون الشخص قدوة بهذا الحجم في العلم والمثابرة الشخصية، ولكنني لا أعتقد أن كل هذا الإعجاب كان يزعجه. لو تقاعد هوكينج ليعيش بقية أيامه بهدوء، لما اعترض أحد، ولكنه عقد جلسات حوارية على ريديت، وغنى أغاني مرحة على التلفاز، وحاول أن يلهمنا جميعاً للبحث عن الحياة في أنظمة شمسية أخرى. لقد حضر المؤتمرات، وكتب أوراقاً بحثية، كما أقام حفلة للمسافرين عبر الزمن.

شارك هوكينج حسه الفكاهي الغريب مع العالم لمرات عديدة لا حصر لها، ولكنني أتذكر على وجه خاص ما قاله لنا في ذلك الأسبوع في ستوكهولم: “الخلاصة التي يجب أن نستنتجها من هذه المحاضرة هي أن الثقوب السوداء ليست بهذا السواد، وليست سجوناً أبدية لا مفر منها كما كنا نعتقد من قبل. يمكن للأشياء أن تخرج من الثقب الأسود. وبالتالي إذا شعرت أنك عالق في مكانك، وكأنك في ثقب أسود، لا تستسلم، فهناك طريق للخروج!”

error: Content is protected !!