Reading Time: 3 minutes

إذا كنت تتعامل مع جائحة فيروس كورونا على أنها تهديد يستحيل التعامل معها، فقد قد يضعك هذا في مواجهة الآخرين. ينطوي ذلك على اتخاذ قراراتٍ تستند على حماية نفسك وأحبائك فقط، مثل تخزين المستلزمات دون مراعاة الآخرين؛ أو الاستمرار في النزول في تجمعاتٍ صغيرة إذا كنت أقل عرضة للخطر، أو عدم اتخاذ أي احتياطات لأن ذلك يبدو عديم الجدوى.

هل تتعامل مع الجائحة على أنها تحدٍ جماعي يتطلب تضحيات مشتركة لتحقيق هدف صعب، لكنه ليس مستحيلاً؟ ينطوي هذا الخيار على اتخاذ إجراءات الوقاية مثل؛ التباعد الاجتماعي، غسل اليدين، تقليل حركة الانتقال والسفر. قد لا تكون هذه الممارسات مناسبة لك كفرد، لكنها تصب في مصلحة المجتمع على نطاق واسع، مما يقلل من انتشار الفيروس.

بصفتي أستاذة في علم النفس وطبيبة مرخّصة في علم النفس السريري، وأدرس كيفية اختلاف الناس في التفكير عندما يشعرون بالقلق؛ فإنّي أدرك أن هذه الجائحة تحمل كافة العناصر التي تغذي الفكرة التي تعتبر الجائحة تهديداً. في الحقيقة، مستقبل هذه الجائحة غير مؤكّد ولا يمكن التنبؤ به، وهذه السمات تغذي القلق وتدفع الدمّاغ للعمل على معالجة هذه المعلومات كتهديداتٍ بالفعل.

تعد الطريقة التي يتناول بها الأشخاص الأحداث المهددة عاملاً مهماً للغاية؛ حيث يحدّد مدى نجاح إدارتهم لهذه الفترة المليئة بالتوتر والقلق. من المهم تحديد الأخطار حيث سيدفعك ذلك للتحرك واتخاذ الإجراءات اللازمة، لكّن المبالغة في تقدير التهديد سيجعلك تشعر بالذعر، وسيصيبك بالعجز التام.

السماح للتهديد بتشكيل ردّة فعلك

عندما تتصور أن الوضع خطير للغاية، فإن ذلك يغير كيفية معالجة المعلومات في دماغك. فمثلاً عندما تنظر إلى الموقف من وجهات نظر مختلفة، لن تفكر في إيجابيات وسلبيات اختياراتك. بل سيضيق الأفق أمامك ويقل انتباهك، وتبدأ في التركيز بشكل انتقائي على الإشارات التي تعزز إحساسك بالخطر والضعف. تصبح تفسيراتك متحيزة، حيث ستفترض الأسوأ دائماً عندما يكون الموقف غامضاً.

كما ستتذكر بشكلٍ تفضيلي المعلومات التي تدعم اعتقادك المسبق بأنّ العالم أضحى مكاناً خطيراً، ولم يعد آمناً.

لماذا يعدّ التفكير بهذه الطريقة مشكلة إذاً؟ في النهاية، العالم يمرّ بجائحة خطيرة من الناحية الموضوعية، ويبدو الحذر منها واتخاذ الإجراءات المناسبة لك أمراً مهماً للبقاء آمناً.

تحدث المشكلة عندما تعتقد أن مواردك الشخصية غير كافية لتلبية متطلبات الموقف. إذا شعرت أن التهديد لا يمكن التغلب عليه، فإنك ستستسلم. وعندها ستقول لنفسك؛ لماذا أحاول إذا كان مصير ما أقوم به الفشل؟ وإذا شعرت أن مواردك -سواء كانت طعاماً أو مالاً أو وقتاً أو طاقة- غير كافية أو مهددة، عندها ستشعر أنه لن يكون لديك شيء لتقدمه للآخرين، وستلجأ للاحتفاظ بما استطعت لنفسك.

  • يمكن أن يؤدي الاستماع إلى الأخبار على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع إلى نتائج عكسية.

يجعلك الشعور المفرط بالتهديد تفرط في التركيز على مراقبة أي إشارات على الخطر. على سبيل المثال، ستقوم بتركيز انتباهك على القصص المخيفة حول فيروس كورونا بدون توقف تقريباً. في الواقع، من المهمّ أن تبقى على اطلاع بآخر المستجدات، لكن الأبحاث السابقة توضح أن الناس أكثر عرضة لمشاكل الصحة العقلية، مثل القلق واضطراب ما بعد الصدمة، إذا لم يحدّوا من التعرّض لوسائل الإعلام. بالمقابل، فإن متابعة أخبار فيروس كورونا طوال الوقت تزيد من حجم التهديد المُتصور، كما تزيد من الرغبة في مراقبة إشارات الخطر، وبالتالي تدخل في دوّامة مفرغة تجعلك تشعر أن العالم يتحول إلى كابوس.

من الأفضل تصور التهديد على أنه تحد

من الأفضل لصحتك العقلية أن تنظر إلى هذه الجائحة على أنها تحدٍ جماعي. تحدّ صعب للغاية ولكن يمكن مواجهته إذا عمل الجميع معاً.

عندما تصنف شيئاً ما كـ «تحدّي»، يصبح من الأسهل الارتقاء إلى مستوى الحدث. بدلاً من الانسحاب من مواجهة المشكلة، ستنتقل إلى حلّ المشكلات. يميل الأشخاص الذين يحملون هذه العقلية إلى مساعدة الآخرين، وتقديم الدعم للمحتاجين. في الواقع، أظهرت الأبحاث أن العمل التعاوني ومساعدة الآخرين له فوائد صحية نفسية كبيرة.

تُظهر الأبحاث حول العلاج السلوكي المعرفي أن تحويل تفكير المرء إلى تصوّر شيءٍ ما على أنه تحدٍ محفّز وليس تهديداً؛ يمكن أن يكون طريقة ناجحة لعلاج اضطرابات القلق.

يعزز العلاج المعرفي التشكيك في أفكارنا بدلاً من افتراض أن أول فكرةٍ تظهر في عقلنا؛ هي الأكثر فائدة على الإطلاق. يمكن أن يصبح المرء أكثر قدرةً على إدراك الأمور، ويقوم بمقارنة الأدلّة المؤيدة والمعارضة للتوصل إلى استنتاجات أكثر توازناً. على سبيل المثال، إذا ظهرت لديك أعراض الرشح، عليك أن لا تفترض على الفور أنك مصاب بالفيروس، ولكن عليك أن تتحقّق ما إذا كان الوقت الحالي هو الوقت الذي تظهر فيه أمراض مثل الحساسية أم لا، وبالتالي يمكن تجربة استخدام أدوية الحساسية لترى هل هناك نتيجة أم لا. [لا تتناول أي أدوية إلا بعد استشارة طبيبك].

سيكون من السخف عدم الاعتراف بالتهديدات الحقيقية التي يواجهها العالم الآن، وبالتأثير غير المتكافئ لهذه الجائحة على المجتمعات المهمشة بالفعل، ولكنك لست مضطراً إلى اعتبار هذا بأنه تهديد لا يمكن التغلب عليه، ثم تقف عند ذلك. علينا العمل معاً -حتى عن بعد- والقبول بأن الجائحة هي تحدٍ لنا جميعاً. إن تغيير توصيف الجائحة من «تهديد» إلى «تحد» قد يجعل من البقاء في المنزل أسهل قليلاً، وقد يدفعنا لإغلاق أجهزتنا الإلكترونية، والتوقّف عن قراءة الأخبار المتعلّقة بفيروس كورونا طوال الوقت. قد يؤدي أيضاً إلى اتباع إجراءات الوقاية باستمرار، وشراء ما تحتاجه فقط كي يتمكّن الآخرون من القيام بنفس الشيء.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن