Reading Time: 6 minutes

ماذا ينتظرنا في عام 2020؟ إذا كان التاريخ يكرّر نفسه ويمكن الاعتماد عليه في توقعاتنا (وهناك سببٌ وجيه للاعتقاد بأنه كذلك)، فإن التوقعات لا تُبشّر بالخير مطلقاً.

فيما يلي بعضٌ من التنبؤات في المشهد العام؛ تدنّي الأجور الحقيقية، انخفاض مستوى معيشة الطبقات الدنيا والمتوسطة، ازدياد سوء توزيع الثروة، المزيد من أعمال الشغب والانتفاضات، الاستقطاب السياسي المستمر، المزيد من النخب التي تتنافس على مناصب قليلة في السلطة، وميل النّخب لتأييدا لحركات الراديكالية المجتمعية.

ونتيجةً للنظام العالمي الجديد وما يُسمّى «العولمة»، لن تقتصر هذه الأحداث على بلدٍ واحدٍ أو إثنين، بل ستشمل غالبية دول العالم. كما سنشهد إيضاً إعادة ترتيبٍ للخرائط الجيوسياسية، وسينقسم العالم إلى تحالفاتٍ وتكتّلاتٍ جديدة.

وهناك احتمالٌ قليل إلى متوسط لأن نشهد أحداثاً صادمة فارقة، مثل الأزمات البيئية أو تفشّي الأمراض الوبائية أو الانهيار الاقتصادي، والتي ستؤدي بدورها إلى إطلاق سلسلةٍ طويلة من أحداث العنف. كما أنّ هناك فرصةً أقل لأن نشهد طفراتٍ تكنولوجية تزامناً مع التطور الصناعي الكبير والذي من الممكن أن يخفّف الضغوط خلال العقد المقبل ويعكس مسار الأحداث التي ذكرناها آنفاً.

هذه ليست مجرد تخمينات، بل تنبؤات اُستخرجت من خلال علم «النمذجة الرياضياتية لديناميكية التاريخ»، أو ما يُطلق عليه اسم «الكليوديناميكا»، والذي يستخدم العشرات من دراسات الحالات في الحضارات على مدار الخمسة آلاف عام الماضية؛ للبحث عن أنماط رياضية في تاريخ البشرية تفيد بالتنبؤ بأحداث المستقبل.

دورات النمو والكساد

أحد المجالات التي أثبت فيها «الكليوديناميكا» نجاحها هو «النظرية الديموجرافية البنيوية»، والتي تشرح الدورات المتكررة من الرخاء والكساد.

ونعرض هنا مثالاً لدورةٍ كاملة مأخوذٍ من التاريخ الروماني. فبعد الحرب البونيقية الثانية والتي استمرت من سنة 218 ق.م حتى سنة 201 ق.م؛ تمتّعت الامبراطورية الرومانية بفترةٍ من النمو والازدهار الكبيرين. حيث كان هناك فجوة صغيرة نسبياً بين الناس في توزيع الثروة، كما كان هناك عدد أقل من أفراد النخبة المميزون في المجتمع.

مع تزايد عدد السكان، كان على أصحاب الحيازات الصغيرة بيع مزارعهم بأسعارٍ زهيدة. وهكذا، تجمّعت الأراضي في مزارع أكبر يديرها غالباً أفراد النخبة من المجتمع اعتماداً على جهد العبيد. تضخمت أعداد النخبة، وأصبح عدم المساواة في توزيع الثروة كبيراً، وبدأت عامّة الناس تشعر بالضيق والغضب، وهكذا وجد العديد من الأثرياء أنفسهم فجأةً خارج السلطة.

المستقبل البعيد, تكنولوجيا, تقنية, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, علوم, أزمات

كان اغتيال يوليوس قيصر حدثاً مُمِيزاً لفترة تراجع الجمهورية الرومانية. الصورة: جان ليون جيروم

قاوم الأغنياء دعوات إصلاح نظام تملّك الأراضي في البداية، لكّن النخب انقسمت في النهاية إلى فئتين دُعيتا «الأوبتيميتس» و«الببيولاريس». ثم قامت في القرن التالي ثورات العبيد، بالإضافة لحربين أهليتين كبيرتين.

ثمّ عاد الاستقرار فقط عندما هزم «أوغسطس» جميع منافسيه الآخرين عام 30 ق.م.، وأنهى الحكم الجمهوري وجعل من نفسه إمبراطوراً. وهكذا بدأت دورةٌ جديدة من النمو.

دورة الازدهار والكساد

تنظر النظرية الديموجرافية البنيوية إلى أشياء مثل القوة الاقتصادية والسياسية للدولة، وأعمار السكان وأجورهم، بالإضافة إلى حجم وثروة النخبة لتشخيص صحة المجتمع عموماً؛ وتعمل من خلال تلك المدخلات على تحديد اتجاه المجتمع.

إذا أخذنا الأحداث التاريخية بعين الإعتبار، تُعتبر بعض العلامات التي نراها اليوم دليل شؤمٍ لما هوّ قادم؛ مثل انخفاض الأجور الحقيقية، الفجوة المتزايدة بين الأثرياء والفقراء وازدياد أعداد الأثرياء والمتنفذّين، والذين تزداد بينهم حدّة المنافسة بينهم وانقسامهم في أحزاب مختلفة.

من العلامات السيئة الأخرى، إذا شهدت الأجيال السابقة فتراتٍ من النمو والوفرة، قد يعني ذلك أنّ المجتمع على وشك الوصول إلى حائط مسدودٍ في النهاية ما لم تقم المزيد من الابتكارات والسياسات الجيدة بتخفيف الضغط والاتجاه نحو انفجار الأوضاع مرةً أخرى.

المستقبل البعيد, تكنولوجيا, تقنية, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, علوم, أزمات

نعيش حالياً في فترة غير مسبوقة من النمو العالمي، لكّن التاريخ يقول أنها لن تدوم. مصدر الصورة: SRC / IGBP / F Pharand Deschenes

في الواقع، لقد مر النظام العالمي الحديث بفترةٍ من النمو لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية منذ عام 1945، وغالباً ما يشار إليها باسم «التسارع العظيم – Graet Acceleration». ومع ذلك، بلداً بعد بلد، بتنا نرى تقلّص الأجور الحقيقية، وتفاقم عدم المساواة، وسعي النخب الثرّية للسيطرة على المجتمع والسلطة.

وتاريخياً أيضاً، يعقب فترات التوتر و«اكتظاظ النخبة» أزمةٌ (قد تكون بيئية أو اقتصادية)، تُتبع بدورها بسنواتٍ من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي والعنف.

المنافسة بين فئات النخبة تجعل الأزمات أسوأ

يُعدّ التنافس الحادّ والنزاع بين النخب كارثةً في المجتمع المُثقل أساساً بالأزمات ويجعلها أسوأ بكثير. ويمكن أن يدفع ذلك أعداد السكان للبقاء منخفضةً لعقودٍ بعد الكارثة الأولية، وقد لا ينتهي النزاع والتنافس بين النخب إلا عند إجهادهم أو في حال تخلّص بعضهم من منافسيهم.

لقد غذّت هذه الدورة الأساسية سلسلة «حروب الوردتين» الأهلية بين أنصار عائلة لانكستر، وعائلة يورك في إنجلترا في القرن الخامس عشر، والصراع بين الأوبتيميتس و الببيولاريس في الجمهورية الرومانية، والعديد من الصراعات الأخرى في التاريخ.

وتكون هذه العداوات السلطوية والسياسية والدينية أقلّ ظهوراً ووضوحاً في مرحلة النمو والازدهار، وذلك طالما ما يوجد هناك ما يشغل الناس من الالتفات إليها من وفرةٍ واستقرار، لكنّها تتسع وتظهر بوضوحٍ وتثير حنق الناس وغضبهم في مرحلة الكساد والتراجع.

تختلف الأحزاب النخبوية عموماً على نطاقٍ واسع حسب الأمكنة والأزمنة التي توجد بها، لكّن الاختلافات الآيديولجية لأيّ منها لا تؤثّر عملياً على النموذج التاريخي الذي يتكرر دائماً.

نحن دائماً ما نرتكب جرائم بحق بعضنا البعض في دورة التراجع والكساد. تذكّر هذه الحقيقة حين يبدأ النموذج بالعمل في العقد الثالث الذي دخلنا به، وانظر لنفسك كيف ستغضب لدى مشاهدتك للأخبار أو قراءة ما يقوله شخصٌ ما على التويتر.

عالمٌ متّصل

المستقبل البعيد, تكنولوجيا, تقنية, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, علوم, أزمات

نظراً لأن المجتمعات والاقتصادات باتت أكثر توحداً من أيّ وقتٍ مضى من خلال وسائل التواصل المختلفة، وأضحى أشبه بقريةٍ صغيرة، فإنّ الانقسام السياسي المتزايد الذي نشهده في أستراليا، والولايات المتحدة بات يتكرّر مراراً في جميع أنحاء العالم.

خذ مثلاً العنف المتزايد بين أنصار حزب بهاراتيا جاناتا، وأنصار حزب مؤتمر ترينامول في البنغال، والاستقطاب السياسي في البرازيل بعد انتخاب جير بولسونارو، والصراعات الأقل ظهوراً للعامة داخل الحزب الحاكم في الصين، كلّ هذه الأحداث جزءٌ من اتجاهٍ يسود العالم عموماً.

الأحداث الموّلدة للنزاعات

يمكننا توّقع هذا التراجع العالمي بشكلٍ مضطرد في العقد المقبل مالم تحدث أحداثٌ تطلق شرارة الأزمات، ودورات العنف الشديد التي قد تستمر لفترةٍ طويلة وربما لعقودٍ من الزمن.

إليكم مثالاً تاريخياً مثيراً؛ في القرن الثاني عشر، كان عدد سكان أوروبا ينمو، وترتفع مستويات المعيشة. ثم بدأت في أواخر القرن الثالث عشر فترةٌ من التوتر، ثمّ حدثت بعدها المجاعة الكبرى بين عامي 1315 و1317، والتي دشّنت فترةً من الصراع والعنف المتزايد في أوروبا وصولاً إلى الكارثة الكبرى؛ تفشّي مرض الطاعون بين عامي 1347-1352 فيما أُطلق عليه حينها فترة «الموت العظيم» الذي أدى لهلاك نحو ثلث سكّان أوروبا. وبعد هذين الحدثين الكبيرين، أدى الصراع الذي نشب بين النُخب فوق الأطلال، والذي استمرّ طيلةَ قرنٍ من الزمن، لسقوط ملايين الضحايا في جميع أنحاء أوروبا.

وقد وجدت من خلال دراستي الخاصة، أن هذه المراحل القاتمة من التاريخ قد قتلت بالمتوسط نحو 20% من سكّان العالم. واليوم، يعادل هذا الرقم على المستوى العالمي، بالمقارنة، مقتل 1.6 إلى 1.7 مليار شخص في العالم.

طبعاً احتمال حدوث مثل تلك الأحداث التاريخية منخفضٌ إلى متوّسط عموماً في القرن العقد القادم، قد تحدث بعد عقود، لكّن الظروف المواتية لحدوثها مؤاتيةٌ وموجودةٌ الآن.

هل تنقذنا التكنولوجيا؟

الشيء الوحيد الذي يمكنه عكس هذه الدورة؛ سيكون حدوث طفرةٍ تكنولوجية هائلة. لطالما نجحت الابتكارات والتطوّر في تجنّب التدهور فيما مضى.

المستقبل البعيد, تكنولوجيا, تقنية, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, علوم, أزمات

على سبيل المثال، سمحت طرقٌ مبتكرةٌ في منتصف القرن الحادي عشر في أوروبا في مجال الزراعة؛ بزيادةٍ هائلة في الإنتاج الزراعي الذي أدّى لازدهارٍ واستقرارٍ نسبيين في القرن الثاني عشر التالي. وفي أواسط القرن السابع عشر، سمحت المحاصيل ذات الغلّة العالية التي استوردتها الصين من الولايات المتحدة برفع قدرة الاستيعاب الإنتاجية، وزيادة عدد السكّان في بعض الأجزاء منها.

في وضعنا الحالي، فإن شيئاً ما مثل تطوّر تكنولوجيا تفاعل الاندماج النووي -والذي يمكن أن يوفر طاقة وفيرة ورخيصة ونظيفة- قد يغير الوضع بشكلٍ كبير. احتمال حدوث ذلك في هذا العقد منخفض. ومع ذلك، يبقى الابتكار هو أفضل أملٍ لدينا، وكلما أسرعنا بذلك، كان الأوضاع أفضل. قد يكون ذلك فعلاً ما ينبغي أن تنتهجه السياسات الاستثمارية العامّة والخاصّة في عام 2020. لقد حان وقت التمويل السخّي والمشاريع الضخمة، والجريئة لإنتشال البشرية من الكارثة المحتملة التي تلوح في الأفق.

الآمال في المستقبل البعيد

ابتهج، فنحن لم نخسر كل شيءٍ بعد. فنحن، كلّما زدنا تخطيطنا الواعي للمستقبل، وقمنا بقفزاتٍ كبيرةٍ في التكنولوجيا في فترةٍ كافيةٍ من الزمن، كانت آفاق تحسّن البشرية أفضل وتحمل وعوداً بغدٍ أكثر إشراقاً.

بالنظر إلى تسارع وتيرة مثل هذه التطورات على مدار 5000 عام من التاريخ، يمكننا أن نتوقّع اكتشافاتٍ ثوريةً في مجال الزراعة مثلاً، أو حدوث طفرةٍ في الصناعات الثقيلة خلال المئة عامٍ القادمة.

لذلك ستكون مهمّة البشرية في العقد القادم -ومعظم هذا القرن- إيجاد سبلٍ جديدةٍ للبقاء والاستمرار وتجنّب حدوث الكوارث الكبرى.

تم نشر هذا المقال بواسطة «ديفيد بيكر» في موقع ذا كونفيرسيشن