Reading Time: 4 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


يجري في الوقت الحالي سباق دولي محموم يكلّف بمليارات الدولارات لتطوير لقاحٍ لفيروس كورونا، والتقدم نحو تحقيق هذا الهدف يسير بسرعة قياسية، ولكن هذا السباق يكتسب بعداً وطنياً وتنافسياً بين الدول للأسف. إذا تم تطوير لقاح فعال للفيروس، فإن إنتاجه سيتطلب جهوداً ضخمةً لتطعيم الناس في جميع أنحاء العالم.

ومع ذلك، ستقف بعض العوائق السياسية إذا نجحت أحد الدول في تطوير لقاحٍ آمن وفعال أمام تصديره للدول الأخرى، في المدى القصير على الأقل، قبل أن تتمكن من تحصين سكانها في البداية. تقول «ساندي دوجلاس»، عالمة تطوير اللقاحات لصحيفة نيويورك تايمز: «الحل الوحيد هو إنتاج كمياتٍ كبيرة من اللقاح في الكثير من الأماكن المختلفة»، ولكن كيف يمكن أن يتم ذلك؟

في الواقع، إن إبرام عقود التمويل من القطاع العام مع صانعي اللقاحات هو عنصر رئيسي لمواجهة هذا التحدي المستقبلي غير المسبوق في مجال التوزيع. ولكن، في الولايات المتحدة، يبدو أن هناك بعض الاتجاهات المزعجة المثيرة للقلق في هذا الصدد.

يقول الكاتبان أنهما من أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة ماساتشوستس، حيث يدرس «تيموثي فورد» علم الأحياء الدقيقة البيئي والأمراض المعدية، وهو المدير السابق لمعهد الصحة العالمية في جامعة ماساتشوستس في أمهرست. بينما يدرس «تشارلز شويك» كيف يمكن للبشرية الاستفادة من الإنترنت للتعاون ومشاركة الابتكارات من أجل حل المشكلات المجتمعية الملحة، حيث يمثل فيروس كورونا أحد هذه المشكلات الكبيرة فعلاً.

إبرام العقود بين القطاع العام وصانعي ومطوري اللقاح

غالباً ما يعتمد البحث والتطوير في اللقاحات في مراحله الأولى على الدعم المالي الكبير الذي يأتي من القطاع العام، وكذلك هو الحال بالنسبة لتطوير لقاح كورونا. في الوقت الحالي، لدينا ما لا يقل عن 26 لقاحاً وصلت إلى مرحلة التجارب على البشر، 9 منها في المرحلة الثالثة. إذا أظهرت الاختبارات سلامة وفعالية هذه اللقاحات، فإن المنظمين سيوافقون على ترخيص لقاح يسمح للمؤسسة التي طورته بالبدء في التصنيع والتوزيع.

هناك العديد من الشركات في الولايات المتحدة لديها عقودُ نشطة لإجراء الأبحاث حول تطوير لقاحٍ لفيروس كورونا، وهي ممولة بمبالغ هائلة من أموال دافعي الضرائب. على سبيل المثال، حصلت شركة مودرنا -التي وصل اللقاح الي تعمل على تطويره إلى تجارب المرحلة الثالثة- على عقد قيمته حوالي 955 مليون دولار أميركي. تندرج مثل هذه العقود عادة تحت قانون «باي-دول آكت» لعام 1980، وهو قانون يمنح الشركة المخترعة ترخيصاً حصرياً لبراءة المنتج. لكن هذا القانون يوفر أيضاً ضمانات تُدعى «مارش-إن رايتز»، والتي تسمح للحكومة الفيدرالية بسحب الترخيص الحصري إذا لم يُتح الاختراع المحمي بالبراءة للعامة وفقاً لـ«شروط مقبولة»، ويسمح لها بمنح تراخيص إضافية «لمقدمي الطلبات المعقولين» الآخرين.

إن المبالغة في السعر -بشكل أساسي مطالبة دافعي الضرائب بالدفع مرتين مقابل اللقاح، الأولى لدعم البحث وتطوير اللقاح، والثانية لشراء اللقاح الفعلي- سيكون مثالاً على الحالة التي قد يُفعّل فيها إجراء «مارش-إن رايتز». في هذا السيناريو، يمكن للحكومة الفيدرالية الحق في إلغاء الحقوق الحصرية للشركة المخترعة، ومنح تراخيص جديدة لشركات أخرى للمضي قدماً في تصنيع اللقاح وتوزيعه.

ومع ذلك، هناك آلية بديلة تسمى «اتفاقيات المعاملات الأخرى» (أو تي إيه)، والتي تسمح للوكالات الفيدرالية بالدخول في عقود بحث وتطوير ملزمة قانونياً، لكن لا تنطبق عليها أحكام قانون «باي-دول آكت». وبالتالي، فإن العقود القائمة على على هذا النظام لا تخضع لضمانات أحكام السلامة القانونية «مارش-إن رايتز» التي يتضمنها ذلك القانون. في الواقع، تندرج العديد من عقود البحث والتطوير للقاحات فيروس كورونا الحالية الأخرى تحت بنود اتفاقيات المعاملات الأخرى أو (أو تي إيه).

في هذه الحالات، تتعاقد الوكالات الحكومية الأميركية صراحة مع الشركات لترتيب اتفاقياتٍ في إطار هذه الآلية. وبالتالي، قد تفرض شركات الأدوية التي تتلقى أموال البحث والتطوير أسعاراً مرتفعة للعلاج أو اللقاح المحتمل لفيروس كورونا، ولن يكون للحكومة الفيدرالية استخدام حق تفعيل بند «مارش-إن» لإلغاء الترخيص الحصري لبيع اللقاح الممول من دافعي الضرائب.

تحت شروط الاتفاقيات التي تندرج تحت نظام اتفاقيات المعاملات الأخرى، يمكن للأموال الأميركية الضخمة المستثمرة في تطوير لقاح فيروس كورونا أن تسمح للشركات بالتحكم في كيفية بيع اختراعاتها، وتصنيعها وتوزيعها. ولكن لنكن منصفين، فإن شركة واحدة على الأقل، وهي جونسون أند جونسون، التي حصلت على تمويلٍ وفقاً لآلية أو تي إيه، قالت علناً: «لقد قررنا منذ البداية أننا لن نقوم بتصنيع اللقاح من أجل الربح حتى يصبح اللقاح في متناول الجميع ومتاحاً على نطاق عالمي بأسرع ما يمكن».

المشاركة المفتوحة للابتكارات

ولكن إذا كان المجتمع بحاجة إلى ابتكار لقاحٍ وتوزيعه بسرعة -وهو أمر ذو منفعة عامة عالمية اعتماداً على أموال دافعي الضرائب، فلماذا تقوم الوكالات الفيدرالية الأميركية بإبرام عقود تحت آلية أو تي إيه، التي لا تسمح للحكومة بمشاركة ونشر هذه الاختراعات وانتاجها مع جهاتٍ أخرى في العالم؟

نعتقد أنه في الوقت الذي تدرس الحكومة الفيدرالية الأميركية التمويل المستقبلي لدعم تصنيع اللقاحات، يحتاج صانعو السياسات والمسؤولون إلى صياغة عقود مع الشركات تفرض شرط المشاركة المفتوحة لانتاج اللقاحات، ومراقبة الجودة والتوزيع.

لقد درس شويك البرمجيات مفتوحة المصدر التي تأتي مع ترخيص حقوق النسخ والنشر المرتبطة بها، والتي تعزز المشاركة المجانية والواسعة لها. في الواقع، يعود تاريخ هذا الترخيص إلى منتصف الثمانينيات. إن ابتكار «رخصة جنو العمومية» (جي بي إل) يعني أنه في حالة إجراء تحسين على البرنامج، فإن إصدار البرنامج الجديد يرث تلقائياً نفس الترخيص الذي يمتلكه الأصل. نعتقد أنه في أوقات تفشي جائحةٍ عالمية كالتي نشهدها حالياً، يجب ترخيص لقاح آمن وفعال لفيروس كورونا تحت بنودٍ شبيهة بترخيص (جي بي إل).

وفي حالةٍ أخرى، في بدايات الثورة الصناعية، قام الجيش الأميركي ومركز سبرينغفيلد ماساتشوستس لتصنيع الأسلحة بمنح المقاولين إمكانية الوصول المفتوح إلى تصميمات معدات التصنيع الجديدة، في إطار محاولة لتطوير أجزاء موحدة للأسلحة الصغيرة بسرعة، ولكن بشرطٍ صريح أنه في حالة قامت الشركات بإدخال تحسيناتٍ على تلك المعدات أو ما يتعلّق بعملها؛ كان عليهم مشاركة هذه الابتكارات مع شركات تصنيع الأسلحة الوطنية والمقاولين المنافسين لهم. وإذا لم تمتثل شركات المقاولات هذه إلى هذا الشرط، فقد تُحرم من الفرص التعاقدية المستقبلية. وقد أدت السياسات التعاقدية التي اعتمدها الجيش بعد 150 عاماً تحت بنودٍ مماثلة لبنود جي بي إل إلى تسريع الابتكارات في الواقع.

معالجة الوباء الحالي تتطلب مشاركة مفتوحة المصدر

لحسن الحظ، فإن بعض شركات الأدوية والحكومات الوطنية، والمنظمات غير الربحية -مثل مؤسسة «بيل وميليندا جيتس»، والمنظمات الدولية مثل التحالف من أجل مبادرات التأهب للأوبئة الذي يدعم تطوير اللقاحات- تضع سياساتٍ تتبنى الانفتاح والمشاركة بدلاً من حماية الملكية الفكرية.

وقد صرح مسؤولو الائتلاف من أجل مبادرات التأهب للوباء أن جميع اتفاقيات التمويل الخاصة بهم يجب أن «توفر اللقاحات المناسبة أولاً للسكان متى وحيثما تكون هناك حاجة إليها لإنهاء تفشي المرض أو الحد من الوباء، بغض النظر عن القدرة على الدفع». هذه بداية مهمة في الواقع.

ومع ذلك، عندما توفر لقاحٍ آمن وفعال لفيروس كورونا، تحتاج الولايات المتحدة وحكومات الدول الأخرى إلى إنشاء اتفاقيات تعاقدية مع الشركات توفر تمويلاً عادلاً ومعقولاً لتغطية تكاليفها، أو تسمح لها بالحصول على هامش ربحٍ معقول مع ضمان المشاركة المفتوحة لتقنيات إنتاج اللقاح، وضمان الجودة والتوزيع العالمي السريع.

بالطبع، التوزيع العالمي السريع ليس سوى الهدف الأولي. وحتى تكون هذه العملية مستدامة، سيكون من الضروري وجود عدة مصنعين للقاحات في البلدان النامية بجانب وجود نظامٍ يدعم هذه الشركات المصنعة، ويوفر التوجيه التنظيمي والوصول إلى الصيغ الجديدة.

يجب أن يكون الهدف الطويل الأجل بناء قدرة مستدامة على تصنيع اللقاحات داخل البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وهذا يتطلب نظام دعمٍ يتم تعزيزه من خلال منظمة الصحة العالمية والمنظمات المرتبطة بها؛ مثل التحالف العالمي للقاحات والتحصين (جافي) لتوفير التوجيه التنظيمي والوصول إلى الصيغ الجديدة من خلال عملية المشاركة المفتوحة المصدر هذه.