Reading Time: 6 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


متى ظهر أول إنسان يشبهنا لأول مرة على هذا الكوكب؟ لقد اتضح في الواقع أن هناك خلافاً كبيراً حول الإجابة على هذا السؤال بين العلماء. إذ تشير الحفريات وعينات الحمض النووي المُكتشف إلى أن الانسان الذي يشبهنا -أي الإنسان الحديث تشريحياً (الهومو سابين)- تطور منذ حوالي 300 ألف سنة. لكن ما يثير الدهشة والحيرة أن علم الآثار، وبناءً على الأدوات المُكتشفة والنقوش التي وُجدت في الكهوف، يشيرون إلى أن التقنيات والتفكير المعقّد -ما يُسمى «الحداثة السلوكية»- تطورت بعد ذلك بكثير، منذ حوالي 50 إلى 65 ألف سنة فقط.

يقول بعض العلماء بأن ذلك قد يشير إلى أن أقدم إنسانٍ عاقل (الهومو سابين) لم يكن حديثاً كلياً. ومع ذلك، ونظراً لاختلاف الدلائل حول هذا الأمر، يختلف العلماء في تحديد قِدم الإنسان الذي يشبهنا. فمثلاً تسمح لنا الجماجم والجينات المكتشفة بمعرفة كيف كانت أدمغة الإنسان قديماً، بينما الأدوات التي استخدموها فتخبرنا عن مستوى ذكائه آنذاك. في الواقع، ربما تطورت أدمغتنا قبل أن يتطوّر تفكيرنا وثقافتنا.

المعالم المادية والثقافية الرئيسية في التطور البشري الحديث، بما في ذلك الاختلاف الجيني للمجموعات العرقية

المعالم المادية والثقافية الرئيسية في التطور البشري الحديث، بما في ذلك الاختلاف الجيني للمجموعات العرقية – مصدر الصورة: المؤلف

القفزة العظيمة للأمام

ظلت الأدوات والمصنوعات اليدوية بسيطةً إلى حدٍ كبير لمدةٍ تراوحت بين 200 إلى 300 ألف سنة من ظهور الإنسان العاقل، كانت أفضل من الأدوات التي استخدمها الإنسان البدائي (النيندرتال)، ولكنها كانت أبسط من الأدوات التي اُستخدمت في الصيد وجمع الثمار مثل التي كان يستخدمها سكان أميركا الأصليين. ثم، ومنذ حوالي 65 إلى 50 ألف سنة، بدأت تظهر تقنياتً أكثر تقدماً مثل الأسلحة القاذفة المعقدة كالقوس والرمح، والأواني الفخارية، وإبر الخياطة.

كما أظهر الناس فناً تمثيلياً، حيث ظهر ذلك في نقوش الخيول المكتشفة في الكهوف، وآلهة العاج، والتماثيل التي حملت رأس الأسد وغيرها من الفنون التي تُظهر الذوق الفني والخيال. كما يدل اكتشف آلات الناي المصنوعة من عظام الطيور إلى ظهور الموسيقى في هذه المرحلة، كما يشير تمكن البشر من الوصول إلى قارة أستراليا قبل 65 الف سنة إلى أننا كنا نتقن فنّ الإبحار.

فينوس براسمبوي, تمثال عاجي من العصر الحجري القديم الأعلى، 25000 سنة

«فينوس براسمبوي»، تمثال عاجي من العصر الحجري القديم الأعلى، 25000 سنة – مصدر الصورة: ويكيبيديا

يُطلق على هذا التطور المفاجئ في التقنيات اسم «القفزة الكبيرة إلى الأمام»، والتي من المفترض أنها تعكس تطور دماغ بشري حديث بالكامل. لكن الحفريات والحمض النووي تشير إلى أن الذكاء البشري أصبح حديثاً قبل ذلك بكثير.

الحداثة التشريحية

تعود عظام الإنسان العاقل البدائي المكتشفة في أفريقيا إلى 300 ألف سنة، حيث بدت أدمغتهم كبيرة؛ أكبر من أدمغتنا. ثم ظهرت آثار أحفوريات الإنسان العاقل الحديث تشريحياً منذ 200 ألف سنة، بينما ظهر شكل الدماغ الحديث قبل 100 ألف سنة على الأقل. في هذه المرحلة، امتلك الإنسان جماجم تشبه جماجمنا الحالية في الحجم والشكل.

وبافتراض أن الدماغ كان حديثاً كما كانت الجماجم التي تحويها، يمكننا افتراض أن أسلافنا الأفارقة كانوا قادرين -نظرياً- على اكتشاف النسبية، وبناء تلسكوبات فضائية، وكتابة الروايات وأغاني الحب. لم لا، وعظامهم تقول أنهم كانوا بشراً مثلنا تماماً.

جمجمة مُكتشفة في المغرب

جمجمة مُكتشفة في المغرب تعود إلى 300 ألف سنة – مصدر الصورة: متحف التاريخ الطبيعي

في الواقع، ونظراً لعدم اكتمال سجلاتنا الأحفورية بشكلٍ كبير، فإن الحفريات لا تخبرنا سوى القليل عن تاريخ حداثة الإنسان. لكن الحمض النووي البشري يخبرنا المزيد، ويشير إلى أصول أقدم للحداثة، حيث تُظهر التقديرات -من خلال بمقارنة الاختلافات الجينية بين الحمض النووي لدى الإنسان الحديث والأفارقة القدماء- إلى أن أسلافنا الحداثيين عاشوا منذ حوالي 260 إلى 350 سنة. ينحدر جميع البشر الحاليون من أسلافنا أولئك، مما يمكننا من الافتراض بأننا ورثنا القواسم المشتركة الإنسانية الأساسية بين أنواعنا منهم.

فجميع أحفادهم – مثل: البانتو، البربر، الأزتيك، سكان أستراليا الأصليين، التاميل، البوشمن، الهان، الماوري، الإنويت، والأيرلنديون- يشتركون في سلوكيات غريبة معينة تغيب لدى القردة العليا الأخرى. حيث تشترك جميع الثقافات البشرية، على سبيل المثال، في فكرة الرابطة الأسرية بين الرجل والمرأة لتربية الأطفال، وجميعنا يغني ويرقص ويتقن الفنون، نصفف شعورنا، ونتزيّن… إلخ.

جميعنا ييني البيوت ونستخدم النار والأدوات المعقدة. كما نميل لتشكيل مجموعاتٍ اجتماعية كبيرة ومتعددة الأجيال تضم عشرات إلى آلاف الأشخاص، ونتعاون لشن الحروب ومساعدة بعضنا البعض. نحن نُعلّم ونروي القصص ونتاجر، ولدينا أخلاق وقوانين مشتركة. نتأمل النجوم ومكاننا في الكون، ومعنى الحياة، وما يتبع الموت.

تختلف تفاصيل أدواتنا وأزياءنا وعائلاتنا وأخلاقنا وأساطيرنا من قبيلة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، لكن جميع البشر الأحياء يظهرون هذه السلوكيات. ويشير ذلك إلى أن هذه السلوكيات -أو على الأقل القدرة على القيام بها- فطرية، وهي توحد كل الناس. إنها ما يعنيه أن تكون إنساناً، وهي ناتجة عن أصلنا المشترك.

لقد ورثنا إنسانيتنا من شعوب جنوب إفريقيا قبل 300 ألف عام. أما الافتراض البديل، والذي ينطوي على أن الجميع أصبح بالصدفة وفي أي مكان إنساناً كاملاً في نفس الوقت منذ 65 ألف عام، فليس مستحيلاً، ولكن فرضية الأصل الواحد هي المرجحة أكثر.

تأثير الشبكة

قد يبدو علم الآثار وعلم الأحياء متناقضان، لكنهما في الواقع يرويان أجزاء مختلفة من قصة الإنسان. حيث تخبرنا العظام وعينات الحمض النووي عن تطور أدمغتنا، أي أجهزتنا، بينما تعكس الأدوات المُكتشفة مدى ذكائنا وقوتنا العقلية وثقافتنا، أي عن أجهزتنا وبرمجاياتنا إذا جاز التعبير.

مثلما يمكننا ترقية نظام تشغيل الكمبيوتر القديم، يمكن للثقافة أن تتطور حتى لو لم يكن الذكاء كذلك. لقد افتقر البشر في العصور القديمة للهواتف الذكية ورحلات الفضاء، لكننا نعلم من دراسة فلاسفةٍ مثل بوذا وأرسطو أنهم كانوا أذكياء. في الواقع، لم تتغير عقولنا، بل تغيرت ثقافتنا.

أدوات العصر الحجري الأوسط.

أدوات العصر الحجري الأوسط.

يثير ذلك لغزاً ما زال يحير العلماء. إذا كان الصيادون وجامعو الثمار في العصر الحديث الأقرب (البليستوسيني) أذكياء مثلنا، فلماذا ظلت الثقافة بدائية جداً لفترة طويلة؟ لماذا احتاج البشر إلى مئات الآلاف من السنين لابتكار الأقواس وإبر الخياطة والقوارب؟ وما الذي تغير؟ ربما عدة أشياء.

أولاً: سافر البشر خارج إفريقيا وانتشروا على مساحةٍ أكبر من الكوكب. ثم ازداد عددهم وأصبح احتمال ظهور أشخاصٍ مبتكرين مثل ستيف جوبز، أو ليوناردو دافنشي في عصور ما قبل التاريخ أكبر. كما عاشوا القدماء في بيئاتٍ جديدة مع مناخاتٍ وأطعمة ومخاطر مختلفة في أماكن بعيدة عن أفريقيا، مثل الشرق الأوسط والهند، والقطب الشمالي وأندونيسيا. بالتالي التقى البشر بأنواع بشريةٍ أخرى. بالتالي، فإن البقاء في البيئات الجديدة يتطلب الابتكار حتماً.

كانت العديد من هذه الأراضي الجديدة صالحة للسكن أكثر بكثير من كالاهاري أو الكونغو في إفريقيا. حيث المناخ أكثر اعتدالاً، لكن الإنسان العاقل ابتعد أيضاً عن بيئة إفريقيا التي كانت تشوبها العديد من الأمراض والطفيليات التي تفتك بالإنسان. مما سمح بتزايد أعداده، وبالتالي زيادة احتمال ظهور الأدمغة المفكرة التي تعمل على الابتكار، والمزيد من القوى العاملة، والمزيد من التخصص في الأعمال. كلّ ذلك سمح للإنسان العاقل بالابتكار.

بكين من الفضاء

بكين من الفضاء – مصدر الصورة: ناسا

وقد حفّز ذلك دورات التغذية الرجعية. فمع ظهور تقنياتٍ جديدة وانتشارها -كالأسلحة والملابس والبيوت الأفضل- ازداد عدد البشر أكثر، مما حفّز بدوره التطور الثقافي والمعرفي مرة أخرى. وهكذا، تطورت الثقافة في دوراتٍ متتالية، ودفعت الناس في نهاية المطاف إلى التكييف مع بيئتهم التي يعيشون فيها، حيث قضى على الحيوانات الكبيرة، واستأنس الصغيرة، وبالتالي تطوّرت الزراعة. في النهاية، ازداد عدد السكان بشكلٍ هائل نتيجة تطوّر الزراعة، وأصبحت كل حضارةٍ تنطوي على ملايين الناس. في تلك المرحلة بدأ التطور الثقافي والمعرفي يتطور بسرعةٍ فائقة.

تعكس القطع الأثرية المكتشفة حجم الثقافة التي كانت عليها تلك الحضارات، وكما نعلم، فإن التعقيد الثقافي خاصية ناشئة لدى أي حضارة. بمعنى آخر، ليس الذكاء على المستوى الفردي فقط هو ما يجعل الثقافات متطورة، بل التفاعلات بين الأفراد في المجموعات وبين المجموعات نفسها. يمكننا تشبيه ذلك بربط ملايين المعالجات لبناء كمبيوترٍ عملاق، أي زيادة التعقيد الثقافي من خلال زيادة عدد الأشخاص والروابط بينهم.

لذلك يمكنن القول أن مجتمعاتنا وعالمنا تطورا بسرعة خلال الـ 300 ألف سنة الماضية، بينما تطورت أدمغتنا ببطء. لقد زادت أعدادنا حتى بلغت 8 مليارات إنسان منتشرين في مختلف أنحاء العالم، مما أعاد تشكيل كوكبنا. في الواقع، لم نفعل ذلك من خلال تكييف أدمغتنا ولكن بتغيير ثقافاتنا، ويعكس الكثير من الاختلاف بين مجتمعاتنا القديمة البسيطة التي اعتمدت على الصيد والجمع، والمجتمعات الحديثة حقيقة أن الكثير من نوعنا قد عاش في تلك الحقبة، وأن كثيراً من الروابط كانت تجمعنا.