Image

سرعته تعادل سرعة حاسوب فائق

Bread assortment يكلف معالج إنتل كور i9 إكستريم إديشن حوالي 2,000 دولار أمريكي.
شركة إنتل كوربوريشن

خلال الأسبوع الأخير من شهر مايو الماضي، أعلنت شركة إنتل في تايبيه عن أقوى شريحة لم يسبق لها أن طرحت مثيلاً لها في سوق الحواسيب المكتبية الموجهة للمستهلكين. يُعرف المعالج المزود بـ 18 نواة والذي يبلغ ثمنه 1,999 دولاراً، بأنه شريحة تيرا فلوب، وهذا معناه أن بإمكانه إنجاز تريليون عملية حسابية في الثانية الواحدة.

هذه الشريحة التي تسمى معالج كور i9 إكستريم إديشن، ليست موجهة لمستخدمي الحواسيب العاديين، ممن يريدون فقط التحقق من بريدهم الإلكتروني، قراءة الأخبار، ومشاهدة المسلسل التلفزيوني الأمريكي “هاوس أوف كاردس”. بدلاً من ذلك، هذا المعالج موجه للأشخاص الراغبين بإنجاز أشياء تتجاوز الحدود، مثل خوض لعبة بدقة عرض 4K في حين يتم بثها بشكل متزامن عبر الإنترنت (يا للهول)، وكذلك تشغيل اثنتين من المهام الأخرى في نفس الوقت. وهذا ما تصفه إنتل بتعبير مبتكر: ميغا تاسكينغ (تنفيذ عدد ضخم من المهام).

هذه هي المرة الأولى التي تصنع فيها إنتل شريحة مخصصة لحواسيب المستهلكين المكتبية، والتي تتخطى سرعة معالجتها حاجز التيرا فلوب، حيث يصفها النائب الأعلى لرئيس إنتل؛ غريغوري برايانت بأنها: “المعالج المكتبي الأكثر جموحاً الذي لم يسبق أن طرح مثله من قبل”.

من ميغا فلوب إلى تيرا فلوب وصولاً إلى بيتا فلوب

لفهم ما الذي يمكن للمعالج أن ينجزه عندما يعمل بسرعات من مرتبة تيرا فلوب، من المفيد أن نعرف ما الذي تعنيه كلمة “فلوبس” (صيغة الجمع لكلمة فلوب)، وهي واحدة قياس للتعبير عن سرعة الحساب. ترمز كلمة “فلوبس” إلى عدد عمليات الفاصلة العائمة التي يتم تنفيذها في الثانية الواحدة؛ حيث تعني عملية الفاصلة العائمة الواحدة تطبيق عملية رياضية على عددين يحتوي كل منهما على فاصلة عشرية، مثل عملية الضرب. وبالتالي فإن 1 تيرا فلوب، ترمز إلى تنفيذ تريليون عملية فاصلة عائمة كل ثانية.

يقول براندون لوسيا، أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية المساعد في جامعة كارنيغي ميلون: “مر زمن فيما مضى، عندما كان يذكر شخص ما فيه عبارة ’’تيرا فلوب‘‘ فإنك تتوقع أنه يتحدث عن حاسوب فائق يمتلك العديد من شرائح المعالجات”.

في الحقيقة، إن أعدت عقارب الساعة إلى العام 1976، فستجد أن الحاسوب الفائق كراي-1 كان قادراً على العمل بسرعة 160 ميغا فلوب (أي مليون فلوبس) في الثانية، ما يعني أن شريحة إنتل الجديدة بمفردها أسرع بحوالي 6,000 مرة من تلك الآلة، وذلك وفقاً لستيف سكوت، النائب الأول لرئيس شركة كراي إنكوربوريشن، والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا فيها.

 

الحاسوب الفائق كراي-1
كراي إنكوربوريشن

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، كان أداء الحواسيب الفائقة لا يزال يقاس بالتيرا فلوب، كما هيمنت الآلة الشهيرة “آسكي ريد” (ASCI Red) في مختبر سانديا الوطني الأمريكي على قمة الآلات الأسرع في العالم بين عامي 1997 و2000. حيث كانت قادرة على العمل بسرعة تتجاوز التيرا فلوب.

أما اليوم، تقاس قدرة هذه الآلات الخارقة بالبيتا فلوب (وهي تعادل ألف تريليون فلوب). كمثال على ذلك فقط، يمثل الحاسوب الفائق “ميرا” في مختبر آرغون الوطني، آلة تعمل بسرعة 10 بيتا فلوب، تم استخدامها لنمذجة السيناريوهات المعقدة، مثل تفشي الإيبولا المحتمل في الولايات المتحدة.

يقول سكوت: “لقد وصلت منتجات تقانات الحوسبة الفائقة الآن إلى حيز المستهلكين”. ويضيف: “إن كنت قادراً على بناء نظام يعمل بسرعات بيتا فلوب مقابل عدة ملايين من الدولارات، فهذا يعني أن بإمكانك بناء 10 أنظمة تعمل بسرعات بيتا فلوب بحيث يمكن للشركات والمؤسسات الصغيرة أن تتحمل كلفة شرائها، أو بناء نظام واحد بسرعة 1 تيرا فلوب بحيث يمكن للمستهلكين الأفراد أن يتحملوا كلفة شرائه”.

عندما تنفذ شريحة إلكترونية مثل معالج إنتل الجديد عملية فاصلة عائمة، فإن العمليات الرياضية التي يتم تنفيذها لا تكون هي الهدف بحد ذاتها، وإنما الهدف هو الحساب الذي يعتمد عليه تنفيذ البرامج التي تقوم بتشغيلها.

يقول لوسيا من جامعة كارنيغي ميلون: “لا ينبغي لهذا الأمر أن يجعلنا ننظر إلى الحاسوب وكأنه آلة حاسبة فقط”. ويضيف: “فهذه الأعداد الممثلة بالفاصلة العائمة تعبر عن أنواع أحمال العمل الهامة التي نهتم بمعالجتها، سواء كان عملية تحرير فيديو، أو بيئات الواقع الافتراضي”.

باختصار نقول: يمكن لشريحة قوية كهذه أن تجعل العمل على كل من الواقع الافتراضي، الألعاب، بث الفيديو عبر الإنترنت بدقة 4K، أو تحرير ملفات الفيديو، يجري بسرعة وانسيبابية أكبر. إن كنت ما تزال ترغب بتسجيل النقاط في المنزل، يتضمن جهاز “بلاي ستيشن 4” وحدة معالجة رسومية يمكنها أن تعمل بسرعات تفوق التيرا فلوب.

 

الحاسوب الفائق “ترينيتي” في مختبر لوس ألاموس الوطني
مختبر لوس ألاموس الوطني

معالجات حاسوبية تمتلك نوى متعددة

تمتلك شريحة إنتل عدداً من النوى أكثر من المعالج المنافس المسمى بـ Threadripper، والذي يضم 16 نواة والمصنوع من قبل شركة AMD. مع ذلك، تصعب المقارنة معه ما لم تأخذ بعين الاعتبار ما الذي تفعله كل نواة في الواقع.

تخيل صفاً للانتظار عند موظف دفع الحساب في سوبرماركت، كما يقول لوسيا. لنفترض أن هناك آلة واحدة لدفع النقود، وأن أمين الصندوق يراجع مشتريات عميل واحد في كل مرة؛ هذا يشبه شريحة بنواة واحدة. (وإن كنت تقف في ذلك الصف وأنت تحمل معك أكياس المشتريات، فعلى الأرجح أنك تشعر بالإحباط).

والآن تخيل أن هناك 18 صفاً متاحاً لدفع الحساب، خُصصت كلها بأمناء صناديق يقومون بمراجعة مشتريات العملاء لديهم على التوازي فيما بينهم. في هذا السيناريو الخيالي، يتحرك كل شيء بسرعة أعلى بكثير من قبل. يمثل هذا السيناريو كيفية عمل معالج مزود بـ 18 نواة.

وهذه الشريحة الجديدة تقوم حتى بما هو أكثر من ذلك، لأنها تستخدم تكنولوجيا إنتل التي تسمى تقنية مسالك المعالجة الفائقة (hyper-threading)، والتي تعني أن بإمكان كل نواة في الواقع أن تقوم بعملين في آن واحد. في مثالنا عن السوبر ماركت، يشبه ذلك وكأن المخزن قام بتوظيف روبوتات يمكنها أن تراجع مشتريات 2 من الأشخاص في الوقت نفسه في كل صف من الصفوف الـ 18، وبالتالي أصبح بإمكانها الآن أن تساعد 36 شخصاً دفعة واحدة. بالمثل، يمكن لشريحة إنتل الجديدة هذه أن تنفذ بالفعل 36 مهمة دفعة واحدة.

إذاً، لماذا نرغب بالحصول على شريحة كهذه؟

ما يبرر أهمية كل تلك الإمكانات هو أن معالجة عملية مثل مشهد تفاعلي من الواقع الافتراضي تفرض متطلبات هائلة على قدرات المعالج. بالطبع، يمكن للحواسيب والمعالجات المنتشرة في الأسواق حالياً أن تشغل، مثلاً، نظارة الرأس أوكولوس ريفت، ولكن الفكرة من وجود شريحة بقدرات حسابية عالية كهذه، هو أن بإمكانها تنفيذ العديد من العمليات المكثفة في آن واحد؛ وبإمكانها أيضاً أن تجعل التفاعلات بين المستخدمين والبرامج التي تتطلب قدرات حسابية عالية أكثر انسيابية.

يقول لوسيا: “نريد تنفيذ هذه البرامج المكثفة بكفاءة، بحيث يمكننا القيام بأشياء سريعة الاستجابة، والتي يبدو أنها تتفاعل في الزمن الحقيقي عند تفاعلنا معها”. ويضيف: “هذا هو الاتجاه الذي تسلكه الكثير من جوانب الحوسبة”.

كل هذا يعني أنه ليس بإمكان شريحة كهذه أن تشغل تجارب الواقع الافتراضي فحسب، بل بإمكانها أيضاً أن تشغل غيرها من التجارب المعقدة التي تتطلب تحمل عبء ثقيل للغاية من قدرات الحوسبة، كما في حالة محاكاة كيفية تفاعل بروتين معين (البروتين هو جزيء كبير يتكون من حموض أمينية) مع بروتين آخر.

لم تقل إنتل حتى الآن متى سيتم طرح هذه الشريحة في الأسواق، ولكن أحد ممثلي الشركة يقول إن شرائح أخرى من نفس العائلة (والتي تسمى سلسلة-إكس X-series) مع عدد أقل من النوى، سيتم طرحها في الأسواق خلال الأسابيع القليلة القادمة.

error: Content is protected !!