Image

تقوم المركبة الفضائية "جايا" برسم مصور للنجوم لم يسبق له مثيل

Bread assortment صورة من المسبار الفضائي جايا لمجرة درب التبانة والمجرات المجاورة.
مصدر الصورة: وكالة الفضاء الأوروبية "إيسا"/ جايا/ جمعية معالجة البيانات وتحليلها، وفق رخصة المشاع الإبداعي بالمثل (CC BY-SA).

لا شك أن معظمنا ينظر إلى السماء ليلاً، ويتساءل عن المسافات التي تفصلنا عن النجوم وعن الاتجاهات التي تتحرك فيها. في الحقيقة، لا يعرف العلماء المواقع الدقيقة لنجوم مجرة درب التبانة فضلاً عن السرعة التي تسير بها الغالبية العظمى من هذه النجوم. ولكن لدينا في الوقت الحالي دفعة جديدة من البيانات الصادرة عن المسبار الفضائي جايا التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تهدف إلى رسم خريطة للنجوم التابعة لمجرتنا بتفاصيل غير مسبوقة، لإلقاء الضوء على هذا الموضوع.

تم فتح أرشيف جايا في 25 أبريل، الأمر الذي أتاح للعموم التعرف على الإصدار الثاني من بيانات جايا. ويمكننا أن نقتبس من شخصية “ديف باومان” في فيلم الخيال العلمي الكلاسيكي للعام 2001 “أوديسا الفضاء” لنقول: “إنها مليئة بالنجوم”. في الواقع، يحتوي هذا الأرشيف على بيانات تتعلق بالمسافات التي تفصلنا عن أكثر من 1.3 مليار نجم.

تم إطلاق القمر الصناعي جايا في عام 2013، وهو يقوم بإجراء مسح للسماء بشكل مستمر منذ ذلك الحين بفضل اثنين من التلسكوبات على متنه، وذلك بهدف حل الألغاز المتعلقة بتشكل وتطور مجرتنا، مجرة درب التبانة. وللقيام بذلك، يقوم المسبار بقياس ظاهرة تسمى “اختلاف المنظر”. فإذا وضعت إحدى أصابع يديك على مسافة كافية أمام وجهك، ونظرت إليها بإحدى عينيك ومن ثم بالعين الأخرى، فسيبدو لك أن موضع إصبعك يتغير بالنسبة للمشهد الخلفي لها. وهذا التغيير الزاوي يسمى “اختلاف المنظر”.

إن وجود جايا في الفضاء يسمح له بمشاهدة انزياحات صغيرة مشابهة في مواقع النجوم. وإجراء عمليات رصد للنجوم من مواقع مختلفة مع فوارق زمنية تصل إلى 6 أشهر (يكون عندها قد قطع نصف المسافة في مداره حول الأرض) يعتبر عملاً شبيهاً بتجربة النظر إلى إصبعك بإحدى عينيك ثم بالأخرى. عندما تعلم مقدار الانزياح الناجم عن اختلاف المنظر وكذلك المسافة التي تفصل جايا عن الشمس (أو المسافة من أنفك إلى عينك)، فيمكنك عندها استخدام علم المثلثات البسيط لتحديد المسافة الفاصلة عن كل واحد من النجوم (أو عن إصبعك).
يرى جايا أيضاً أن النجوم تتحرك في السطح المستوي للسماء مع مرور الوقت. ويمكن تحويل واحدات السرعة الزاوية “الزاوية المقطوعة خلال زمن معين” إلى واحدات فيزيائية تعبر عن السرعة الخطية (عدد الكيلومترات في الثانية على سبيل المثال) إذا عرفنا قياس البعد عن النجوم. ومع ذلك، فإن معرفة كيفية تحرك نجم في فضاء ثلاثي الأبعاد يتطلب أن نقيس أيضاً سرعة التحرك باتجاه عمودي نحو السماء على امتداد نطاق الرؤية للأجسام السماوية. وهذا يتطلب كاميرا مخصصة للسرعات الكونية!

خريطة تغطي السماء بأكملها بحسب السرعات المتوسطة للنجوم المتحركة باتجاه الشمس أو المبتعدة عنها.
مصدرا الصورة: جمعية معالجة البيانات وتحليلها/ وكالة الفضاء الأوروبية، CC BY-SA

تستخدم الكاميرا العادية ذات السرعة الرادارية تأثير دوبلر (تمدد أو انضغاط في الموجات ينجم عن الحركة)، وذلك عن طريق قياس التغير الحاصل في الترددات الراديوية للإشارات التي ترتد عن السيارات لقياس سرعتها. وبالمثل، يقيس جايا التغيرات الحاصلة في تردد الضوء الصادر عن النجوم للتحقق من سرعتها. يكون ضوء النجم أكثر زرقة إذا كان يتحرك باتجاهنا، وأكثر احمراراً إذا كان يتحرك بعيداً عنا. وهذا ما يسمى السرعة الشعاعية.

بيانات ثورية

تضمّن الإصدار الأول لبيانات جايا في عام 2016 نشراً للمعلومات عن المسافات لما يقرب من مليوني نجم، ولكنه لم يتضمن أية سرعات شعاعية. ومع ذلك، فنحن على علم مسبق بالسرعات الشعاعية لما يقل عن 400,000 من هذه النجوم، والتي تم قياسها من الأرض من خلال العديد من عمليات المسح المختلفة.

ويتضمن الإصدار الثاني من بيانات جايا معلومات عن المواقع السماوية ودرجات السطوع لنحو 1.7 مليار نجم، بالإضافة إلى أكثر من سبعة ملايين سرعة شعاعية. وهذا لا يجعل من جايا أضخم مشروع عرفناه يوماً لاستقصاء السرعات الشعاعية فحسب، بل يضاعف من عدد النجوم مع قياسات دقيقة لسرعاتها في فضاء ثلاثي الأبعاد 18 مرة.

وكالة الفضاء الأوروبية تؤجل إطلاق المركبة الفضائية جايا لرسم الخرائط الكونية

كما تم نشر سلسلة من أوراق العروض العلمية لجايا جنباً إلى جنب مع دليل مصور لمواقع النجوم. وقد شاركت في البحث الذي نتج عنه إحدى هذه الأوراق، حيث يهدف إلى وضع الخريطة الأكثر تفصيلاً على الإطلاق للسرعات في الفضاء ثلاثي الأبعاد حتى الآن.

والأمر الأكثر إثارة، هو أن الخريطة كشفت الستار عن وجود ترتيب شامل للنجوم في مجرة درب التبانة، حيث يستقر معظمها في قرص المجرة الرقيق. يتم تنظيم هذه النجوم ضمن بنى ثانوية رقيقة على شكل أقواس دائرية. ويعتبر هذا دليلاً بالغ الأهمية على كيفية تشكل مجرة درب التبانة، وعلى أنها مستمرة في التطور. تقع المسؤولية الآن على عاتق مجتمع الفلكيين لتفسير هذه الاكتشافات واستكشاف كافة الإمكانات التي يحملها الإصدار الثاني من بيانات جايا.

في النهاية، يمكن للدليل المصور لمواقع النجوم الذي ينتجه جايا أن يساعدنا في تحقيق العديد من الاكتشافات الجديدة، بما في ذلك وضع خرائط لعشرات الآلاف من الكويكبات في نظامنا الشمسي. ومن خلال النظر إلى انخفاضات شدة الإضاءة في سطوع النجوم، يمكننا أيضاً العثور على الكواكب الخارجية التي تدور حول نجوم غير شمسنا.

والأكثر إثارة للدهشة ربما، أنه يمكن للقياسات المسجلة أن تساعدنا أيضاً على التنبؤ بدقة عن مكان المادة المظلمة في المجرة، وهي مادة غير معروفة وغير مرئية ويعتقد أنها تشكل معظم مادة الكون.

كما عثر جايا أيضاً على ما يقرب من 5,000 جسم يمكن تتبعه من خلال التلسكوبات الأرضية قبل أن تختفي. قد تساعد معظم هذه المستعرات العظمى، وهي عبارة عن نجوم متفجرة، في الكشف عن طبيعة الطاقة المظلمة التي تتسبب بتمدد الكون بشكل متسارع.

سيكون الإصدار التالي لبيانات جايا في عام 2020. ومن المتوقع أن يزيد ذلك من عدد النجوم ذات السرعات الشعاعية المعروفة من سبعة ملايين نجم حالياً، إلى حوالي 30 مليوناً، مما يجعل فريق العمل مشغولاً لعدة سنوات قادمة.

error: Content is protected !!