Reading Time: 4 minutes

تُعتبر تكلفة معالجة التغير المناخي، والانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة ضخمةً جداً وفق بعض التقديرات، بينما الجهود المبذولة والمناقشات الدائرة حول تقدير ما إذا كان بوسعنا تحمّل هذه التكلفة الضخمة قد تكون مشتتةً وغير واضحة المعالم، ولكن دراسةً جديدة أشارت إلى أن جزءاً كبيراً يغيب عن المشهد الكلّي في حساب هذه الكلفة، وهي الفوائد الصحية من التحوّل إلى الطاقة المتجددة.

سيؤثر خفض تلوّث الهواء مثلاً بشكلٍ إيجابي على صحة السكان عموماً، مما يقلل من تكاليف الرعاية الصحية. وفي نفس الوقت، لن تواجه شركات الطاقة أي عقوباتٍ «مالية» تجاه تلويثها الجو بغاز الكربون، ولها مطلق الحرية في ذلك، وهي أيضاً تكلفةٌ غير محسوبة. فإذا قمنا بجمع تلك الفوائد والتكاليف المفقودة، فإن الاستثمار في المصادر المتجددة سيبدو أكثر جاذبيةً فجأةً ويمكن أن يؤثّر بشكلٍ كبير على حجم الفوائد التي سنجنيها منه، وذلك حسب دراسةٍ تحليلية  جديدة أجريت بواسطة المحاكاة الحاسوبية، ونُشرت نتائجها الشهر الماضي في دورية «رسائل البحوث البيئية».

يقول «جوناثان بونكور»، المؤلف الرئيسي للدراسة، والباحث في مجال الصحة البيئية في كلية الصحة العامة في جامعة هارفارد تشان: «سيحظى الناس بفوائد صحيّة كبيرة من الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المتجددة في المناطق التي تصدر انبعاثاتٍ عالية من غاز الكربون، لذلك ستكون الفائدة أعظم في مناطق مثل إقليم الأطلسي الأوسط، وأعالي الغرب الأوسط في الولايات المتحدة».

التغير المناخي, حلول, الاحتباس الحراري, تلوث

تطلق الأنشطة التي تعتمد على طاقة الفحم كميةً من الملوثات وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أكثر من أي مصدرٍ آخر. فوفقاً لوكالة حماية البيئة، فإن ما نسبته 27.5% من انبعاثات غازات الدفيئة التي سُجلت عام 2017؛ كانت آتية من محطّات توليد الطاقة الكهربائية (تُقارب نسبة الانبعاثات من قطاع النقل). يُساهم الوقود الأحفوري -معظمه من الفحم والغاز الطبيعي- فيما نسبته أكثر من 60% من أنشطة توليد الكهرباء. تطلق معامل الفحم كمياتٍ كبيرة من أكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت والعوالق الجوية، وكلها معروفة بأنها تسبب مشاكل صحية للسكّان، بينما تُعد معامل الغاز الطبيعي مصدراً أنظف من الفحم عموماً، لكنها لا تزال تُصدر كمياتٍ كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين.

في تفاصيل الدراسة، قام بونوكور وفريقه بتحليل ودراسة 10 مناطق رئيسية للشبكات الكهربائية في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وباستخدام نماذج حاسوبية، استطاعوا تقدير كيف يمكن أن يؤثر تخفيض ثاني أكسيد الكربون من خلال استخدام الرياح أو الطاقة الشمسية إيجاباً على الصحّة العامة، والتقليل من آثار التغير المناخي في كلّ منطقة. استخدموا لأجل ذلك بيانات التكلفة الاجتماعية لتأثير انبعاثات الكربون، وهي وسيلة لوضع ثمن على تأثيرات المناخ (مثل الجفاف، ارتفاع درجات الحرارة، مستوى سطح البحر). تراوحت قيم المدخلات بين 12 دولار و112 دولار لكل طنٍّ من انبعاثات غاز الكربون.

ظهرت اختلافاتٌ واضحة في الفوائد المترتبة عن استخدام الطاقة المتجددة حسب المنطقة عند تشغيل المحاكاة الحاسوبية، وإجراء الحسابات المتعلقة بها. تركّزت أكثر المناطق استفادةً من مصادر الطاقة المتجددة في مجالي الصحة والمناخ، في مناطق أعالي الغرب الأوسط، ومنطقة البحيرات العظمى في مناطق الأطلسي الأوسط في الولايات المتحدة. السبب هي أن تلك المناطق لا تزال تستخدم الفحم كمصدرٍ رئيسي في محطات توليد الطاقة. على سبيل المثال، أنتج التحوّل لطاقة الرياح لمدة ساعةٍ واحدة في الأجزاء العلوية من الغرب الأوسط ما قيمته 113 دولاراً من الفوائد الصحية والمناخية، في حين كانت الفوائد نحو 28 دولاراً لنفس القياس في كاليفورنيا. في المحاكاة الحاسوبية، بالنسبة لولاية كاليفورنيا، تحلّ مصادر الطاقة المتجددة محل الغاز الطبيعي الأكثر استخداماً هناك، والذي له آثارٌ صحية أقل من آثار الفحم. يقول «ديفيد آبيل»، الحاصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة «ويسكونسن-ماديسون» وغير المشارك في الدراسة: «إن مفهوم تحقيق الفائدة من هذه الإجراءات عبر تأثيرها على تحسين جودة المناخ، وكفاءة استخدام الطاقة والصحة العامة أمرٌ بالغ الأهمية حالياً، وهذه الدراسة التحليلية تدعم القيام بمثل هذه الإجراءات».

عندما تؤخذ الفوائد الصحية والمناخية لمشاريع الطاقة المتجددة على المدى الطويل -كما تشرح هذه الدراسة-؛ فإن الاستثمار في مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية في معظم أنحاء الولايات المتحدة سيعوّض نفسه بنفسه. يقول بونوكور: «سيكون الوفر من الفوائد الصحية أكثر من التكلفة المالية اللازمة لاقامة مشاريع الطاقة المتجددة، حيث ستكون إقامة هذه المنشآت في ثلثي المناطق عبر البلاد أوفر مادياً من كلفة استخدام تكنولوجيا التخلّص من الكربون في محطّات الطاقة التي تعتمد على الفحم».

يأمل بونوكور أن تُستخدم نتائج دراسته التحليلية في تطويرِ سياساتٍ من شأنها الحدّ من التغير المناخي. ويضيف بونوكور أن هذه النتائج قد تكون دافعاً وحجةً لدى المسؤولين للتوجّه نحو التخطيط لبناء مشاريع الطاقة المتجددة الأوفر من الناحية المادية.

أما بالنسبة للمناطق التي تستخدم الغاز الطبيعي في توليد الطاقة، فقد يكون لديها حافز أكبر للتحوّل إلى مصادر الطاقة البديلة؛ إذا أخذنا بعين الاعتبار كميات غاز الميثان الصغيرة المتسربة منها -والذي يُعتبر أحد غازات الدفيئة القوية-، أثناء عمليات استخراج الغاز الطبيعي وتخزينه ونقله إلى الهواء. وبشكل تراكمي؛ تساهم كميات غاز الميثان المتسربة في إحداث التغير المناخي؛ رغم عدم معرفة مقدار تأثيره بدقة. وعندما ضمن بونوكور حسابات غاز الميثان في المحاكاة الحاسوبية؛ تبين أن هذه الكميات من الغاز تقلل من ميزة وفوائد استخدام الغاز الطبيعي بنسبة 70%. لذلك فإن التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة في الأماكن التي تعمل بالغاز الطبيعي؛ قد يكون أكثر فائدةً مما تشير إليه التقديرات الحالية. ربما يرغب سكّان كاليفورنيا أيضاً في الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة لأسبابٍ أخرى، مثل تنويع اعتمادها على مصادر الطاقة الأخرى غير الغاز، لكي تلجأ لتشغيلها عند انقطاع الكهرباء في حالات الكوارث مثل حرائق الغابات والأجواء الجوية العاصفة.

ورغم كلّ ما ذكرناه سابقاً، فإن نتائج هذه الدراسة تُعد مبرراً قوياً لإعادة النظر في تنظيم إنتاج الكهرباء. كما يشير آبيل؛ فإنّ ذلك لن يساعد كوكبنا في تجاوز محنته فحسب، بل سيكون له بالغ الأثر إيجاباً على مجتمعنا بأكمله، حيث يقول: «تدعم هذه النتائج تطوير سياسات وتشريعات المناخ بشكلٍ كبير، فتنفيذ سياساتٍ مثل خطة الطاقة النظيفة (حملة سياسة قادها أوباما تهدف إلى مكافحة تغير المناخ والاحترار العالمي الذي اقترحته وكالة حماية البيئة الأميركية عام 2014)، أو ضريبة الكربون سيكون له فوائد كبيرة على الصحة العامة وإدارة الازمة المناخية».