Reading Time: 4 minutes

في عام 1938؛ جاء في يومية «Rockhampton» المسائية ما يلي: «لقد حان الوقت الذي يجب فيه على الأستراليين أن يقرروا ما إذا كانوا سيقبلون أم لا تحمّل مسؤولية الحفاظ على حيوان الكوالا… لقد بات من غير المقبول على الإطلاق أن يُسمح بإنقراض هذا الحيوان الذي لا يحظى بإعجاب الزوّار الأجانب فحسب، بل بإعجاب الأستراليين أنفسهم أيضاً».

لم يُنظر إلى الحفاظ على حيوان الكوالا حينذاك من ناحيةٍ أهميته البيئية كثيراً، بل من ناحية أهميته كأيقونةٍ ورمزٍ للهوية الأسترالية السياحية. فقد ظهرت أولى البطاقات البريدية التي تحمل صورة الكوالا عام 1903، وقد كانت الدعامة الأساسية للدعاية السياحية منذ ذلك الحين.

يظهر الكوالا على بطاقةٍ بريدية عام 1903

يظهر الكوالا على بطاقةٍ بريدية عام 1903 — حقوق الصورة: الكاتب

بينما اُستخدمت صورة الكوالا مجدداً في أحدث إعلانٍ ترويجي سياحي للتشجيع على زيارة أستراليا، أصدرته «توريزم أستراليا»، حيث يظهر في الإعلان مغنية البوب الأسترالية الشهيرة «كايلي مينوغ» بجانب حيوانات الكوالا في صورةٍ رائعة على شجرة أوكالبتوس مهيبة، قبالة ميناء سيدني. ولكّن تزامناً مع الحرائق المستمرة في غابات أستراليا؛ تم إيقاف بث هذا الإعلان مؤقتاً.

من المتوّقع أن يفقد نحو 30% من أعداد الكوالا في الساحل الشمالي الشرقي لولاية «نيو ساوث ويلز» بسبب الحرائق، بالإضافة إلى ما يصل إلى 50% من أعدادها في جزيرة «كانجارو»، وهي آخر الأعداد المُتبقية في عموم أستراليا غير المصابة بمرض الكلاميديا الفتّاك.

والآن، وبعد مرور 84 عاماً على قصّة النشرة المسائية، ما زلنا نتحدّث عن الانقراض المُحتمل للكوالا، أيقونة السياحة الوطنية الأسترالية.

ظهور الكوالا كأيقونة لأستراليا

كان حيوان الكوالا يُعرض في حديقة حيوان ملبورن منذ عام 1861، وفي حديقة حيوان تارونغا منذ عام 1914. لكن، ونفس الوقت، كانت تتعرّض للصيد الجائر من أجل فرائها حتى بدايات القرن التاسع عشر. وفي أواخر عشرينيات القرن الماضي، توقّف صيدها تماماً.

وبحلول الثلاثينيات، افتتحت 3 محمياتٍ للحياة البرية مخصصةٍ لحماية الكوالا، وهي منتزه كوالا في «بينانت هيلز» – سيدني، ومتنزه «لون باين كوالا» على نهر بريسبان، ومتنزه «أديلايد سنيك» و«كوالا فارم». وشهد عام 1933 صدور مجموعة قصص الأطفال تتناول «بلينكي بيل» حيوان الكوالا الصغير. وقد أثّرت العديد من الكتب تأثيراً كبيراً على المواقف العامّة تجاه حيوان الكوالا الأصلي، مثل كتاب «Furred Animals of Australia» الذي صدر عام 1931 لعالِم الحيوان «إليس تروتون”، وكتاب «Koala: The Story of the Native Bear» لمؤرخ عالم الطبيعة «تشارلز بارنت» عام 1937، والذي يتحدّث عن تاريخ الكوالا.

الكوالا, قصص أطفال, الطبعة الأصلية من مجموعة بلينكي بيل

الطبعة الأصلية من مجموعة «بلينكي بيل»

وفي عام 1934، وصفت يومية «سيدني مورنينج هيرالد» الكوالا بأنّه «رمز أستراليا الوطني». ولعل أكثر الحملات شهرةً لحماية الكوالا كان جعل الكوالا بطل الإعلانات التجارية لخطوط «كانتاس» الجوية منذ عام 1967 وحتّى عام 1992.

الكوالا, إعلان ترويجي لكانتاس عام 1981 في الصحف الأميركية

إعلان ترويجي لكانتاس عام 1981 في الصحف الأميركية

فقدان أيقونة السياحة

تشير دراسة أُجريت عام 2014 إلى أن سياحة الكوالا تدر أرباحاً تصل إلى 3.2 مليار دولار على الاقتصاد الأسترالي، بالإضافة لخلقها ما يصل إلى 30 ألف فرصة عمل.

وحالياً، في عام 2020، يوجد في أستراليا 68 حديقة حيوان ومنتزهاتٍ للحياة البرية، تعرض كلّها ما يقل قليلاً عن 900 حيوان كوالا. ولدى زيارتهم لهذه المنتزهات، لا يفوّت السيّاح الأجانب فرصة التقاط صورٍ تذكارية مع حيوان الكوالا، ويعتبرونها جزءاً لا يتجزأ من رحلتهم السياحية.

في الواقع، من المستحيل علينا النظر إلى الصورة الرائعة لمطربة البوب كايلي مينوغ مع حيوانات الكوالا، دون تذكّر الصور المروعة لحيوانات الكوالا المحترقة بشدّة، وغيرها من الحيوانات البرية في حين تدمّر الحرائق ملايين الهكتارات من موائل الكوالا الطبيعية.

إن صورة الكوالا الهادئة المسترخية والمدللة في الإعلانات الترويجية السياحية؛ باتت بعيدةً كل البعد عن أذهاننا بعد ما شاهدناه من من صورٍ مريرة لها في حرائق أستراليا الأخيرة. لقد ضاعفت هذه الحرائق الكارثية من الأخطار التي تتعرض لها أعداد الكوالا بالفعل حالياً، من تدميرٍ لموائلها، إلى الأمراض التي تفتك بها، وحوادث السيارات، وهجوم الكلاب وغيرها.

كما تبين الأبحاث الحديثة أن الكوالا معرّضةٌ لآثار التغير المناخي سواء من خلال أثره على غذائها من أوراق الكينا التي تقتات عليها، أو من خلال درجات الحرارة العالية وحرائق الغابات الأخيرة أيضاً.

حماية الكوالا من الانقراض

أظهر الأستراليون بوضوح أنهم مستعدّون لاتخاذ إجراءاتٍ لحماية الكوالا، فقد أطلقو حملة «GoFundMe» لجمع التبرعات لصالح مشفى «بورت ماكواري» المختص بعلاج أمراض الكوالا، وقد جمعت الحملة حتّى الآن ما يقارب من مليوني دولار أسترالي.

يعكس هذا الدعم والتعاطف الكبير مع الكوالا العلاقة القوية التي يشعر بها الأستراليون تجاه الكوالا، والنابعة أساساً من تصرفّات هذا الحيوان التي تشبه تصرفّات الطفل الصغير، بالإضافة لرمزيته في الثقافة الشعبية، بما في ذلك، رمزيته القوية في الترويج السياحي.

Koala Rescue volunteers are taking care of about 110 koalas recently injured in South Australian. 💓 🐨 Https://SydneyNews.sydney

Publiée par Sydney News sur Mercredi 8 janvier 2020

[فيديو يظهر رعاية بعض المتطوعين لنحو 110 حيوان الكوالا في مكان رعاية مخصص في منطقة جنوب أستراليا]

للأسف، ستبقى صورة الكوالا على الأرجح تخدم المصلحة الوطنية؛ من خلال دورها في التشجيع على السياحة، حتّى لو انقرضت في الغابات بشكلٍ مأساوي. فمعظم قطاعات السياحة المُتعلقة بالكوالا تعتمد أساساً على خبرة التعامل مع حيوانات الكوالا الأسيرة. بينما لا يعدّ انقراض الحيوان مشكلةً في أماكن أخرى، ويستمر استغلال صورها حتّى الآن. فمثلاً، تستخدم «تسمانيا توريزم» صورةً منمّقةً لحيوان النمر التسماني «الثايلسين» المنقرض في شعارها.

شعار, تسمانيا توريزم, النمر التسماني المنقرض

شعار «تسمانيا توريزم» الذي يحمل صورة النمر التسماني المنقرض

تقع مسؤولية الحفاظ على الكوالا على المدى الطويل على عاتق الحكومات، وسياساتها المتعلقة بإزالة الغابات، وإدارة الحرائق والتغيّر المناخي. إذا كانت هناك فرصة جديدة للسائحين الأجانب رؤية حيوانات الكوالا في البراري مستقبلاً، يجب على الحكومات العمل الآن لتعزيز حماية هذه الأنواع. والأهم من ذلك، حماية موائلها.

تم نشر هذا المقال بواسطة «كيفن ماركويل» في موقع ذا كونفيرسيشن