Reading Time: 4 minutes

يبدو أن الكثير من علوم التغذية تتناقض مع نفسها، ولا تعدُّ هذه الدراسة الحديثة التي تصدَّرت العناوين الرئيسية استثناءً لذلك.

إن أجسامنا تشبه الصناديق السوداء في الكثير من الأمور، وخاصة عندما يتعلق الأمر بعملية الاستقلاب؛ إذ يمكننا قياس ما تتناوله وما تستهلكه، ولكن من الصعب معرفة ما يحدث فعلاً داخل الجسم. فهل تقوم الكربوهيدرات بإثارة عملية الاستقلاب لاكتساب الوزن الزائد؟ يعتقد بعض الخبراء بشدة بأنها تقوم بذلك، ولكن الكثير من الخبراء الآخرين يختلفون معهم بنفس الدرجة. وهذا لا يعني أنهم لا يعرفون ما الذي يتحدثون عنه، بل يعني أن علم التغذية لم يصل بعد إلى مرحلة نفهم فيها أساسياته بشكل كافٍ للوصول إلى نظرية موحَّدة يمكن للجميع الاتفاق عليها، فما زال العلماء يناقشون الكثير من التفاصيل.

ويدور النقاش الأخير حول ما إذا كانت الحميات الغذائية منخفضة الكربوهيدرات تساعدك على حرق المزيد من الطاقة؛ إذ يقول الباحثون الذين نشروا مؤخراً دراستهم في المجلة الطبية البريطانية إن لديهم أدلة قوية على أن عملية الاستقلاب تزداد عند خفض الكربوهيدرات. إنهم لا يدَّعون أن هذه هي الدراسة المثالية، لكنهم ببساطة واثقون من النتائج التي توصلوا إليها.

ولكن النظر بدقة على قسم “القيود” في دراستهم يكشف الكثير عن المنهجية التي يدور حولها هذا النقاش؛ إذ استخدم هؤلاء العلماء طريقة لتحديد كمية الاستقلاب تسمَّى المياه مضاعفة الوسم، التي يعتبرها البعض معياراً ذهبياً، ولكن البعض الآخر يعتقد أنها قد تكون غير مثالية. وقد كتب المؤلفون: “اقترح بعض الباحثين مؤخراً سبباً جديداً لكون استخدام طريقة المياه مضاعفة الوسم -التي استُخدمت على نطاق واسع في أبحاث التغذية لعقود- من شأنه أن يُحدث انحيازاً في المقارنات بين الحميات التي تختلف في نسبة المغذيات الكبرى”. ويخلُصون إلى أن هذا الانحياز المزعوم يعد “تخيُّلياً بشكل كبير، ومن غير المرجح أن يكون له معنى”، ومع ذلك فإن الكثير من الباحثين الآخرين في مجال التغذية والبدانة يعتقدون خلاف ذلك، لذا دعونا نحلِّل هذا الأمر.

إن بعض دراسات التغذية -التي تتصدَّر العناوين الرئيسية غالباً- تركِّز على فقدان الوزن لأنه السبب في اتباع الكثير منا للحمية الغذائية، ولكن إذا كنت تريد دراسة عملية الاستقلاب، فلا يمكنك فقط ملاحظة ما إذا كان الناس يفقدون الوزن بسبب إحدى الحميات الغذائية أو غيرها، بل عليك أن تجد طريقة لقياس مقدار الطاقة التي يحرقها الشخص. وهناك طرق قليلة للقيام بذلك، ولكن الطريقتين الرئيسيتين هما قياس السعرات الحرارية لكامل الغرفة والمياه مضاعفة الوسم.

وفكرة قياس السعرات الحرارية في كامل الغرفة هي أن المريض يتم حبسه -حرفياً- في غرفة محكمة الإغلاق، حيث يتم إعطاؤه وجبات الطعام من خلال فتحة في أحد الجدران، ويتم ملاحظتها بشكل كامل عموماً. وتراقب الكاميرات كمية تحركاته ونومه وما إلى ذلك (وقد نشرت جوليا بيلوز في موقع فوكس مقالاً استثنائياً عن تجربتها داخل إحدى هذه الغرف بصفتها شاهدة في دراسة استقلابية). ويستند هذا المقياس إلى المبدأ المتمثِّل في أن معدَّل استنشاق الأكسجين وإخراج ثاني أكسيد الكربون -وكذلك معدل تبادل الغازات الأخرى وحرارة الجسم- مرتبط بشكل مباشر بمدى سرعة حرق الطاقة، فعندما تحتاج إلى طاقة يقوم الجسم بتشكيلها على هيئة جزيء يسمى أدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP)، وإن التفاعل الكيميائي اللازم لإنتاج هذا الجزيء يطرد ثاني أكسيد الكربون على هيئة نفايات، ولذلك عندما ترتفع عملية الاستقلاب، فيجب أن يزداد إنتاج ثاني أكسيد الكربون أيضاً.

وتعتمد طريقة المياه مضاعفة الوسم على مبدأ مماثل أيضاً، إلا أنها تستخدم جزيئات ثقيلة من الهيدروجين والأكسجين (نظائر ذات نيوترونات بشكل أكثر من الطبيعي) لوسم جزيئات الماء، ثم يقوم المشارك في الدراسة بشرب هذه المياه الثقيلة ويحوِّلها الجسم إلى نوعين رئيسيين من النفايات، حيث يتم إفراز الهيدروجين الثقيل على شكل جزيئات ماء عن طريق البول، في حين يتم طرد الأكسجين الثقيل مع الزفير كثاني أكسيد الكربون، ويعرف الباحثون سرعة عملية الاستقلاب من خلال الفرق بين مخرجات الهيدروجين الثقيل ومخرجات الأكسجين الثقيل التي تم قياسها. وعند حرق كمية أكبر من الطاقة، فيجب إطلاق المزيد من الأكسجين الثقيل بما يتناسب مع كمية الهيدروجين الثقيل (وذلك لأن الأكسجين الثقيل يستخدم لصنع الأدينوسين ثلاثي الفوسفات)، كما يجب أن يتم طرح كامل الهيدروجين إلى الخارج عن طريق البول.

لكن بعض الدراسات أثارت مشكلة محتملة، فهي تتساءل: ماذا لو لم يكن كل الهيدروجين يتم طرحه مع البول؟ إن إحدى الافتراضات الأساسية لطريقة المياه مضاعفة الوسم هي “أن الهيدروجين الموجود في ماء الجسم لا يُطرح من الجسم إلا على شكل ماء، وإن أي فقدان للنظائر في المنتجات الأخرى سيؤدي إلى حدوث خطأ في هذه التقنيات”، وذلك كما تقول إحدى الدراسات حول هذه المسألة. فإذا كان جسمك يحبس بطريقة ما بعض الهيدروجين الثقيل، فإن ذلك سيؤدي إلى تضخيم معدل الاستقلاب الظاهري للمشاركين في الدراسة.

وقد حاول بعض الباحثين إعطاء الماء الثقيل للحيوانات الآخذة في النمو، ووجدوا أن الحيوانات التي تناولت طعاماً غنياً جداً بالكربوهيدرات احتوت على بعض الهيدروجين الثقيل على شكل شحوم في دهون أجسامها، كما وجدت دراسة لاحقة عند البشر نفس المشكلة. ولم يحدث عند الرجال الذين خضعوا لكلا الطريقتين في وقت واحد أي تغيير في عملية الاستقلاب عندما اتبعوا حمية منخفضة الكربوهيدرات، ولكن ذلك وفقاً لمقياس السعرات الحرارية فقط، أما وفقاً لطريقة المياه مضاعفة الوسم، فقد كانوا يحرقون المزيد من الطاقة فجأة.

أولئك الذين يؤيدون طريقة (كامل الغرفة) يقولون إن مثل هذه الدراسات تعد دليلاً على أن طرقهم أكثر دقة، وتشير إلى أن الحميات منخفضة الكربوهيدرات لا تعزز الاستقلاب بشكل سحري. أما مؤيدو طريقة المياه مضاعفة الوسم فيجادلون في أن إنتاج الدهون لا ينبغي أن يتغير كثيراً عند البشر كاستجابة للحمية، لذا يجب أن تعمل طريقة المياه بشكل جيد. واقترحت دراسات أخرى أن الطريقتين متساويتان في الدقة، أو أن طريقة المياه قد تكون أفضل بقليل.

ولكن هذا النقاش لن يستقر في الوقت الحالي؛ إذ يقول الباحثون من كلا الجانبين إن طريقتهم هي “المعيار الذهبي”، وهذا بالضبط هو الأمر الصعب في مجال التغذية، فليس هناك اتفاق كبير حول ما يجب أن نأكله تماماً لتحسين أجسامنا. وإذا لم نتمكن من الاتفاق حتى على كيفية قياس عملية الاستقلاب، فكيف يمكننا أن نتفق على المبادئ التوجيهية التي تعتمد على نتائج الدراسات الاستقلابية؟

وهذا أصلاً لا يشير إلى حقيقة أن الدراسات التي تقارن بين الحميات منخفضة الكربوهيدرات والحميات منخفضة الدهون تُظهر أن الناس يفقدون على المدى الطويل نفس الكمية من الوزن في كليهما، ويبدو أن بعض الناس يستجيبون بشكل جيد لخفض الكربوهيدرات، في حين أن البعض الآخر يستجيب بشكل أفضل لخفض الدهون. وقد يكون ذلك متعلقاً بمدى قدرة الناس على الالتزام بالحمية الغذائية أو ربما مع عملية الاستقلاب الفردية لديهم، ولكن في كلتا الحالتين، يبدو أن الشيء المهم هو اختيار حمية غذائية مناسبة لك، إذ لا يمكن لأي مقال أن يخبرك بما هو مناسب لجسمك وحياتك.

هذه الأمور محيِّرة، ولسوء الحظ فليس هناك الكثير من النصائح العظيمة الخاصة بالتغذية، باستثناء النصيحة غير المنطقية التي يتفق عليها الخبراء منذ زمن بعيد، وهي تناول كميات أقل من السكر والمزيد من الخضراوات وكمية أقل من الأطعمة المصنَّعة والمزيد من الأطعمة الكاملة.

أنت تعرف كل ذلك بالفعل، ولكن الأمر يحتمل التكرار، فأنت تعرف على الأرجح ما هو جيد بالنسبة لك.