Image

رجاءً، اتركوا لنا الفاكس فقط

Bread assortment جهاز الفاكس أثناء الاستخدام
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

إذا طلبتُ منك أن ترسل لي فاكساً اليوم، فمن المرجح أنك سترسله لي وأنت في حالة من عدم التصديق. ستقول في قرارة نفسك: هل يعقل أن تطلب مني إرسال فاكس في الوقت الذي يمكننا فيه إرسال رسائل فورية تقريباً سواء عبر خدمة الرسائل القصيرة، أو البريد الإلكتروني، أو قصص إنستاجرام، أو رسائل سناب شات التي تختفي بشكل تلقائي، أو حتى مكالمة سكايب؟ هل تعلم ماذا؟ لقد اتصل بي العام 1989، ويقول إنه يريد استعادة وسيلة الاتصال التي تخص الناس في تلك الفترة، فهي ليست لكم يا أبناء المستقبل!

ولكن آلة الفاكس لم تنتهي صلاحيتها بعد. ولا شك أن معدل استخدام جهاز الفاكس قد تراجع اليوم كثيراً مقارنة بذروته التي بلغها في عام 1997، عندما تم بيع 3.6 مليون جهاز في الولايات المتحدة.

ولكن مؤرخ التكنولوجيا جوناثان كوبرسميث يرى أنه لا يزال من السابق جداً لأوانه استبعاد استخدام جهاز الفاكس بشكل كلي. في الواقع، هناك فاكس يجري إرساله في هذه اللحظة على الأرجح من مكان ما، ولسبب من الأسباب.
كوبرسميث هو مؤلف الكتاب “رسائل الفاكس: صعود وانحدار آلة الفاكس” ومؤرخ التقانات في جامعة تكساس إيه آند إم. وفي أحد أيام العام 2018 الذي يعاني من رهاب استخدام الفاكس، اتصل بمجلة بوبيولار ساينس الأميركية من مطار مزدحم في إحدى الولايات لمناقشة الجهاز المفضل لديه، حيث قال: “أليست التكنولوجيا الحديثة رائعة حتى نكون قادرين على القيام بمثل هذه الأشياء؟”. قالها عندما طلب كوباً من الشاي في إحدى الولايات، وأنا كنت منصتاً له في ولاية أخرى. يقول إن جهاز إرسال نسخ مطابقة للأصل (أو الفاكس اختصاراً)، كما كان يعرف سابقاً، له جذور قديمة تعود إلى أربعينيات القرن التاسع عشر. ويعتقد أنه بسبب استمرار استخدامه بين الأطباء والمحامين والحكومات، التي تحتاج إلى تواقيع قانونية مع نقل آمن للمعلومات، فإنه سيبقى بشكل أو بآخر في الخدمة لسنوات قادمة.

جهاز فاكس “ميرهيد” الذي يعود إلى الحرب العالمية الثانية.
مصدر الصورة: ويكيبيديا

بدأت القصة مع ألكسندر باين، وهو مخترع إسكتلندي من القرن التاسع عشر، والذي يعود له الفضل في تطوير جهاز فاكس تجريبي تمكن من نقل الرسائل بعد أن يتم مسحها ضوئياً سطراً بعد آخر. وعلى مدى أكثر من 130 عاماً، قام العديد من المخترعين، بما في ذلك توماس أديسون، بتعديل تصاميمهم الخاصة من هذا الجهاز. ويقول كوبرسميث عن أول قرن من الأبحاث والتطوير إن “هناك الكثير من المحاولات الفاشلة، وهذا أمر طبيعي في عالم الحلول التكنولوجية”. ويضيف: “وكان هناك الكثير من الناس الذين قالوا: يمكننا القيام بذلك بشكل أفضل. وسنحاول من جديد”.

في بدايات القرن العشرين، كان بإمكانك الحصول على رسالة فاكس عالية الجودة – بنفس جودة رسالة الفاكس التي تتلقاها اليوم – ولكنها كانت تكلف الكثير من المال. يتحدث كوبرسميث عن التكلفة قائلاً: “في كثير من الحالات، أنت تتحدث عن مبلغ من مرتبة العشرات أو المئات”، ويضيف: “ومن الصعب تبرير ذلك بالنسبة لمعظم الأعمال التجارية”. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه التكلفة بدت معقولة بالنسبة للبعض الآخر. على سبيل المثال، أطلقت وكالة أسوشياتد برس شبكتها الخاصة بتراسل الصور في عام 1935 “وايرفوتو”، وكانت تنقل الصور عبر نحو 16,000 كيلومتر من الخطوط الهاتفية المستأجرة.

كما هو الحال الآن، كان جهاز الفاكس يعتمد على الثنائية البسيطة (مضيء، مظلم). يقوم الجهاز عند إرسال المستند بمسح الصفحة سطراً تلو الآخر، وينقل مجموعتين من النبضات الكهربائية، إحداها للأجزاء السوداء (مثل كلمات النص وحروفه) والأخرى للأجزاء البيضاء (مثل المسافات بين الأحرف والكلمات والفقرات). تنتقل النبضات الكهربائية بعد ذلك عبر خط الهاتف، ويقوم جهاز الفاكس المستقبل في الطرف الآخر من الإرسال بنفث الحبر الأسود على الورق وفقاً للتوجيهات، تاركاً بقية المواضع فارغة. يستغرق الأمر بضع دقائق، ولكن المطورين الأوائل كانوا مقتنعين بأن الجهاز التناظري الرقمي الهجين قد أظهر دلالات مبشرة.

وأخيراً أثمرت جهودهم في ثمانينيات القرن العشرين. حيث يقول كوبرسميث أنه “عندما انخفضت التكلفة، بدأ عدد مستخدمي الفاكس بالازدياد”. وسرعان ما أصبحت هذه الأجهزة تستخدم على نطاق واسع في أماكن العمل. كانت فترة زاخرة بالإثارة، أو على الأقل بدت وكأنها أحد أفلام تلك الحقبة من الزمن، الذي يظهر فيه جهاز الفاكس بشكل ملحوظ في كل مكان.

(ففي عام 1989، طرح فيلم الخيال العلمي الأميركي “العودة إلى المستقبل 2” رؤية مستقبلية يكون فيها كل شخص على سبيل المثال لديه جهاز فاكس في كل غرفة من غرف منزله). ولكنه أثار وفقاً لكوبرسميث مشكلة جديدة أيضاً، حيث يقول: “إحدى المشاكل التي أثارتها الأوساط القانونية هو التساؤل التالي: هل التوقيع المرافق لرسائل الفاكس شرعي من الناحية القانونية؟”. لقد حدد هذا التساؤل – والبت بأمره – مصير استخدام الفاكس، في الوقت الحالي على الأقل.

توقيع المراسلات
مصدر الصورة: مدونة بلوغتريبرينور عبر موقع فليكر

قبل ظهور التكنولوجيات الرقمية الحديثة، كان يتعين على الناس التوقيع بشكل يدوي على الوثائق القانونية المهمة. وعادة ما يتم الحضور شخصياً لتوقيع الأوراق، أو يتم تراسلها ذهاباً وإياباً بين الأطراف المعنية عن طريق البريد إلى أن يتم الانتهاء من كافة الإجراءات. ولكن بوجود جهاز الفاكس والتكنولوجيات الأخرى لم تعد هناك حاجة إلى هذه الأسلوب.

مرت فترة من الزمن كان فيها المحامون وغيرهم قلقين بشأن شرعية هذه التواقيع. ويتساءلون إن كان سيتم الاعتراف بها في المحاكم، وما هي إمكانية تنصّل شخص ما من توقيعه في وقت لاحق وادعائه بأن هذا التوقيع مزور؟ لكن المحاكم أيّدت اعتماد التواقيع عبر الفاكس، شأنها شأن غيرها من التواقيع القانونية التقليدية.

واليوم، فإن العديد من الشركات بما في ذلك الشركة الأم لبوبيولار ساينس، تستلزم تواقيع إلكترونية قانونية، كمستند موقع يدوياً مثلاً ومرسل عن طريق الفاكس، أو تواقيع إلكترونية عن طريق برنامج يعمل على السحابة الإلكترونية مثل تطبيق “أدوب ساين” الذي يتحقق من صحة التواقيع وفقاً للقواعد التي ينص عليها قانون التواقيع الإلكترونية في التجارة العالمية والوطنية، والذي أقره الكونغرس الأميركي في عام 2,000.

لا تعتبر الأوساط القانونية الجهة الوحيدة التي لا تزال تعتمد في مراسلاتها على جهاز الفاكس. فالرعاية الصحية تعتبر مصدراً رئيسياً لمراسلات الفاكس، وذلك وفقاً لتحليل شركة إي- فاكس كوربوريت.

وتتغير المواقف إزاء استخدام الفاكس مع تولي جيل جديد من الأطباء الملمّين بالتكنولوجيا لإدارة نظام الرعاية الصحية، ولكن لا يزال العديد من الأطباء والمستشفيات التي يعملون بها يعتبرون أجهزة الفاكس أكثر أماناً من البريد الإلكتروني لنقل المعلومات المحمية بموجب قانون نقل التأمين الصحي ومسؤوليته، المعروف باسم HIPAA. كما أن كلاً من الصناعات التحويلية، حيث يمكن أن تكون الخطوط الهاتفية أكثر وثوقية من شبكة الإنترنت؛ والحكومة الفيدرالية التي تعمل على معالجة المعلومات الحساسة بغية تعميمها على المواطنين كجزء من قانون حرية المعلومات الأميركي؛ يعتبران أيضاً من المستخدمين المنتظمين لتقنية الفاكس. يقول كوبرسميث: “إن لسان حال الأطباء والصيادلة والمحامين يقول: دعونا نستخدم توقيع الفاكس. إنه نظام معتمد في النهاية”.

يمكن أن تظهر الحاجة إلى جهاز الفاكس أيضاً بطريقة غير متوقعة. وتفيد التقارير أن العديد من الأشخاص بدأوا باستخدام آلات الفاكس القديمة لديهم بدافع الخوف، وذلك في أعقاب عملية القرصنة التي تعرضت لها شركة سوني، حيث تمت سرقة رسائل البريد إلكتروني لنخبة من شخصيات السينما في هوليوود وتم نشرها على الإنترنت. ويحذر كوبرسميث من أن الفاكس يمكن اختراقه مثل أي تقنية أخرى، ولكن لا يزال من الصعب تخيل وجود شخص يستخدم جهازاً لاعتراض البيانات المرسلة عبر الفاكس في عام 2018.

هناك أماكن لم تنته فيها موضة استخدام الفاكس على الإطلاق. يقول كوبرسميث: “يعتبر التراسل عبر الفاكس، على وجه الخصوص، تقنية شبكية. فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يستخدمونها، كلما أصبحت أكثر أهمية”. ففي اليابان مثلاً، يبدو أن أغلبية الناس لا زالوا يعتمدون على مراسلات الفاكس في إجراء جميع اتصالاتهم، فهي مهمة للغاية. وعلى الرغم من أن استخدامه يتعلق بالعادة في جانب منه، إلا أن جهاز الفاكس يقدم خدمات مثيرة للاهتمام، فهو يوفر طريقة للتواصل حتى عند انقطاع خطوط الإنترنت على سبيل المثال. ولا يقتصر استخدامه في المكاتب فقط، بل يستخدم أيضاً في المنازل، كجهاز واحد بوظيفتين، فهو فاكس مع هاتف ثابت.

Cat Fax GIF - Find & Share on GIPHY

كما هو حال موضة الشعر الكثيف والطويل، وتظليل العين باللون الأزرق، فإن جهاز الفاكس على الأرجح لن يستعيد مجده مرة أخرى كما كان في ثمانينيات القرن الماضي. فهذه التكنولوجيا تتلاشى ببطء مع تحول التواقيع الإلكترونية إلى معيار سائد، وأصبح استخدام الفاكسات الإلكترونية أكثر سهولة على الجيل الجديد من موظفي المكاتب، حيث يتم مسح الأوراق الفيزيائية ضوئياً وإرسالها بالبريد الإلكتروني على شكل ملفات بي دي إف.

ولكن كوبرسميث يعتبر أن هذا الكفاح أمر طبيعي في مسيرة هذه التكنولوجيا على وجه الخصوص. وأن وصول هذه الخدمة إلى مكانة بارزة استغرق وقتاً طويلاً للغاية. حيث يقول: “هل تعلم أن أول خدمة تجارية في فرنسا كانت في عام 1863، ولكنها استغرقت بعد ذلك نصف قرن حتى أصبحت مجدية، ثم احتاجت إلى نصف قرن آخر لتصبح ظاهرة عالمية كما نعرفها هذه”.

وبالمثل، فإن انحدارها قد بدأ منذ عقود، ولكن النهاية الحقيقية لها قد تستغرق وقتاً أطول بكثير.

error: Content is protected !!