Image

يساعد السواد الشديد بطريقة أو بأخرى في التمويه، والحماية من الحيوانات المفترسة.

Bread assortment النظر إلى الريش شديد السواد على هذا الطائر يشبه النظر إلى كهف مظلم. حقوق الصورة: ناتاشا بوكاس، منظمة المشاع الإبداعي

ما هو المشترك بين الطيور ومهندسي الطيران؟ كلاهما ابتكر أسطحاً شديدة السواد تمتص كل جزء ممكن من الضوء الذي يسقط عليها.

وبطبيعة الحال، فقد عمل العلماء على ابتكار هذه المواد. إن التطور هو الذي جلب هذه السمة المدهشة في الطيور. لقد قمنا، أنا وشريكتي في تأليف الكتاب تيريزا فيو، وزميلاي تود هارفي وريك بروم، بالبحث في الريش شديد السواد لبعض الحيوانات الأكثر غرابة على وجه الأرض: طيور الجنة.

يعود أصل هذه الطيور اللامعة إلى بابوا غينيا الجديدة والمناطق المحيطة بها. الذكور ملونة بألوان زاهية، ذات رقصات معقدة خاصة بالتزاوج. أما الإناث ذات اللون الداكن والبني، فتدقق بعناية بزينة ورقصات الذكور قبل اختيار شريكها.

أردنا أن نعرف المزيد عن الريش شديد السواد لهذه الطيور، وكيف يعمل؟ وما هي الآلية التي يستخدمها الريش ليكون فعالاً جداً في امتصاص الضوء؟

ذكر طائر الجنة الفاتن وهو يعرض ريشه شديد السواد ذا الزرقة اللامعة أمام إحدى الإناث.
حقوق الصورة: إد شولز، منظمة المشاع الإبداعي

أفخم أنواع الريش تحت المجهر

طورت طيور الجنة العديد من الصفات المميزة، ولكن لا شيء أكثر غموضاً من الريش الأسود المخملي عند ذكورها.

يبدو هذا السواد شديداً بحيث لا تستطيع عيناك التركيز على سطحه، فهو يبدو مثل كهف، أو حفرة سوداء غريبة في الفراغ. و باستخدام القياسات البصرية، وجدنا أن هذه الريشة تمتص حتى 99.95 في المائة من الضوء الساقط مباشرة. وهذا مشابه لمواد شديدة السواد من صنع الإنسان، مثل الألواح الشمسية، وبطانة التليسكوبات الفضائية، وحتى المادة الأشد سواداً المسماة “فانتابلاك” والتي تمتص 99.96 في المائة من الضوء.

على اليسار، ريشة سوداء طبيعية من طائر ميلامبيتا الأصغر. على اليمين، ريشة شديدة السواد من طائر الجنة المتسلح.
حقوق الصورة: داكوتا ماكوي، منظمة المشاع الإبداعي

الريش الطبيعي مسطح، ويبدو وكأنه كسيرات؛ وعند التكبير باستخدام المجهر، يبدو كل فرع من الريشة يشبه ريشة صغيرة مسطحة. وتحت المجهر الإلكتروني، كنا مندهشين لرؤية أن الريش شديد السواد يشبه الشعاب المرجانية المصغرة، أو فرشاة تنظيف العبوات الزجاجية، أو الأشجار ذات الأوراق المرتبطة ببعضها ضمن حزم محكمة.

تتجمع هذه الأجزاء الدقيقة ذات الشكل الخاص لتشكل سطحاً خشناً ومعقداً. وهي تعمل معاً عندما يحاصرها الضوء المجهري. وعندما تسقط أشعة الضوء على هذه التراكيب السطحية الدقيقة، فإنها تنتثر بشكل متكرر حول هذه الأشكال ويتم امتصاصها، بدلاً من أن تنعكس نحو من يبصرها. إنها عملية متكررة: ففي كل مرة يتم حدوث انتثار لأشعة الضوء، يتم امتصاص جزء من الضوء حتى يتم امتصاصه بشكل كامل.

تعتمد المواد شديدة السواد التي صنعها البشر أيضاً على ما يطلق عليه علماء المواد اسم الامتصاص التركيبي. وكما هو الحال مع الريش شديد السواد، فإن حصار الضوء لهذه المواد تحت المجهر يحدث بسبب السطح الخشن الذي يقوم بنثر الضوء بشكل متكرر، ولكن الأشكال الفعلية للسطح التي تستخدمها هذه المواد مختلفة. وبدلاً من أشكال الريش التي تشبه الفرشاة، فإن المهندسين البشريين قاموا بتصميم مخاريط وحفر مجهرية متباعدة بانتظام. ومع عدم وجود أي سطح مستوٍ معرّض، فإن هذه المواد التركيبية السوداء تعمل عكس عمل المرآة.

بسبب تراكيبها الدقيقة غير العادية، تظهر ريشة مأخوذة من طائر الجنة المتسلح شديدة السواد مغلفة بلون ذهبي (على اليمين)، مقارنة بريشة سوداء عادية (على اليسار)
حقوق الصورة: داكوتا ماكوي، منظمة المشاع الإبداعي

يعتبر الريش شديد السواد عند طائر الجنة جيداً جداً في امتصاص الضوء، بحيث يحافظ على مظهره الأسود حتى عندما نغلفه بمعدن ذهبي لامع. ويعود هذا لأن ما يصنع اللون  في الأصباغ أو البنى النانوية ليس داخل الريشة؛ وبدلاً من ذلك، وكما هو الحال مع السيليكون الأسود الذي صنعه الإنسان، فإن السواد الشديد يأتي من البنية المادية للسطح. وقد توصّل التطور وبراعة الإنسان إلى نفس الحل.

مزايا الريش شديد السواد

ولكن لماذا تملك هذه الطيور مثل هذه البقع شديدة السواد؟ ما هي الميزة الانتقائية التي تسببت في تطور هذه السمة؟ يساعد السواد الشديد بطريقة أو بأخرى في التمويه، والحماية من الحيوانات المفترسة. و تملك بعض الثعابين حراشف شديدة السواد تحاكي الظلال بين الأوراق، تساعدها على التماهي في أرض الغابات. ويوضح مثال الثعبان التطور عن طريق الاصطفاء الطبيعي – “البقاء للأصلح”.

ولكن عوامل أخرى يمكن أن تؤثر أيضاً على مسار التطور، بما في ذلك الفرصة العشوائية أو الاصطفاء الجنسي. وكما أشار زميلي ريك بروم في كتابه الجديد “تطور الجمال: كيف تحدد نظرية داروين المنسية في اختيار الشريك عالم الحيوان وعالمنا”، فإن اختيار الشريك هو قوة فعالة لدفع التطور. وفي طيور الجنة، يساعد الريش شديد السواد الطيور الذكور في أن تبدو أكثر جمالاً لعين الإناث.

وحتى نفهم كيف يحدث ذلك، فإن نظرة إلى رقصات التزاوج عند طيور الجنة ستساعدنا في ذلك. تعرض الذكور وبقوة بقعها شديدة السواد على الإناث، وهي على يقين أن الإناث لا يمكن أن تراها من الجانب. ويرجع ذلك إلى أن هذا الريش تتعلق رؤيته بالاتجاه إلى حد كبير، فهو يبدو أشد عتمة عند النظر إليه من الأمام مباشرة.

وتتوضع البقع شديدة السواد دائماً حول أو بجوار بقع الألوان الزاهية. ويجعل الإطار شديد السواد المضاد للانعكاس الألوان القريبة تبدو أكثر إشراقاً، وقد تبدو متوهجة. وبعبارة أخرى، السواد الشديد هو وهم بصري متطور يعتمد على الطريقة التي تعدّل بها عيون الحيوانات وأدمغتها ضبط تصوراتنا على أساس الضوء المحيط.

في لعبة اختيار الشريك المحفوفة بالمخاطر، قد تكفي ريشة واحدة ليست زرقاء تماماً لصرف اهتمام أنثى طائر الجنة. ومن الواضح أن إناث طيور الجنة تفضل الذكور ذات الريش شديد السواد. وعندما تختار الإناث الذكور الأكثر إثارة للإعجاب للتزاوج معها، فإن  جينات الريشة المبهرة يتم تمريرها إلى الأجيال القادمة، في حين أن جينات الذكور الأقل تميزاً، والتي تجاهلتها الإناث، لا يتم تمريرها. لقد دفع الاصطفاء الجنسي التطور نحو الريش شديد السواد.

التطور ليس عملية منتظمة ولا مترابطة منطقياً. ويمكن أن تلهم سباقات المزايا التطورية ابتكارات عظيمة. وقد يلهم هذا الريش شديد السواد بتراكيبه المجهرية الفريدة في صناعة ألواح شمسية أفضل، أو منسوجات جديدة تملكها الأجنحة شديدة السواد للفراشة بالفعل.

error: Content is protected !!