Reading Time: 4 minutes

من خلال هذا المقتطف من كتاب «حلم مندلييف: البحث عن العناصر»، يقوم الكاتب «بول ستراذرن» بوصف حالة الكيمياء في الأعوام التي مهدت لاختراع «ديميتري مندلييف» الجدول الدوري الحديث.

لم يخل عقد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من اكتشاف العديد من العناصر الكيميائية الجديدة، حيث أدت وفرة العناصر واتساع وتعدد خصائصها إلى إثارة أسئلة حول العدد الفعلي للعناصر، وهل تم اكتشاف غالبية العناصر بالفعل، أم ربما يكون للعناصر عدداً لانهائياً؟ فتحت هذه الأسئلة الباب لتكهنات حول ضرورة وجود ترتيب أساسي للعناصر.

اكتشف دالتون أن لذرات العناصر المختلفة أوزاناً مختلفة، لكن ربما كان الأمر أكبر من ذلك، فقد لاحظ «برزيليوس» أن العناصر تختلف في جذبها للإلكترونات. وبالمثل، ظهر أن هناك مجموعات للعناصر المختلفة تجمع بين العناصر ذات الخصائص المشتركة، مثل الفلزات التي تقاوم التآكل (الذهب، والفضة والبلاتين)، والفلزات القلوية القابلة للاشتعال (الصوديوم والبوتاسيوم)، والغازات التي لا لون لها ولا رائحة (الأكسجين والهيدروجين) وهكذا. وبقي السؤال هل هناك نمطاً جوهرياً خلف كل هذا؟

بيد أن الكيمياء قد وصلت لتلك المكانة العلمية وأحرزت النجاح تلو الأخر بشكلٍ أساسي من خلال التجارب، ولم يزد التفكير النظري على كونه محض تكهنات وتخمينات في أفضل الأحوال، فلم قد يكون هناك ترتيباً للعناصر؟ لم يكن هناك دليلاً يعضد تلك الأطروحة، ولكن كان هناك البحث عن ترتيب، كطبع في البشر قبل أن يكون شغفاً للعلماء، وبدأت التكهنات تجد الدعم، ولو من بقايا دليل.

جاء أول الغيث من «جوهان دوبرينير»، أستاذ الكيمياء في جامعة جينا والذي كان ذاتي التعلم، حيث كان والده يعمل سائق عربة، واستطاع دوبرينير الحصول على وظيفة صيدلي، كما واظب على حضور محاضرات محلية عن العلوم  بشكل دوري.

وفي العام 1829، لاحظ دوبرينير أن عنصر البروم المكتشف حديثاً، لديه من الصفات ما يجعله يقع في المنتصف بين عنصري الكلورين واليود، ليس ذلك فحسب، بل كذلك يقع وزنه الذري في المنتصف بالضبط بين العنصرين السابقين.

بدأ دوبرينير بعد ذلك في دراسة قائمة العناصر المعروفة، والمسجل بها الخصائص والأوزان الذرية لكل عنصر، ووجد مجموعتين أخرتين من العناصر بنفس النسق.

فقد جاء عنصر الاسترونتيوم في المنتصف بين الكالسيوم والباريوم (من حيث الوزن الذري، واللون، والخصائص والتفاعلية)، وبالمثل، يمكن وضع عنصر السيلينيوم بين عنصري الكبريت والتيلوريوم. لذا فقد أطلق دوبرينير على كل من هذه المجموعات اسم «الثلاثي»، ومن ثم بدأ بحثاً مستفيضاً عن العناصر على ذات النسق، لكنه لم يجد. وبدا أن قانون دوبرينير للثلاثيات لا ينطبق إلا على 9 عناصر فقط من أصل 54 عنصراً معروفاً. رفضت فرضيته هذه واعتبرت أنها محض صدفة.

استقر الأمر على هذا آنذاك، حيث ساد الاعتقاد أن الكيمياء عانت بما يكفي من النظريات الخاطئة (مثل نظرية العناصر الأربعة، ونظرية اللاهوب وغيرها)، والحل يكمن في التجارب.

استغرق الأمر ما يربو على 30 عاماً بعد قانون دوبرينير للثلاثيات لتبلور محاولة أخرى بارزة لاكتشاف النسق الذي يحكم العناصر. ولكن للأسف، ومع أن هذه المحاولة جاءت على يد عالم ألمعي، إلا أنه كان متمرداً وعنيداً.

ولد «ألكساندر-إميل بيغوييه دي شانورتوا» في باريس عام 1820، وأغرم بالجيولوجيا، ولم يقرر استخدام موهبته الكبيرة في الكيمياء إلا عندما بلغ الأربعينات من العمر. وفي العام 1862، كتب بحثاً عن فكرته العبقرية «برغي – Telluric»، والذي أظهر وجود نسق ما للعناصر المختلفة.

يتكون برغي من اسطوانة مرسوم عليها خطاً تنازلياً بشكل حلزوني، خط عليه دي شانورتوا العناصر المختلفة على فترات منتظمة وفقاً لوزنها الذري، حيث كان منجذباً لفكرة أن خصائص هذه العناصر تميل للتكرار عند قراءتها من خلال الأعمدة الرأسية للأسطوانة.

وبدا أنه بعد كل 16 وحدة من الوزن الذري، تميل العناصر لإظهار تماثلاً ملحوظاً مع العناصر التي تسبقها رأسياً على الأسطوانة، وبهذا تم نشر بحث دي شانورتوا، لكنه استخدم مصطلحات جيولوجية عند الحديث عن بعض العناصر، حتى أنه في مرحلة ما قدم رؤيته في دراسة الدلالات السحرية للأعداد.

ما زاد الطين بلة أن الناشرين رفضوا إضافة صورة أسطوانة دي شانورتوا، مما جعل بحثه عصياً على الفهم، إلا من القراء الذي يمتلكون المعلومة والإصرار على المعرفة.

هذا الموضوع اجتذب نوعاً معيناً من المفكرين العلميين ممن تعودوا على النقد. ففي العام 1864، جاء الكيميائي الشاب «جون نيولاندز» بنسق للعناصر خاص به دون الانتباه إلى الأبحاث التي قام بها دي شانورتوا.

ولد نيولاندز في لندن عام 1837؛ وكان والده وزيراً للمشيخ الاسكتلندي. اكتشف نيولاندز أنه إذا قام بترتيب العناصر بشكل تصاعدي وفق أوزانهم الذرية، على شكل 7 خطوط رأسية، فإن خصائص العناصر بحذاء الخطوط العرضية المقابلة تكون متماثلة بشكل ملحوظ.   

أو كما شرحها نيولاندز: «بتعبير آخر، يمثل العنصر الثامن نوع من أنواع التكرار للعنصر الأول، تماماً مثل النغمة الثامنة في المقطوعة الموسيقية»، ومن ثم سمي القانون «قانون الأوكتاف» حيث تعني كلمة «octave» باللغة الإنجليزية: المسافة بين نغمتين موسيقيتين تفصل بينهما 8 نغمات.

جاء في القائمة المجدولة عنصر الصوديوم الفلز القلوي (يحتل المرتبة السادسة بين العناصر من حيث الثقل) أفقياً بجانب البوتاسيوم الذي يشبهه كثيراً (ويحتل المرتبة الثالثة عشر بين العناصر من حيث الثقل)، وبالمثل، عنصر الماغنسيوم (العنصر العاشر) يوجد بجانب الكالسيوم (العنصر السابع عشر). توسع نيولاندز بعد ذلك في جدوله ليضم جميع العناصر المعروفة، ووجد أن الهالوجينات كالكلورين (العنصر الخامس عشر) والبروم (العنصر التاسع والعشرين) واليود (العنصر الثاني والأربعون)، لديها خصائص متشابهة بشكل متدرج؛ وتقع جميعها على نفس الخط الأفقي.

وبينما أظهر مثلث عناصر الماغنسيوم (العنصر العاشر)، والسيلينيوم (العنصر الثاني عشر)، والكبريت (العنصر الرابع عشر) أيضاً خصائص متشابهة للعناصر بشكل متدرج. وقعت هذه العناصر في نفس الخط الرأسي وليس الأفقي. وبشكل أخر، بدا قانون الأوكتاف يضم تشابهات متفرقة تم ملاحظتها في قانون دوبرينير للثلاثيات.  

لكن حتى مع وجود سقطات لقانون نيولاندز المجدول، مثل أن بعض العناصر، لاسيما ذات الأوزان الذرية الكبيرة لم تتوافق مع النسق المقترح؛ ما يزال قانون الأوكتاف يشكل فرقاً عما سبقه، ويعد نقلة كبيرة للأمام، بل إن الكثيرين يعدونه الآن كأول دليل ملموس على وجود نسق شامل للعناصر.

قدم نيولاندز نتائجه إلى الجمعية الكيميائية في لندن في العام 1865، ولكن يبدو أن أفكاره كانت سابقة على هذا الزمن، إذ قوبل قانون الأوكتاف بالاستهجان، وفي معرض السخرية العامة التي قوبل بها، سأله أحدهم إذا ما حاول ترتيب العناصر أبجدياً؛ ولم يتم الاعتراف بإنجاز نيولاندز إلا بعد نحو ربع قرن عندما قررت الجمعية الملكية منحه وسام ديفي عام 1887.

وبهذا يتبين أن أكثر من عالم كان وراء اكتشاف الجدول الدوري، فبينما كشف دوبرينير التشابه بين مجموعات متفرقة من العناصر، أدرك دي شانورتوا أن هناك نسقاً معيناً للخصائص المتكررة، ثم جاء نيولاندز ليتوسع في هذا النسق ويضمنه مجموعات دوبرينير. بيد أن قانون الأوكتاف لم يستطع حل المشكلة، ويرجع هذا إلى عدة أسباب، منها الخطأ المعاصر في تقدير الأوزان الذرية، وأن نيولاندز لم يترك مساحة للعناصر التي لم تكتشف بعد؛ بالإضافة إلى جمود نظام الأوكتاف وعدم مرونته.  

كانت الصورة تزداد وضوحاً مع الوقت، لتؤكد وجود نسق ما للعناصر، لكن ظلت الإجابة معقدة، فلقد بدت الكيمياء قريبة من رؤية مخطط العناصر التي يُبنى عليها علم الكيمياء ككل.

ويبقى السؤال، هل يمكن كما وضع إقليدس اللبنة الأولى لعلم الهندسة الرياضية، واستطاعت جاذبية نيوتن وصف العالم من زاوية الفيزياء، وشرح دارون تطور الأنواع- أن تكشف الكيمياء الآن السر وراء تنوع المادة؟ فلربما يكمن هنا حجر الزاوية الذي قد يستطيع توحيد المعرفة العلمية.

من كتاب «حلم مندلييف» والذي كتبه بول ستراذرن. تم إعادة النشر بإذن من كتب بيجاسوس.