Reading Time: 3 minutes

يستمر فيروس كورونا المستجد بالانتشار في أرجاء العالم، حيث يستمر الإبلاغ عن حالاتٍ جديدة طوال الوقت. وبنفس سرعة انتشار اعراض فيروس كورونا الجديد؛ تنتشر العديد من نظريات المؤامرة التي تزعم أنّ هناك قوى المسؤولة عن نشر الفيروس لديها «مخطّطات شريرة». يُظهر بحثنا في نظريات المؤامرة الطبية أن ذلك قد يكون خطراً على المجتمعات بنفس خطورة تفشي المرض نفسه.

تقترح إحدى نظريات المؤامرة أن فيروس كورونا المستجد هو في الواقع سلاح بيولوجي صممته وكالة المخابرات المركزية؛ كوسيلة لشن حرب على الصين. بينما البعض الآخر مقتنعٌ بأن حكومتي المملكة المتحدة والولايات المتحدة نشرتا الفيروس كوسيلةٍ لكسب المال من خلال ابتكار لقاحٍ محتملٍ له، ومن ثمّ بيعه للعالم.

وبالرغم من أن العديد من نظريات المؤامرة تبدو صعبة التصديق، خصوصاً فيما يتعلّق بالمؤامرات الصحية، إلا أن الاعتقاد بأن قوى الشر تتبع خطةً سرية بهدف تحقيق أهدافها؛ منتشرٌ في كل المجتمعات. فقد بيّن مسحٌ شامل أجرته مؤسسة «يوجوف» عام 2019، والتي تُعنى بأبحاث الأسواق، أنّ 16% من المشاركين في إسبانيا يعتقدون أنّ فيروس نقص المناعة البشرية تم إنشاؤه ونشره في جميع أنحاء العالم عن قصد، وأنّ من قام يذلك هم مجموعة أو منظمة سرية. بينما أظهر الاستطلاع أن 27% من الفرنسيين، و12% من البريطانيين مقتنعين بحقيقة الآثار الضارة للقاحات التي يتم إخفاؤها عن عمد من الجمهور.

يمثل انتشار الأخبار المزيفة، ونظريات المؤامرة حول فيروس كورونا مشكلة كبيرة؛ دفعت منظمة الصحة العالمية إلى إنشاء صفحةٍ على الإنترنت لدحض مزاعم هذه المؤامرات، وتثقيف الناس بالمعلومات الصحيحة.

انتشار نظريات المؤامرة

تظهر الأبحاث أن الميل لانتشار نظريات المؤامرة يزداد في أوقات الأزمات في المجتمع؛ مثل الهجمات الإرهابية أو التغيرات السياسية السريعة أو الأزمة الاقتصادية. كما تزدهر هذه النظريات في أوقات الشك، والتهديد المحتمل، حيث يسعى الناس لتفسير الفوضى التي تحدث في العالم. هذه الظروف مماثلة تماماً لظروف تفشّي فيروس كورونا، مما يفسّر الانتشار الكبير لنظريات المؤامرة المتعلّقة به.

وقد حدثت حالات مماثلة مع تفشي فيروس زيكا عامي 2015 و 2016. فقد اقترحت نظريات المؤامرة حينها أن فيروس زيكا كان سلاحاً بيولوجياً وليس حدثاً طبيعياً. ووجدت الأبحاث التي تناولت التعليقات على موقع «ريديت» أثناء تفشي فيروس زيكا أن نظريات المؤامرة ظهرت كطريقة يتعامل من خلالها الناس مع حالة الشك الشديدة التي شعروا بها.

في الواقع، يجب الوثوق في توصيات المختصين والمنظمات الصحية للتعامل مع أيّ أزمةٍ صحية. لكّن المؤمنين بنظرية المؤامرة لا يثقون مطلقاً بالمجموعات التي يعتبرونها -أو يتصورون أنها- المسؤولة عن الأزمات. هذه المجموعات تشمل المدراء والسياسيون وشركات الأدوية. وبالتالي، إذا كان قسمٌ من الناس لا يثقون بهذه المراجع، فمن غير المرجّح أن يتّبعوا النصائح الطبية.

أظهر الباحثون أن نظريات المؤامرة المتعلّقة بالصحّة يمكن أن تزيد مستوى عدم الثقة في السلطات الطبية ونصائحها، مما قد يؤثر على رغبة الناس في حماية أنفسهم. فالأشخاص الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة الطبية؛ هم أقل عرضة للتطعيم، أو استخدام المضادات الحيوية، ويتناولون المكملات العشبية أو الفيتامينات بشكلٍ أكبر. بالإضافة إلى ذلك، يثق أغلب هؤلاء بالنصائح الطبية التي يدلي بها غير المحترفين؛ مثل الأصدقاء والعائلة.

عواقب وخيمة

في ضوء هذه النتائج، قد لا يستجيب المؤمنون بنظريات المؤامرة حول فيروس كورونا للنصائح المقدمة لتقليل احتمال الإصابة بالفيروس، مثل غسل اليدين جيداً بعد كل استخدام بالماء والصابون، أو بالكحول، أو القيام بالعزل الذاتي بعد زيارة المناطق الموبوءة بالفيروس.

بدلاً من ذلك، قد يميل هؤلاء الأشخاص أكثر إلى اتخاذ مواقف سلبية تجاه السلوك الوقائي، أو استخدام بدائل علاجية خطيرة، وذلك من شأنه أن يزيد من احتمال انتشار الفيروس، ويعرض المزيد من الناس للخطر.

لقد بتنا نشهد بالفعل، في الوقت الحالي، طرقاً بديلة لعلاج فيروس كورونا، وبعضها خطيرٌ للغاية. على سبيل المثال، هناك نظرية شهيرة تدعى «كيو أنون»، وهي نظرية مؤامرة من ابتداع اليمين الأميركي المتطرف، تدّعي أن هناك خطة سرية مزعومة لما يُسمّى «الدولة العميقة» ضدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأنصاره. يدّعى المؤمنون والمروجون لها بأنّ «الدولة العميقة» هي من خططت لنشر فيروس كورونا، وأنه من الممكن درء خطر الفيروس من خلال شربِ محاليل التنظيف (الكلور).

كما يمكن أن يكون لانتشار نظريات المؤامرة الطبية عواقب وخيمة على قطاعاتٍ أخرى من المجتمع. على سبيل المثال، وأثناء فترة «الموت الأسود في أوروبا»، أُتهم اليهود بأنّهم هم المسؤولون عن انتشار هذا الوباء. مما أدّى لحدوث العديد من الهجمات العنيفة عليهم، وارتكاب مذابح ضدهم في عموم أوروبا. وبالمثل، وعلى مستوى العالم، أدّى تفشي فيروس كورونا إلى زيادة الهجمات العنصرية التي استهدفت بشكلٍ أساسي؛ الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم من أصولٍ شرق آسيوية.

من الممكن التدخل ووقف انتشار نظريات المؤامرة. تُظهر الأبحاث أن الحملات التي تدحض نظريات المؤامرة الطبية من المرجح أن تحقق بعض النجاح في تصحيح معتقدات المؤامرة السائدة. على سبيل المثال، أثبتت بعض الألعاب -مثل لعبة «باد نيوز»، والتي يلعب بها الشخص دور المروّج أو المنتج للأخبار المفبركة-؛ أنها قد تعمل على تحسين قدرات الأشخاص في التمييز بين المعلومات الخاطئة والصحيحة، وبالتالي محاربتها.

في الواقع، نظريات المؤامرة يمكن أن تكون ضارة للغاية للمجتمع. فهي لا تؤثر فقط على الخيارات الصحية للأشخاص، بل يمكنها أن تتدخل في كيفية تواصل الناس في مجتمعات مختلفة وارتباطها ببعضها البعض، وزيادة العداء والعنف تجاه أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم «المتآمرون». لذلك، وبالإضافة إلى العمل على مكافحة انتشار فيروس كورونا، يجب على الحكومات أيضاً العمل على مكافحة نظريات المؤامرة، والمعلومات المُضللة المتعلقة بالفيروس.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن