Reading Time: 4 minutes

هل أول ما تلجأ إليه عند شعورك بالتوتر الشديد أو الحزن هو كوب من الآيس كريم، أو وجبة سريعة متخمة بمختلف أنواع الدهون والجبن؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت لست الوحيد، بل هو سلوك شائع لدى كثيرين، ويطلق عليه “الأكل العاطفي”، أي الأكل المرتبط بالحالة العاطفية، أو المزاجية للشخص، لا بشعوره بالجوع الحقيقي من عدمه، وعادةً ما يلحقه شعور بالندم والذنب، وهكذا يظل الأمر يتكرر فيما يشبه الحلقة المفرغة.

 

ما الذي يدفعنا إلى الأكل العاطفي؟

 

تشترك عوامل نفسية وجسدية في الدفع إلى الأكل العاطفي، ولا يمكن فصلهما عن بعض. من أهم مسببات الأكل العاطفي التوتر، والمشاعر السلبية القوية. في حالة الأكل العاطفي، يرى الشخص الأكل كوسيلة دفاع يستخدمها في قمع مشاعره السيئة أو تهدئتها أو تشتيتها، سواء كانت توتر، أو خوف، أو غضب، أو حزن، أو شعور بالوحدة، أو الملل. 

 

يرجع سبب فشل أغلب محاولات إنقاص الوزن بنسبة كبيرة إلى الأكل العاطفي، الذي يظهر كحل للخروج مما تسببه الحياة اليومية ومشاكلها من ضغوطات مصحوبة بمشاعر سلبية. ومن هذه الضغوطات  المشكلات العاطفية أو المرتبطة بالعلاقات الإنسانية، والعمل وما يتبعه من الضغوطات الأخرى، والشعور بالتعب الشديد، والضغوط المالية، والمشكلات الصحية

 

في حالة الأكل العاطفي، ترتبط العادات الغذائية بالحالة المزاجية لبعض الأشخاص ارتباطاً وثيقاً، فعندما يواجه أحدهم أي ضغط من الضغوطات المذكورة أعلاه، فإنه يبحث عن وجبة طعام ليتناولها بشكل أوتوماتيكي. وقتها يكون الطعام أسرع الحلول، وأكثرها راحة من وجهة نظره، دون أخذ وقت للتفكير فيما يتناوله، أو ما يحققه له من شعورٍ بالاستمتاع. يمكن لتناول الطعام كذلك أن يكون بمثابة وسيلة إلهاء، في حالة الشعور بالقلق تجاه موقف ما، مثل اختبار مهم قريب، أو مشكلة كبيرة قائمة في العمل.

 

مهما كانت المشاعر التي تدفع بعضنا إلى الإفراط في تناول الطعام، فغالباً تظل النتيجة النهائية واحدة. فأولاً، تعود المشاعر السلبية للظهور من جديد لأن التأثير الذي ينتج من الأكل العاطفي مؤقت. ثانياً، عادةً ما يتبع الأمر عبء إضافي متمثل في الشعور بالذنب، والندم على الفشل في إنقاص الوزن، إن كان هدفاً مرغوباً في تحقيقه. 

 

تكمن المشكلة الأكبر في دخولنا بدائرة مفرغة غير صحية من تناول الطعام بدافع عاطفي، ثم الشعور براحة مؤقتة تزول لتعود بعدها المشاعر السلبية مرة أخرى ليتبعها الشعور بالذنب، لنرجع نأكل مرة أخرى للخروج من الضغط الذي نشعر به، وهكذا. 

 

على جانب آخر، لا يرتبط الأكل العاطفي بالمشاعر السلبية ومحاولة التخلص منها دائماً. إذ يميل العديد من الناس إلى مكافأة أنفسهم عند تحقيق إنجازٍ ما، أو النجاح في اجتياز اختبار، أو الاحتفال بمناسبة سعيدة بوجبة طعام شهية، أو الحصول على تحليتهم المفضلة. بالإضافة إلى التأثير الاجتماعي الذي لا يمكننا إغفاله، والمرتبط بتجمعات الأصدقاء أو الأهل، التي عادةً ما ترتبط بمشاركة مختلف أصناف الطعام، وعدم الانتباه إلى كمية ما نأكله أو التوقف عند الشعور بالشبع.

 

 

كذلك، يرتبط الأكل العاطفي كسلوك مكتسب بعادات الطفولة في بعض الأحيان. الربط الشرطي الذي خلقه عقلك بين حصولك وأنت طفل على درجات عالية في مادة ما، ومكافأة والدك بشراء النوع المفضل لديك من الآيس كريم، أو ذهاب الأسرة لتناول البيتزا بعد نجاحك أنت وأخواتك في اجتياز امتحانات آخر العام بتفوق. يخلق هذا الأمر لديك وأنت بالغ نوع من الحنين لذكريات الماضي، والرغبة في تكرار الأمر للحصول على نفس الشعور بالسعادة.

 

التوتر والهرمونات والأكل العاطفي

 

يرتبط الشعور بالتوتر بإفراز الجسم لهرمون الكورتيزول الذي يفتح الشهية ويدفع الجسم إلى الأكل. لا يقتصر الأمر على ذلك، بل يؤثر الكورتيزول بالإضافة إلى هرمون الجريلين، أو ما يعرف بهرمون الجوع، ومستويات الأنسولين المرتفعة في تفضيلاتنا للطعام، فتدفعنا إلى تناول الأطعمة الغنية بالسكريات أو الدهون أو كليهما. 

 

تعمل هذه الأطعمة الدسمة والغنية بالسكر على تقليل حدة ردود الفعل والمشاعر المرتبطة بالتوتر، لذا يراها بعضهم أطعمة «مريحة» لتقليلها آثار التوتر، ما يفسر الرغبة الشديدة فيها عند الشعور بالتوتر، بصرف النظر عن حالة الجسد، وشعوره بالجوع من عدمه.

 

 

كيف يمكن التغلب على الأكل العاطفي؟

إذا كان بعضنا يجد الطعام منفذاً للتخلص من توتره، أو وسيلة لتهدئة مشاعره السلبية، فربما الحل يكمن في البحث عن طرق جديدة للسيطرة على هذه المشاعر السلبية والتوتر، حل لا يتبعه بالضرورة الشعور بالذنب وبقاء الأمر على حاله. الأمر لن يكون سهلاً بالطبع، وسيتخذ وقتاً حتى يتعود عقلنا على التوجه إلى حلول أخرى، بدلاً من الطعام كاختيار أول. سيختلف الأمر من شخص إلى آخر، لذا عليك تجربة أنشطة متعددة ومتنوعة حتى تجد الأكثر راحة لك.

 

لكن أول خطوة يجب الانتباه لها، هي إعطاء الجسم ما يحتاج إليه من طعام. دخول الجسم في حالة حرمان أو جوع، يضعه فريسة للأكل العاطفي، خصوصاً في الأوقات المصحوبة بمشاعر سلبية. لذا ينبغي الحرص على تناول كميات مشبعة من الطعام الصحي. 

 

أيضاً يفضل الحصول على وجبات خفيفة صحية بين الوجبات الرئيسية، على أن تتنوع فيها أصناف الطعام ما بين الفواكه أو الخضراوات أو المكسرات بكميات معقولة أو الفشار والترمس. يمكن أيضاً طهي الوجبات بطرق مختلفة، أو بمكونات مختلفة ذات سعرات حرارية منخفضة.

 

بعدها يمكن الانتقال إلى الأنشطة الأخرى التي تساعد على تفريغ مشاعر التوتر، والسيطرة عليها ومنها:

 

  1. الكتابة في دفتر يوميات تعبرون فيه عن مشاعركم بحرية، مثلما يمكن تخصيص دفتر يوميات خاص بالطعام، بحيث يشمل نوع الأكل، ومقداره، ومواعيده، وحالة الشعور والإحساس حينها؟ بالإضافة إلى موعد الإحساس بالجوع، فقد يساعد ذلك بمرور الوقت على كشف العلاقة بين الحالة المزاجية والطعام.
  2. ممارسة أنشطة يمكنها الحد من التوتر، مثل اليوغا والتأمل والتنفس العميق. كما يجد بعضهم في ممارسة التمرينات الرياضية، والذهاب إلى صالات الألعاب الرياضية متنفس عظيم. بينما يكتفي آخرون بتمشية خفيفة في مربعهم السكني.
  3. محاربة الملل والشعور بالفراغ، فيمكن مشاهدة فيلم، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو الخروج لمقابلة صديق، أو قراءة كتاب، أو القيام بأي نشاط بدني مثل المذكور في النقطة السابقة. أهم ما في الأمر هو أن تشغل وقتك حتى لا تأكل بدافع الملل، وملء فراغ الوقت لا المعدة.
  4. الابتعاج عن المغريات. حتى لا تصعب الأمر على نفسك، سواء في محاولاتك لإنقاص الوزن أو محاربة الأكل العاطفي، احرص على أن تكون ثلاجتك فارغة من الأكلات غير الصحية، والحلويات الغنية بكميات عظيمة من السكر، التي تشتهيها في لحظات الضعف.

إذا جربت الخيارات السابقة، وشعرت أنك لا زلت غير قادر على السيطرة على التحكم في تناولك للطعام وفقاً لحالتك المزاجية، عليك أن تذهب لرؤية أخصائي نفسي يمكنه أن يساعدك في فهم سبب سلوك الأكل العاطفي لديك، وتعلم مهارات للسيطرة عليه. كما يمكن للأخصائي النفسي أن يساعدك في اكتشاف ما إذا كنت تعاني من أحد اضطرابات الطعام، والتي يمكن أن ترتبط بالأكل العاطفي.