Image

لماذا يُعد الجلوتين مادة ضارة عند بعض الأشخاص؟ وكيف يعمل العلماء على مواجهة ذلك التحدي؟

Bread assortment موجات من الألم الشديد يمكن للجلوتين الموجود في القمح وأنواع أخرى من الحبوب، والمكوّن من عدة بروتينات، أن يُسبب مشاكل معدية خطيرة للمرضى المصابين بالداء الزلاقي أو الحساسية للقمح غير الزلاقية.

 


يواجه البعض تحدياً خطيراً في متاجر الأغذية، يكون لهم بمثابة سلاح إسهال شامل! واسم ذلك التحدي: الجلوتين!

الجلوتين هو مزيج من البروتينات التي تُوجد بشكل رئيسي في القمح، كما يمكن أن توجد أيضاً في الشعير والذرة والشوفان. يدخل الجلوتين في تركيب العديد من أصناف الخبز والمعكرونة وحبوب الإفطار والشعيرية وخبز التورتيلا وشراب الشعير. ويشكل هذا الانتشار الواسع للجلوتين مشكلةً وهاجساً لملايين البشر (حوالي 1 في المائة من تعداد السكان العام) الذين يعانون من حالة الداء الزلاقي، وهو مرض مناعي ذاتي، يُحرض الجلوتين فيه الجسم على مهاجمة الأمعاء الدقيقة. كما يُعاني عدد أكبر من الناس (حوالي 5 في المائة من تعداد السكان العام) من حالة تُعرف باسم حساسية القمح غير الزلاقية، وفيها يلعب الجلوتين دوراً في إثارة أعراض شبيهة بأعراض الداء الزلاقي، مثل الألم المعدي والإسهال والاكتئاب. ولجميع هؤلاء يُعد الجلوتين بمثابة قنبلة معوية، في حين أنه لا يُسبب أية مشاكل عند باقي الأشخاص. وسنأتي على أسباب وتفصيل ذلك في الأسطر القادمة.

تُشير الإحصائيات إلى أن ثلث المواطنين الأمريكيين تقريباً يتجنبون تناول الجلوتين. وفي حين أن بعضهم يفعل ذلك بهدف خسارة الوزن، فإن بعضهم الآخر يفعله على سبيل “الموضة” أو “الصرعة”. من الجدير ذكره بأن الأطعمة الخالية من الجلوتين غالباً ما تكون عديمة النكهة، وذلك لأن الجلوتين هو أحد أهم مكونات الخبز التي تمنحه القوام الطري، وإن خلو الخبز من الجلوتين سوف يجعل قوامه سميكاً وذا طعم غير محبب.

وقد قام بعض العلماء الإيطاليين مؤخراً بابتكار طريقة جديدة استخدموا فيها البكتريا الشرهة للجلوتين لانتزاع هذا العنصر بشكل كامل من الخبز، وبالتالي إنتاج خبز خالٍ من الجلوتين وذو قوام جيد ونكهة لذيذة. ومن المتوقع أن تلاقي هذه الطريقة قبولاً عند مرضى الداء الزلاقي والأشخاص الذي يشكون من أعراضه دون أن يكونوا مصابين به، بالإضافة إلى ملايين الأشخاص الذين يتجنبون الجلوتين اختيارياً.

تماماً كالصمغ! اشتقت كلمة جلوتين من الأصل اللاتيني glue والذي يعني الصمغ. ويستخدم نباتُ القمح مادةَ الجلوتين لتخزين الكربون والنتروجين. وعندما ترتبط البروتينات ببعضها فإنها تُشكل معقداً قابل للتمطط، تماماً كما هو الحال في بروتينات الأوتار أو خيوط العنكبوت.


ما هو الجلوتين؟

الجلوتين هو مجموعة من البروتينات المرنة التي تُشكل عند ارتباطها مع بعضها البعض مُعقداً قابلاً للتمطط، تماماً كما هو الحال في الأوتار وخيطان شباك العناكب. فعند مزج الطحين مع الماء وعجنه، يمنح الجلوتين العجين قواماً مرناً.

يستخدم الخبازون الجلوتين كعنصر مساعد في إنتاج الخبز. حيث تُضاف الخميرة (عضويات وحيدة الخلية) إلى طحين القمح فتستهلك السكر عن طريق عملية التخمير، ما يؤدي إلى انطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون بشكل فقاعات. تلتقط العجينة فقاعات الغاز وترتفع معها مما يؤدي إلى تشكل شبكة من الجيوب الهوائية المدعومة بالهيكل الجلوتيني المرن. وعند وضع العجين في الفرن تتصلب البروتينات الجلوتينية في مكانها ويأخذ العجين قواماً هشاً. ولمعاينة ذلك، جرب أن تقطع أي رغيف خبز فرنسي (صامولي) وستجد آثار فقاعات الغاز ودور الجلوتين في جعل الخبز متماسكاً ومترابطاً.

قنبلة الخبازين الغازية! يستخدم الخبازون الجلوتين كعنصر مساعد في صناعة الخبز، حيث يمنح الجلوتين الخبزَ قوامه الطري والهش. قم بتقطيع رغيف الخبز الفرنسي وستلاحظ أثر الفقاعات الغازية بداخله، ودور الجلوتين في منح ذلك القوام الهش تماسكه.

 


يبدو ذلك شهياً! إذن ما مشكلة الجلوتين؟

بالنسبة لمعظم الناس، لا توجد مشكلة معه. ولكن بالنسبة لمرضى الداء الزلاقي فإن الجلوتين يُثير استجابة الجهاز المناعي ويحفزه على مهاجمة الزغابات المعوية (نتوءات إصبعية تُبطن جدار الأمعاء الدقيقة)، ما يؤدي إلى ظهور أعراض معدية معوية مثل النفخة والإسهال، وهو ما قد يعيق قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية المهمة في الطعام، مثل الفيتامينات والبروتينات والسكاكر وغيرها من المواد المغذية، كما قد يؤدي إلى مخاطر على المدى الطويل مثل سرطان الأمعاء والسكري.

من جهة أخرى، قد يشكو بعض الناس من الحساسية تجاه القمح، وهو ما يُطلق عليه اسم حساسية القمح غير الزلاقية. وقد أظهرت دراسة سابقة بأن بعض الأشخاص قد يعانون من استجابة مناعية تجاه القمح مشابهة لتلك التي تحدث في سياق الإصابة بالداء الزلاقي، على الرغم من أن نتائج الفحوص المخبرية تثبت عدم إصابتهم بالداء الزلاقي. وعلى الرغم من أن مُعدي الدراسة لم يُلقوا باللوم على الجلوتين تحديداً، إلا أن الكثيرين لا يزالون يُطلقون على الحالة اسم “الحساسية تجاه الجلوتين غير الزلاقية”. جرى نشر نتائج الدراسة المذكورة في مجلة الأمعاء Gut في صيف 2016.

استجابة الأمعاء للجلوتين:  يثير الجلوتين استجابة مناعية في الجسم ويُحرض الجهاز المناعي على مهاجمة الزغابات المعوية، وهي بروزات إصبعية تبطن جدار الأمعاء، مما يؤدي إلى الإصابة بنفخة وإسهال وغيرها من الأعراض. يمكن للضرر الناجم عن هذه الحالة أن يعيق قدرة الجسم على امتصاص المواد المغذية من الأطعمة مثل البروتينات والفيتامينات والسكريات وغيرها.

 


لم لا يستهلك هؤلاء المرضى خبزاً خالياً من القمح ولا بد أن يعتادوا عليه مع مرور الوقت؟

بإمكانهم فعل ذلك، وهو ما يفعلونه حقاً. ولكن الخبز سيكون كثيفاً بشكل غير مقبول وسيكون مضغه أشبه بمضغ كعكة جافة، وذلك لأن تحضير الخبز بدون الجلوتين سيكون أشبه ببناء منزل بدون اسمنت. وتتطلب وصفات تحضير الخبز الخالي من الجلوتين مزج مقادير دقيقة من الطحين الخالي من القمح للحصول على النكهة المطلوبة، وإضافة مواد معينة للحصول على القوام المناسب.

تُنتج بعض الشركات مثل شركة فري بريد Free Bread خبزاً نباتياً خالياً من الجلوتين باستخدام الدَخن والأرز والذرة البيضاء (السرغوم) وغيرها من الحبوب لتعويض نكهة القمح. أما القوام المتماسك فيأتي من صمغ الزنتان، وهو مادة غذائية تُنتجها بكتريا يُطلق عليها اسم المُصفرّة المرجية Xanthomonas campestrics والتي تقوم بربط مكونات الطحين مع بعضها البعض. تكون العجينة النهائية لينة القوام (مثل كريمة الزبدة)، ولذا فهي بحاجة لأن توضع في وعاء مستطيل في أثناء الخبز لإعطائها الشكل المطلوب. ويبدو الخبز بشكله النهائي ذا قوام متماسك مثل الكيك أو الكاتو، ويتمتع في الوقت ذاته بطعم رائع مثل شرائح خبز التورتيلا المُصنع من حبوب متنوعة.

تقول كارين فرير، مديرة ومؤسِّسة شركة فري بريد: “لا شك بأننا نواجه عدة تحديات في صناعة هذا النوع من الخبز. فعلى سبيل الثمال إذا أهملنا وضع صمغ الزنتان في الخليط فسنحصل على حساء الخبز بدلاً من الخبز! كما إن كثرة مكونات هذا النوع من الخبز التي تصل إلى عشرين مُكوناً تجعل منه منتجاً أبهظ ثمناً من الخبز التقليدي الذي يدخل في تركيبه 5 مكونات على الأكثر”.

هل ازدادت معدلات الإصابة بعدم تحمل الجلوتين في أيامنا مقارنةً مع ما كان عليه الحال سابقاً؟

في الحقيقة يبدو بأن معدلات الإصابة بعدم تحمل الجلوتين آخذة بالازدياد دون أن يُدرك العلماء سبب ذلك. يقول الدكتور أليسو فاسانو، مدير مركز أبحاث وعلاج الداء الزلاقي بمستشفى ماساتشوستس: “من المحتمل أن ذلك يعود إلى تبدل العادات الغذائية واعتماد الناس أكثر على الأطعمة المعالجة، وبالتالي فإن أجسامنا وما تحتويه من بكتريا معوية لم تأخذ الوقت الكافي لكي تتأقلم مع تلك التبدلات الغذائية”.

ولعل التركيز على الجلوتين والمرضى المصابين بالداء الزلاقي قد دفع الكثير من الناس لتجنب المنتجات الحاوية على الجلوتين. إذ تشير الإحصائيات إلى أن ما يقرب من 30 في المائة من الأمريكيين يتبعون أنظمة غذائية خالية من الجلوتين، على الرغم من أنهم ليسوا جميعاً مصابين بالداء الزلاقي. وقد يأخذ الأمر شكل الصرعة أو الموضة، بحسب ما أفاد به خبراء في مؤسسة الداء الزلاقي الأمريكية.

وماذا عن هذه الطريقة الجديدة في تحضير الخبز الخالي من الجلوتين؟ هل هي مجدية حقاً؟

يبذل علماء إيطاليون قصارى جهدهم لإنتاج خبز مصنوع من القمح ولكنه خالٍ من الجلوتين، وذلك عن طريق إضافة بكتريا لبنية، مشابهة لتلك التي تمنح العجينة المختمرة طعمها المميز، تتغذى على الجلوتين فقط دون أن تمس أياً من المواد الغذائية الموجودة في العجين. وفي شهر سبتمبر من العام الماضي أفاد العلماء بأن هذا الخبز الجديد يبدو مشابهاً في طعمه وقوامه للخبز التقليدي، مع احتوائه في الوقت ذاته على مكونات أكثر من الخبز التقليدي، وذلك بهدف استعادة القوام المفقود بسبب غياب الجلوتين. نشر هؤلاء الباحثون نتائج دراستهم مؤخراً في مجلة علوم الغذاء Food Science.

إلا أن بعض خبراء التغذية، مثل الدكتور جيف هيرتزبيرغ، الذي شارك في تأليف كتاب خُبز الخباز الماهر الخالي من الجلوتين في خمس دقائق يومياً Gluten-Free Artisan Bread in Five Minutes a Day وكتاب الخُبز الصحي الجديد في خمس دقائق يومياً The New Healthy Bread in Five Minutes a Day لم يُبدِ رغبةً باعتماد هذا النوع الجديد من الخبز لمرضى الداء الزلاقي، وقال: “لست متأكداً ما إذا كانت الوصفة الجديدة هي غاية المنى، كما إننا لا نمتلك أدلة كافية على أن مرضى الداء الزلاقي بإمكانهم استهلاك هذا النوع من الخبز بشكل آمن تماماً”.

error: Content is protected !!