Reading Time: 4 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»

«سلسلة أطفال فضوليون»

ما هو مثلث برمودا؟ ولماذا يُعتبر خطيراً؟ سؤال ورد من الطفل «أديلاي»، 13 سنة من باترسون، نيو ساوث ويلز.


مرحباً أديلاي. شكراً لك على سؤالك الرائع.

بدأت قصة ما نسميه «مثلث برمودا» في الواقع منذ 56 عاماً، في عام 1964. كان أول من استخدم هذا الاسم لأول مرة هو المؤلف الأميركي «فنسنت جاديس» في دورية «أرجوسي» لوصف منطقةٍ على شكل مثلثٍ تقع في المحيط الأطلسي قبالة سواحل فلوريدا. سمّيت المنطقة باسم «مثلث الشيطان»، وتناولتها آلاف الأفلام والكتب والأفلام الوثائقية المشهورة. ولكن لماذا كلّ هذا الاهتمام بمثلث برمودا؟

لا توجد حدود دقيقة لمثلث برمودا، ولكن وفقاً لبعض المراجع، تتراوح مساحته الإجمالية بين 1.3 و 3.9 مليون كيلومتر مربع.

الألغاز القديمة

يمكن إرجاع سبب الاهتمام الكبير المُثار حول مثلث برمودا إلى سلسلةٍ من حوادث اختفاء السفن والطائرات الغامضة. على سبيل المثال، اختفى سربٌ مكون من خمس طائراتٍ تابعة للبحرية الأميركية و14 رجلاً في المنطقة أثناء قيامهم بتدريبات روتينية. وقد سُمع -قائد السرب- الملازم «تشارلز تايلور» يصرخ عبر الراديو: «نحن ندخل المياه البيضاء، لا شيء يبدو بخير. لا نعرف أين نحن، المياه خضراء وليست بيضاء».

حققت البحرية الأميركية في الحادث وقررت في نهاية المطاف أن سببه «غير معروف».  ومنذ ذلك الحادث حتى منتصف الثمانينيات، اختفت 25 طائرة صغيرة أثناء مرورها عبر مثلث برمودا. لم تظهر على الرادار مرة أخرى، ولم يُعثر على حطامٍ لها أبداً بعد اختفائها.

أثارت هذه القصص خيال الجمهور. فقدم بعضهم تفسيراتٍ غير عادية، زاعمين أن هناك شيئاً خارقاً أو ظاهرة فوق طبيعية تحدث في تلك المنطقة. وذهب البعض في أن المسؤول عن الحوادث المأساوية هي قوىً أجنبية، أو حتى مدينة أتلانتس الأسطورية المفقودة تحت الماء. وبالنظر إلى أن الرواية الرسمية تُرجع الحوادث إلى «سبب مجهول»، فقد شجعت على ظهور المزيد من نظريات المؤامرة حول الأمر.

Cia GIF

التفكير النقدي

في ضوء ما سبق، يجب أن نسأل أنفسنا؛ إذا كنا لا نعرف السبب الكامن وراء ظاهرةٍ بدت غامضة كلياً، فهل نبحث عن تفسيرها في الظواهر الخارقة (مثل الأشباح والأرواح) أو في القدرات غير الطبيعية (مثل السحر أو المعجزات)؟ في الواقع، يؤمن البعض بهذه التفسيرات ويجدونها مثيرة بالفعل. وهكذا ظلّت تُفسر أحداث مثلث برمودا لعقود.

ومع ذلك، عندما نبذل بعض الجهد في البحث لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث وعدم القفز إلى الاستنتاجات بسرعة، تبدأ تلك الأحداث بالظهور كأحداثٍ عادية أكثر. لنأخذ مثلاً حادثة اختفاء «تشارلز تايلور» والطائرات الخمس التي حققت فيها البحرية الأميركية. وجد التحقيق أنه بحلول الظلام وتغيّر الطقس، قام تايلور بتوجيه الطائرات إلى الموقع الخطأ.

كان لتايلور أيضاً سجلٌ يحتوي على حادثتي ضياع أثناء الطيران. فقد احتاج إلى المساعدة مرتين لإنقاذه في المحيط الهادئ، وكانت البحرية الأميركية على علمٍ بذلك جيداً قبل حادثة الاختفاء، ولكنها أرجعت الحادث في النهاية إلى أسبابٍ «مجهولة» لأن والدة تايلور -التي لم ترغب في إلقاء اللوم على ابنها في الحادث- أكدت أنه إذا لم تتمكن البحرية من العثور على الطائرة، فلا يمكنهم الجزم بما حدث. وافقت البحرية على رغبتها بعدم إلقاء اللوم على تايلور في هذه المأساة مراعاة لمشاعرها.

كان معظم الطيارين الذين قضوا في الحادث من المتدربين. أي أنهم لم يكونوا قد تعلموا بعد بما يكفي كيفية استخدام معدات الطائرة ليلاً، أو في حالة الظروف الجوية السيئة وقت الحادث. علاوة على ذلك، كان من المعروف أن نوع الطائرات التي يتدربون عليها ستغرق في الماء في غضون 45 ثانية إذا سقطت في الماء. وإذا غرقت الطائرات في المحيط الشاسع (رغم أن ذلك نادر الحدوث هذه الأيام)، فغالباً لا يُعثر عليها مُطلقاً مجدداً لصعوبة البحث عنها.

وحتى الآن، من الصعب العثور على الطائرات التي تُفقد في عرض المحيط بالرغم من التحسينات الكبيرة التي دخلت على تكنولوجيا الطائرات، وأساليب البحث والإنقاذ. على سبيل المثال، لم يُعثر إلا على كميةٍ صغيرة فقط من حطام  طائرة الخطوط الجوية الماليزية المفقودة التي اختفت عام 2014 في رحلتها رقم MH370.

برمودا, مثلث برمودا, حوادث تحطم الطائرات

قطعة من الحطام من رحلة الخطوط الجوية الماليزية MH370 معروضة أثناء حفل تأبيني لضحايا الحادث – الصورة: فزري إسماعيل/ EPA

التخلي عن الروايات القديمة

تطير طائرات الركاب الكبيرة اليوم عبر مثلث برمودا، ولم يعد يختفي أيّ منها. يمكنك حتى تتبع الرحلات الجوية في المنطقة مباشرة عبر الإنترنت. في الواقع، منذ منتصف الأربعينيات إلى منتصف الثمانينيات، تحطمت العديد من الطائرات الصغيرة فوق البر الرئيسي للولايات المتحدة أكثر مما تحطمت في مثلث برمودا. ولكن نظراً لتحطمها على البر فقد عُثر على حطامها، ولم تُعتبر آنذاك حوادث غامضة أو مجهولة السبب. كما تبين أن عدد السفن والطائرات التي تم الإبلاغ عن فقدانها في مثلث برمودا ليس أكبر بكثير نسبياً من عدد الطائرات التي أبلغ عن اختفائها في أجزاء أخرى من المحيط.

أحياناً، عندما يكون من الصعب تفسير حدثٍ ما، فمن المغري أن نقول أنه كان ناجماً عن قوى غير عادية، أو خارقةٍ للطبيعة. ولكن دعنا نقول أنه إذا سقطت 1000 طائرةٍ في مثلث برمودا، وأمكننا تفسير سبب سقوط 990 حادثة منها، فهل يمكننا القول أن الحالات العشر الأخرى التي لم نجد لها تفسيراً سببها هي قوى خارقة للطبيعة؟ بالطبع لا.

كل ما يمكننا قوله أننا لسنا متأكدين مما حدث تماماً، وعلينا أن نحاول معرفة المزيد. وعادة ما تتبدد الأوهام والألغاز عندما نعلم المزيد.