Reading Time: 5 minutes

لابدّ أنك قد قرأت في الأخبار عن القمر الأزرق أو القمر العملاق أو القمر الدموي، ولسببٍ ما، تشعر بأن عقلك يدفعك لمعرفة كل شيءٍ عن أخبار هذه الأقمار ومتابعتها، فترى عنواناً يجذبك ويشدك لقرائته مثل (لا تفوّت فرصة مشاهدة القمر العملاق في عطلة نهاية الأسبوع) والكثير مثله في عناوين الأخبار. وقد تقرأ عنواناً لخبرٍ آخر يسخر من هذه التسميات مثل:” ليس للقمر العملاق هذه الأهمية، هذه تسمياتٌ فارغة ولا تمت لعلم الفلك بصلة”.

على كل حال، وبعيداً عن كافة هذه العناوين الجذابة، لا شيء أمتع من النظر إلى السماء، والاستمتاع بكافة الظواهر الفلكية التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، على الأخص أننا سنشهد ظاهرة قمر الديدان العملاق الأربعاء 20 مارس/آذار. ولأن هذه الظاهرة تستحق الاهتمام والمشاهدة، إليك كل ما تحتاج معرفته حول أهم ظواهر القمر العملاق.

القمر المكتمل (البدر)

حسناً، لا بأس إن كنت لا تعلم تماماً سبب اختلاف أشكال القمر. فهناك الكثير ممن يتظاهرون بمعرفة سبب ازدياد حجم القمر في السماء في وقتٍ معين، وصغره في أحيانٍ أخرى، بيد أنهم في الحقيقة لا يعرفون السبب تماماً.

في الواقع، نحن نرى وجهاً وحيداً من القمر، ذلك أنه لا يدور حول نفسه كما تدور أرضنا، والسبب يعود إلى ظاهرة الانغلاق المدارية (Tidal Locking)، ولذلك دائماً مانرى نفس الشكل على القمر( وجه بشري أو أرنب أو… حسب ثقافتك عموماً) على الرغم من دورانه حول الأرض. يعكس القمر ضوء الشمس، ولذلك نراه أكثر سطوعاً وحجماً في السماء عندما يكون بدراً مكتملاً، إلا أن القمر يتحرك باستمرار، لذلك، وبسبب هذه الحركة، يعكس أشعة الشمس إلينا بزوايا مختلفة، مما يعكس ألواناً مختلفة نراها في أطواره ومواقعه المختلفة. كما أننا لا نراه بالمطلق عندما يكون في طور القمر الوليد لأنه يتموضع حينها بين كوكب الأرض والشمس، وحينها يكون الجانب المظلم من القمر مُضاءاً، والجانب الذي نراه عادةً واقعاً في الظل (عادةً ما يُطلق على القمر الوليد “المحاق”، وهو قمر عملاق أيضاً ولكنه غير مرئي لنا لذلك لا يحظى بهذا الإهتمام). بالنتيجة فإننا نرى القمر المكتمل عندما تقع الأرض بين الشمس والقمر، حيث يعكس الجانب المرئي من القمر ضوء الشمس إلى الأرض، وكل مانراه من أشكالٍ أخرى له ماهي إلا أطوارٌ انتقالية من شكلٍ لآخر.

القمر العملاق

ينبغي أن نعلم أن بعد القمر عن كوكب الأرض ليس ثابتاً دائماً، لأن مدار القمر حول الأرض ليس دائرياً تماماً، وإنما إهليلجي( بيضوي) الشكل، وتسمى أقرب نقطة يقترب فيها من الأرض “الحضيض” وأبعد نقطة “الأوج”. وقد وصل القمر إلى كلِّ من نقطتي الحضيض والأوج عام 2018 في شهر كانون الثاني/يناير، وكان الفارق بين النقطتين في بعدهما عن كوكب الأرض حوالي 30.000 ميل.

تكمن أهمية بُعد القمر من الأرض في أن ظاهرة القمر العملاق تحدث عند وجوده في نقطة “الحضيض” وهي أقرب نقطةٍ للأرض كما أسلفنا، حيث يظهر القمر أكبر حجماً بنسبة 7% وأكثر لمعاناً بنسبة 10-15% وذلك بمقارنته مع القمر في الحالات العادية. إن حالفك الحظ وكنت في موقعٍ مناسب، ستتمكن من التقاط صورٍ رائعةٍ جداً للقمر العملاق، بشرط أن يظهر بجانب شيءٍ ما -كشجرة أو منزل أو تلّة… الخ- يُبرز الازدياد في حجمه (بصرياً) بالإضافة لاستخدام كاميرا رقمية احترافية، ولكن للأمانة، الفرق في الحجم ليس بذلك الفرق الكبير. سيكون قمر الديدان الذي سنشهده غداً أيام قمراً عملاقاً أيضاً لأنه سيتزامن مع وجوده في أقرب نقطةٍ للأرض خلال شهر مارس، بيد أنه كان في نقطةٍ  أقرب إلينا في شهر شباط/فبراير الماضي.

القمر القزم

في هذه الحالة يظهر القمر أصغر ما يكون، أي عندما يكون في نقطة الأوج، أي في حالةٍ معاكسة تماماً للقمر العملاق.

القمر الدموي

تحدث هذه الظاهرة خلال الخسوف الكلّي للقمر (والذي قد يحدث عدة مرات في السنة في مكانٍ ما). فعندما يدخل القمر في ظل الأرض ويحدث الخسوف يصطبغ بمسحةٍ حمراء نوعاً ما (عملياً هي ظاهرة فيزيائية)، كما يبدو برتقالي اللون أيضاً عند غروبه أو شروقه بالقرب من الأفق خلال الليل، أي زاوية ورود أشعة الشمس المنعكسة منه تكون حادّة، ولذلك يعبر الضوء المنعكس منه إلى الأرض عبر طبقة أثخن من الغلاف الجوي الذي يشتت الضوء الأزرق والأخضر بينما يسمح بمرور اللون الأحمر، وغالباً هذا ما ستراه خلال ظاهرة الخسوف، ويخيّل لك بأن ذلك فأل شر ونحس كما تروّج لها الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، لذا لا داعي للقلق، اطمئن، الأمر مجرد ظاهرة علمية.

القمر العملاق: صورة مُلتقطة بواسطة كاميرا ذات عدساتٍ يبلغ بعدها البؤري 1200 مم، مما يجعل القمر يظهر أكبر في المشهد
الصورة: ستان هورازيك

القمر الأزرق

حدثت ظاهرة القمر الأزرق مرتين خلال عام 2018 في شهري كانون الثاني/يناير وآذار/مارس، ونادراً ما تتكرر هذه الظاهرة مرتين في عامٍ واحد، وقد لاقت حينها اهتماماً جماهيرياً كبيراً. ومصطلح القمر الأزرق مجازيٌّ فقط، لكنه في الحقيقة لا يكون باللون الأزرق، فهو يبدو باللون والشكل المعروفين له عادةً، ويظهر كما يظهر في أي وقت من العام، وما يميزه هي ظهوره مكتملاً مرّةً ثانية في نفس الشهر. لم يحدث أن تكررت هذه الظاهرة مرتين في عامٍ واحد منذ عام 1999، كما لن تحدث مرة أخرى حتى عام 2037.

يقول الفلكي “ديفيد شابمان David Chapman” لموقع EarthSky : “لا توجد أهمية علمية لوجود قمرين كاملين في شهر واحد، أن هذا الأمر نادرُ الحدوث في تقويمنا الشمسي، فعندما تحولنا من الإعتماد على التقويم القمري إلى التقويم الشمسي في القيام بأعمالنا، لم نعد نهتم بموعد اكتمال القمر من عدمه عموماً. ويتابع قائلاً: تبلغ الدورة القمرية 29.53 يوماً في المتوسط، لذلك لا نرى سوى قمرٌ مكتملٌ ووليد وحيدين في كل شهر. إلا أنه يحدث من وقتٍ لآخر أن “يسرق” شهرٌ قمراً مكتملاً من الشهر الذي يليه، فقد حدث ذلك عام 2018 ( وفي1999، وسيحدث عام 2037)، حيث شهد شهري كانون الثاني/يناير وآذار/مارس قمرين مكتملين في بدايتهما ونهايتهما، وبذلك بقي شباط/فبراير بلا قمرٍ مكتملٍ في ذلك العام.

موعدنا مع القمر الأزرق التالي سيكون عام 2020 في عيد الهالوين، لذلك يمكنك تخيل ما يمكن أن يحدث يومها، حيث سيفقد الناس عقولهم ويتفنون بأساليب الإحتفال بالهالوين نظراً لتزامنه مع هذا الحدث.

من الطريف أن القمر قد يظهر باللون الأزرق أحياناً إن حدثت بعض الظروف المواتية لذلك كوجود دخان الحرائق أو الغبار في السماء بكثافة، ولكن ذلك لا علاقة له بلون القمر، ففي عام 1883 ثار بركان Krakatao في إندونيسيا وسبب غباره المنتشر في الأجواء ظهور القمر باللون الأزرق في معظم أرجاء الكوكب، وحدث مرة أخرى عام 1927 عندما أثارت الرياح الموسمية الهندية بعد موسم جفافٍ طويل كمياتٍ هائلةٍ من الغبار حيث بدا القمر خلالها أزرق اللون أيضاً.

قمر الفِصح

ربما قد سمعت بظاهرة القمر العملاق الأزرق الثانية في آذار/مارس عام 2018، ودُعيت حينها بقمر الفصح أيضاً، والمقصود به أنه أول قمرٍ مكتملٍ في فصل الربيع، حيث كان يُستخدم عادةً لتحديد تاريخ عيد الفصح.

أسماء الثقافات الشعبية

ستصادف في بعض الأحيان عناوين كثيرة ومثيرة في الأخبار حول الظواهر القمرية، مما يجعلك تشعر بالدوار ويصيبك بالحيرة. مثلاً: قمر الديدان الدموي العملاق، أو قمر الذئب الدموي العملاق! ستخبرك المواقع أن “القمر الذئبي” هو الإسم التقليدي لأول قمرٍ مكتملٍ في السنة في ثقافات سكان أمريكا الأصليين، وهو أمرٌ غريب نوعاً ما بالنظر إلى أنه توجد في الولايات المتحدة لوحدها 573 قبيلة معروفة اليوم ناهيك عن القبائل التي وُجدت من قبل.

يعود الأصل في هذه التسمية إلى عواء الذئاب الجائعة في هذا الشهر لقلة الغذاء في منتصف الشتاء (شهر كانون الثاني/يناير)، والمضحك والغريب في الأمر أن كل أمريكا الشمالية وبمختلف ثقافاتها وبلدانها ولغاتها المختلفة خرجت علينا بنفس الإسم وفي الوقت نفسه، القمر الذئبي الدموي، إنها فكرة غريبة حقاً.

أما اسم قمر الديدان فهو أحد الأسماء الكثيرة التي مُنحت للقمر المكتمل، وهو ببساطة الاسم التقليدي للبدر في شهر آذار/مارس، ولن يكون هناك أي شيء غير اعتيادي بالتزامن مع اكتمال القمر، ويحمل بدر شهر مارس هذا الاسم نظرا لأنه يظهر في بداية فصل الربيع، حيث غالباً ما تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع، ويبدأ ذوبان الجليد، ومن ثم تبدأ ديدان الأرض وغيرها من الحيوانات بالظهور على السطح.

ختاماً، يتخذ القمر المكتمل في مختلف الثقافات أسماء وألقاب تقليدية في شهرٍ أو موسمٍ معين، لذلك هناك قائمةٌ تطول من أسماء القمر الغريبة التي يمكنك أن تستعين بها إن رغبت في تأليف قصةٍ متوسطة الطول عن القمر وتصبح حديث الناس، لكن تذكر أنها أسماءٌ نحن صنعناها. في النهاية آمل فقط ألا أقرأ خبراً عن قمرٍ وردي ما في شهر أبريل/نيسان، رغم أنني أتمنى أن أراه.