Image

يبدو أننا نقترب أكثر

Bread assortment المشهد من داخل فوهة غيل، كما تمت مشاهدتها من قبل عربة كيوريوسيتي المتجولة.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث-معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ أنظمة مالين لعلوم الفضاء

يبدو البورون مادة تدعو إلى الشعور بالضجر، ولا يعود الأمر فقط إلى التشابه اللفظي مع معنى كلمة “ملل” في اللغة الإنجليزية “boring”. فهو ليس عنصراً نستخدمه كثيراً، إلا في بعض أنواع الألياف الزجاجية. هو ليس مادة سامة أو خطيرة بالنسبة للبشر. في الحقيقة، إن أفضل مما يمكنك قوله بشأن هذا العنصر – على الأرض بالطبع – هو أنه قادر على قتل الصراصير في حالته الحامضية. ولكن على المريخ، تمثل هذه المادة علامة على وجود حياة.

باستخدام بيانات أرسلتها عربة ناسا المتجولة “كيوريوسيتي”، عثر فريق من العلماء متعددي الاختصاصات على البورون في فوهة غيل. كانت غيل فيما مضى على الأرجح عبارة عن بحيرة، ودائماً ما كانت موقعاً للعديد من الاكتشافات التي تشير إلى إمكانية وجود حياة فيما مضى على سطح الكوكب الأحمر؛ لوقت قصير على الأقل. حيث كانت تتخذ شكلاً بدائياً ميكروبياً. ولكن قبل أن نتحمس كثيراً بشأن الميكروبات التي ربما كانت موجودة، دعونا نتحدث عما يعنيه هذا الأمر حقاً.

لا يمثل البورون “أحد أشكال الحياة” بحد ذاته، وإنما هو يساعد فقط على تشكيل لبنات للبناء

للتوضيح فقط، نظراً لأن بعض وسائل الإعلام بدا أن الأمر اختلط عليها، لا بد من القول إن العثور على البورون لا يعني أننا قد عثرنا أحد أشكال الحياة. فالمريخ، وفقاً لمعلوماتنا، لا يزال كوكباً خالياً من الحياة. حتى أن العثور عليه لا يعني أننا وجدنا دليلاً قاطعاً على وجود الحياة فيما مضى على هذا الكوكب. فالبورون هو مجرد علامة على إمكانية وجود الحياة سابقاً (أو أنها ربما مازالت موجودة).

ربما ليس لديك تصور عن البورون بأنه يشكل عنصراً أساسياً للحياة، لأنه ليس عنصراً أساسياً بالنسبة للبشر. فالنباتات تحتاجه في تدعيم جدران الخلايا لديها، في حين لا يبدو أن هناك حاجة تذكر له عند الحيوانات.

لا يشكل البورون أحد العناصر الغذائية الضرورية بالنسبة لنا الآن، ولكنه يلعب في الواقع دوراً مساعداً بالنسبة لأشكال الحياة المبكرة. فالبورات، التي تتكون أساساً من ذرة بورون مرتبطة بأربع ذرات من الأوكسجين، لديها قدرة غير عادية نسبياً على تحقيق الاستقرار لسلسلة الحمض النووي الريبوزي RNA لمساعدتها على البقاء متماسكة.

ويمثل الحمض النووي الريبوزي واحداً من الطرق الرئيسية في تخزين المعلومات الوراثية واستخدامها داخل أجسامنا. إذا كان الحمض النووي DNA يمثل الدليل اللازم لبناء وتشغيل النظام، فإن الحمض النووي الريبوزي يمثل الشخص الذي يقرأ الدليل ويطبق التعليمات. يتم ترجمة الحمض النووي الخاص بك إلى حمض نووي ريبوزي، الذي يترجم بدوره على شكل بروتين. البروتينات هي التي تجري في الواقع الكثير من الوظائف الخلوية في جسمك، وبدون RNA ليس لدينا أي وسيلة للقيام بذلك.

هناك نظرية واسعة الانتشار، تسمى بشكل رومانسي “عالم RNA” (مثل عالم المياه، ولكن مع عدد أقل من البشر)، حيث تقول إن RNA ربما كان أول نوع من الشيفرة الوراثية لأشكال الحياة المبكرة على سطح الأرض. بما أنه جزيء مفرد بدلاً من كونه شريطياً مجدولاً، فإنه أقل استقراراً من DNA، ولكنه قادر على القيام بشيء لا يقوم به الحمض النووي. حيث يمكنه أن يكرر نفسه. ويمكنه أن يلتف على شكل يشبه الأنزيم، ما يساعد على التفاعلات الكيميائية. تجعل منه هذه الوظائف الإضافية مرشحاً جيداً ليكون أول جزيء جيني. تعتمد الكثير من الفيروسات على RNA بدلاً من DNA للبقاء على قيد الحياة، ويبدو أنها تبلي حسناً. قد لا يكون كافياً لتكوين كائن حي معقد، ولكن من المحتمل أنه كان كافياً للحياة الأولية.

إنها ليست المرة الأولى التي نعثر فيها على البورون في المريخ، إلا أن العثور عليه ما زال خبراً هاماً

اكتشفت ناسا أول دليل على وجود البورات على سطح المريخ لأول مرة في 2013، على الرغم من أن هذا لم يكن ناتجاً عن عينة مباشرة. حيث اكتشفت ضمن النيزك MIL090030 والذي نشأ في المريخ وهبط في القطب الجنوبي. وكانت تلك العينة أيضاً غنية بالبورات، مثل عينة فوهة غيل.

بما أنه تم العثور على البورات في هذه الدراسة في موقع العمل مباشرة، يمكن للباحثين أن يبدؤوا بالعمل على نظريات لتفسير وصول البورون إلى هناك. ويعتقدون أن التفسير المرجح هو أن فوهة غيل كانت فيما مضى بحيرة تمر بدورات جفاف وامتلاء، كما نرى في وادي الموت في كاليفورنيا.

وتسبب تناوب هذه الدورات بتراكم طبقات من البورات بالتناوب مع الحجر الطيني. فإذا عادت المياه الجوفية إلى نفس المنطقة، تنحل البورات فيها، ويمكن أن تقوم بدورها في استقرار الـ RNA. وبوجود البورات والـ RNA ضمن السائل، يمكن أن يتفاعلا لتكوين شكل أولي من الحياة. ويعتقد الباحثون أن غيل تحولت في مرحلة ما إلى بحيرة ضحلة للغاية، ولكنها دائمة ومستقرة. ويمكن لكمية قليلة من المياه أن تحوي تركيزاً عالياً من البورات، والتي تساعد على تشكيل أولى جزئيات RNA.

ما زال هذا العمل في مرحلة التخمينات، وإن كانت تخمينات تعتمد على معلومات جيدة. لا يمكن أن نجزم بحدوث أي من هذا، وبصراحة، لا يتفق الجميع على فرضية عالم RNA. ولن نعرف المزيد حتى نحصل على المزيد من البيانات من المريخ، وحتى ذلك الحين، تابعي العمل الرائع يا عربة كيوريوسيتي.

error: Content is protected !!