Reading Time: 5 minutes

من براءة اختراع في تخصص نادر بمجال زراعة المفاصل مسجلة في مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع، إلى تكريمه من أمير دولة الكويت ووزارة الصحة الكويتية، ومروراً بتبنّي هيئة الصحة بدبي ابتكاره؛ خاض الطبيب العربي مثنى سرطاوي رحلة طويلة في جراحة عظام وزراعة المفاصل. يُعتبر سرطاوي؛ الحاصل على البورد الأمريكي والكندي و زمالة من مستشفى راش في شيكاغو، من الرواد في عمليات اليوم الواحد لتبديل مفصل الركبة والورك في جنوب ولاية إلينوي الأمريكية، وفي منطقة الشرق الأوسط. قدم العديد من الإنجازات التي أسهمت بدورها في تسريع انتقال العمل بتقنية التدخل البسيط في جراحة تبديل المفاصل إلى دول الخليج، وأنجز ألف عملية ناجحة بنسبة نجاح تصل الى 97٪؜، ولا يزال لدى سرطاوي الكثير ليقدمه، وكان لنا معه هذا الحوار.

الرعاية الصحية: صناعة الأمل واللامستحيل

يعمل مثنى سرطاوي- حالياً- مديراً لمركز جراحة استبدال المفاصل للشفاء العاجل في مستشفى «كينغز كوليدج لندن» في دبي، ويرى أن قطاع الرعاية الصحية صناعة لا تشبه غيرها في قراءة الزمن والمشهد والمعطيات، بل وتمتد في التفاعل مع مفاصلها بمرونة أنسجة الجسم، واستباقية اتخاذ القرار، وجسارة أصحاب الهمم، قائلاً: «في الوقت الراهن، يُعد القطاع الصحي من أهم القطاعات؛ خصوصاً بعد توقف الاقتصاد العالمي، وننتظر توجيهات من القطاع الصحي لمكافحة هذه الجائحة و رجوع الحياة كما كانت عليه من قبل، ومن ناحية جراحة العظام بالأخص، أصبحت مشاكل العظام؛ كالخشونة و غيرها، أكثر انتشاراً، ومن أكبر أسبابها التقدم في العمر، فأصبح الطلب عليها كبيراً».

يؤمن سرطاوي أن قطاع الرعاية الصحية يُمثل صناعة الأمل واللامستحيل، ويرى أن فيروس كورونا خدم هذا القطاع، وفي ذات الوقت لم يخدمه، قائلاً: «بسبب انتشار الفيروس، اضطرت المستشفيات لإيقاف العمليات ومقابلة المراجعين؛ مما أثر على القطاع الصحي، وخصوصاً من الناحية المادية. من ناحية أخرى، وبسبب انتشار الفيروس، وأثره على الاقتصاد العالمي، كان هناك تركيز كبير واستثمار في القطاع الصحي، وضُخت مبالغ هائلة لإنتاج اللقاح المنتظَر من كل العالم. هذه الجائحة أظهرت دور الأطباء الرئيسي في مساعدة المرضى لاستعادة الحياة الطبيعية».

يعتمد قطاع الرعاية الصحية على الابتكار؛ هذا ما يتبناه دكتور سرطاوي بقوله: «الحاجة هي أم الاختراع»، مضيفاً أن وجود الكثير من الأسباب المجهولة وغير المعروفة تدفع الإنسان دائما للبحث، وتظل مستمرة على مدار سنوات طويلة لإيجاد الحلول، ويقول: «دائماً نحاول إيجاد أبسط الحلول و أقلها تكلفةً من الناحية الصحية ومن ناحية تخفيف العبء على المريض؛ فمثلاً كانت عملية تبديل مفصل الركبة في البداية علاجاً، ولكن بنسبة نجاح ضئيلة جداً، و بعدها أصبحت بنسبة نجاح أعلى لكن بعمر مفصل افتراضي قصير، ثم تحسَّن عمرها الافتراضي وبقيت العمليات مزعجةً وتشكّل عبئاً على المريض بسبب حدة آلامها، واليوم تُعتبر عملية تبديل المفصل بالتدخل الجراحي البسيط من عمليات اليوم الواحد، مع قدرة المريض على المشي بعد ساعات من العملية، والرجوع لحياته الطبيعية بعد فترة وجيزة».

العودة إلى الجذور

خاض سرطاوي رحلة العودة للجذور؛ بعد ما يقارب عقداً من الزمن في جنوب ولاية إلينوي الأميركية، لدراسة تخصص دقيق في جراحة العظام والمفاصل، وبعد أن تمكّن من تطوير نهج جديد في جراحة استبدال الركبة غير المقاييس المتبعة في الجراحة التقليدية ليحرك معه مياه راكدة في هذا القطاع، واجه سرطاوي تساؤلاتٍ عدة حول إمكانيات هذه التقنية؛ نجاحها، مدى فاعليتها، ندرتها في المنطقة والعالم، وتفاصيل حول قصة مخترعها، لكنه وجد دعماً حكومياً؛ يقول: «دعمت دول الخليج العديد من المبادرات المحلية التي تضمن تواجد كوادر طبية عالمية مؤهلة في المنطقة، وذللت العديد من المعوقات لتكون بيئة منافسة وجاذبة لنخبة العقول الخليجية المهاجرة وتشجيعها على العودة للجذور».

عزز الدعم الحكومي الواسع الثقة في استقطاب الاستشاريين الزائرين من الكوادر الطبية المتخصصة لدول الخليج، وساهم بنقل أفضل الخبرات العالمية في معظم التخصصات الطبية للمواطنين. ساهم نجاح التجربة الطبية الحديثة بشكل كبير في خفض النفقات العلاجية الذاتية والحكومية للمرضى من الخليج؛ التي تصل إلى 12 مليار دولار سنوياً للعلاج في الخارج، بما يعادل 15% من سوق السياحة الطبية العالمي، ووفر الكثير من الوقت والجهد ومشقة السفر على المرضى وذويهم.

كذلك، ساعد هذا الدعم الحكومي الدكتور سرطاوي في مسعاه؛ يقول: «قمنا بتطوير نهج جديد في جراحة استبدال مفصل الركبة يحافظ على جميع العضلات والأوتار المحيطة – والذي حاز على براءة اختراع دولية – وبالتالي يسارع في تعافي المريض ويقلل الآلام ما بعد الجراحة».

تقنية الحفاظ على وتر العضلة الرباعية

أظهرت العديد من الدراسات الطبية أنه عندما يتم تجنب قطع وتر العضلة الرباعية؛ وهو الوتر الرئيسي للركبة الذي عادة ما يتم قطعة أثناء عملية استبدال الركبة التقليدي خلال الجراحة للوصول للركبة، فإن تعافي المريض يكون أسرع وبأقل ألم ممكن، وهذا هو السبب في أن العديد من الجراحين المتمرسين في المؤسسات الأميركية البارزة قد تحولوا إلى طرق تحافظ على وتر العضلة الرباعية، ومع ذلك لا يزال معظمهم يقطعون العضلة المجاورة. يقول سرطاوي: «تمكّن هذه التقنية المريض من المشي بعد ساعات قليلة من إجراء العملية دون مساعدة تُذكر وباستقلالية تامة، وأغلبية المرضى يتمكنون من الخروج من المستشفى بعد ساعات من العملية الجراحية وفي نفس اليوم – جراحة اليوم الواحد».

يخشى بعض من الناس اللجوء إلى مثل هذا الإجراء، لكن يرى دكتور سرطاوي أن المقياس الذي يحدد مستوى جودة الإجراء هو شهادات المرضى المنقولة عبر المنصات الإلكترونية للمراكز المتخصصة؛ صوتاً وصورة متوجة بالصحة، قائلاً: «شهادات المرضى هي المحفز لتحقيق نسبة نجاح مرتفعة- 97%- لهذا الإجراء الذي لا يمكن أن يُستنسخ بدون فهم عميق للعلاقة ما بين الابتكار وإيجاد القيمة من الناحية الفنية والعملية والإدارية في القطاع الطبي».

يواجه دكتور سرطاوي انتشار المعلومات الصحية المُضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، ويقول: «للأسف حالياً تنتشر معلومات كثيرة و يتداولها الناس كاستشارات ووصفات طبية في الواتس آب ومواقع التواصل الاجتماعي؛ والتي يطبقها بعض الناس وليس لها أساس من الصحة. بالنسبة لنا، في حساباتنا في التواصل الاجتماعي دائما نحرص على نشر معلومات موثوقة وذات أساس علمي واضح؛ وبالأخص في مجال العظام والابتكارات الجديدة، كما ننصح المرضى بمتابعة حسابات أطباء موثوقين مختصين في مجالاتهم لأخذ المعلومات الصحيحة بشكل موثق».

الطباعة ثلاثية الأبعاد

على الرغم من أن تخصص جراحة العظام من التخصصات الشائعة والمطلوبة، لكن الندرة تكمن في الطرق الحديثة والمبتكرة التي ينتهجها كل جرّاح؛ وهي عوامل تصقلها الخبرة والتمرس والإلمام التام بكافة المتغيرات العلمية ورصدها عن طريق البحث والمتابعة والتقييم المستمر، وهذا أكثر ما يميز سرطاوي؛ والذي لجأ إلى أحدث ما توصلت إليه جراحة العظام. يقول: «نستخدم حالياً طباعة ثلاثية الأبعاد للمفصل الصناعي، ويتميز هذا النوع من المفاصل أنه مصمم بدقة عالية ليحاكي ركبة المريض؛ نسخة طبق الأصل من ركبة المريض الطبيعية، على عكس المفاصل المعتادة؛ والتي تكون بقياسات معينة، ونستخدم القياس الملائم للركبة».

يعتمد سرطاوي على التقنية الحديثة والابتكار؛ للارتقاء بتقديم الخدمات الطبية محلياً، وتحسين جودة مخرجاتها، قائلاً: «ساهم تحويل جراحة استبدال المفاصل إلى العيادات الخارجية في خفض تكاليف نظام الرعاية الطبية بشكل كبير، وأظهرت العديد من الدراسات في أميركا الشمالية أن إجراء عملية تبديل المفصل في العيادات الخارجية نتج عنه انخفاض تكلفة هذه العملية بحوالي 30%؛ مقارنةً بجراحة استبدال المفاصل التقليدية، وهذا يعادل توفير ما بين 3100 دولار إلى 8527 دولار  تقريباً في كل عملية تبديل مفصل، أضف إلى ذلك قدرة المريض على ممارسة حياته الطبيعية و العودة للعمل في فترة وجيزة؛ وهذا يوفر تكاليفاً إضافية أيضاً قد تتحملها الشركات عند منح إجازات طويلة للمرضى؛ وبالأخص لمن يخوضون عمليات ركبة تقليدية تستغرق عادةً فترة تأهيل طويلة نسبياً».

أحلام مستقبلية

يحلم سرطاوي أن يغير فكرة الناس عن عمليات تبديل المفاصل كونها عملية مزعجة ومؤلمة، قائلاً: « كبار السن يتجنبون الخضوع لعمليات تبديل المفاصل بسبب تلك المزاعم؛ مما يؤثر على نفسيتهم و صحتهم، لذا أتمنى نشر الوعي والعلم؛ خاصةً لمرضى الخشونة، وتعريفهم بالتقنيات الحديثة؛ التي تُعتبر من عمليات اليوم الواحد، و تمتاز بخفة الألم وسرعة التشافي ونسبة النجاح العالية؛ التي تصل إلى 97٪، وتساعد على التسهيل و الاستمتاع بالحياة والرجوع لها بشكل طبيعي بدون آلام تعيق الحركة و تدمر النفسية».

هذا ليس كل شيء يطمح إليه سرطاوي، ولا يزال لديه الكثير من الطموحات المستقبلية؛ التي يحدثنا عنها بقوله: «من طموحاتي في المستقبل أن يكون لنا مركز عظام بمستوى عالمي موثوق؛ ذو اسم رنان، يعمل بأحدث أنواع التقنيات و الابتكارات، وينشر دراسات على مستوىً عالٍ جداً، وكل ذلك لخدمة مرضانا، وتلقّيهم أفضل وأحدث العلاجات، والتسهيل عليهم كبديل لسفرهم للخارج، وفي نفس الوقت، استقطاب مرضى من دول أوروبا و الغرب لتلقّي العلاج في مركزنا».