Reading Time: 3 minutes

كانت مجرة ​​درب التبانة في بداياتها أبعد ما يكون عن جسم كوني مسالم يسبح عبر الكون، إذ كانت تلتحم بالنجوم في طريقها، وهو ما أدى إلى نموها وتطورها مع مرور الوقت. في تقرير نُشر في دورية «نيتشر أسترونومي»، أكد مجموعة من العلماء، بقيادة «كارمي غالارت» من معهد الفيزياء الفلكية بجزر الكناري، أن مجرة درب التبانة التهمت مجرة ​​قزمة بربع حجمها قبل نحو 10 مليارات سنة. مكّن تحليلهم للبيانات التي جمعها القمر الصناعي «غايا» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية؛ من توضيح ما حدث في أعقاب ذلك، عندما قذفت مئات الآلاف من النجوم بعيداً عن منشأها.

تقول غالارت: «لعدة سنوات، كانت هناك تلميحات إلى أن الهالة الداخلية لدرب التبانة، التي تقع بالقرب من الشمس، تضمنت نجوماً نشأت في مجرة ​​خارجية. ولكن تفاصيل حدوث هذا الالتحام لم يتم تأكيدها إلا بعد الإصدار الثاني لبيانات مهمة غايا».

بدأت غالارت وفريقها بحثهم واضعين أمامهم هدفاً متواضعاً، وهو تحديد أعمار نحو 600 ألف نجم في درب التبانة. لكن، في أثناء بحثهم، لفت انتباههم شيء غريب. تمثل البيانات التي كانوا يفحصونها لمعان نجمي كدالة للون، من الأزرق إلى الأحمر. يتأثر الضياء بعدة عوامل مختلفة، ولكن أبرزها التركيب الكيميائي، حيث تتشكل النجوم الزرقاء من تركيز معادن أقل، بينما تتشكل النجوم الحمراء من تركيز معادن أعلى.

لاحظ الباحثون أن بعض النجوم كانت تظهر بشكلٍ مبهم في مكانين مختلفين من هالة درب التبانة، وهي بنية كروية تمتد إلى ما وراء القرص الرئيسي للمجرة. كانت بعض تلك النجوم أكثر زرقة من غيرها، وقد وجدت أبحاث سابقة أن النجوم الزرقاء كانت في الأصل جزءاً من مجرة ​​قزمة تسمى «غايا إنسيلادوس». أما النجوم الأخرى، الحمراء، فلم يُعرف من أين نشأت.

لذلك، بدأ الفريق في تحديد أعمار تلك النجوم، آملين أن يلقي هذا بعض الضوء على مصدرها، وهي مهمة صعبة. بهذا الصدد، تقول غالارت: «على عكس الخصائص النجمية الأخرى، مثل اللمعان والألوان، والسرعات والتركيب الكيميائي، لا يمكن قياس أعمار النجوم بطريقةٍ مباشرة، نظراً لأن هذا يتطلب مقارنة الخصائص المرصودة، مثل اللمعان والألوان، مع توقعات نماذج تطور النجوم». تحديد اللمعان الفعلي لنجم ما يحتاج معرفة المسافة التي يبعد بها عنا، وبما أن الأرض تقع داخل مركز درب التبانة، فينبغي معرفة المسافة بينها وبين كل نجم على نحو مستقل، نجماً تلو الآخر.

لحسن الحظ، تتخصص غالارت وزملاؤها في تحديد أعمار النجوم، وقد وجدوا أن عمر النجوم الحمراء مماثل لعمر النجوم الزرقاء. يفسرون هذا بكون النجوم التي تقع في هالة درب التبانة كان عمرها نحو 3 مليارات سنة، عندما همت مجرتنا بابتلاع مجرة «غايا إنسيلادوس»، مما يجعل عمر هذه النجوم قرابة 13 مليار سنة، أي أنها أقدم من النجوم الموجودة في قرص درب التبانة السميك. من المحتمل أن هذا الالتحام قذف بالنجوم الزرقاء من المجرة ​​القزمة إلى هالة درب التبانة. أما النجوم الحمراء التي رصدت في الهالة، فيبدو أنها من أوائل النجوم التي تشكلت في مجرتنا. منشأ هذه النجوم كان قرص درب التبانة، لكن القوة والطاقة التي أطلقها الالتحام ألقوا بها صوب الهالة.

علاوة على ذلك، يبدو أن هذا الالتحام سرّع تشكل النجوم في القرص الرئيسي لمجرتنا. تشكلت النجوم باستمرار في القرص منذ نشأته، لكن حادثة غايا إنسيلادوس كانت بمثابة وجبة طاقة، زودت المحاضن النجمية بالغاز. وتشير النتائج الجديدة إلى أن تشكل النجوم استمر بعد الحادثة بمعدلات قياسية إلى ما قبل 6 أو 8 مليارات سنة، عندما أصبح قرص المجرة أقل سماكة، وباتت تهيمن عليه النجوم الفتيّة. تعلق غالارت على هذا قائلة: ♫أعتقد أننا حصلنا بالفعل على صورة تبين ما حدث في بداية تاريخ مجرة درب التبانة. لدينا هنا تصور عن اللحظات الأولى لتطور قرص درب التبانة والهالة المحيطة به».

النتائج محكمة بفضل دقة بيانات مهمة غايا. فتحديد أعمار النجوم على نحو أدق يمكن أن يدلنا على الوقت الذي استغرقته مجرة ​​درب التبانة في التهام مجرة غايا إنسيلادوس، ويمكن أن تساعد مهمة غايا أو أي مهمة أخرى في التأكد من هذه الأرقام يوماً ما. من المحتمل أيضاً أن هذا ليس حدث الالتحام الوحيد الذي أسهم في تشكل درب التبانة، وتشير غالارت إلى أن هناك بحثاً واحداً على الأقل يلمح إلى وقوع حدث مماثل. في الأخير، يبدو أننا نقترب من كشف تاريخ مجرتنا في الافتراس.