Image

ناسا بحاجة إلى بيرني فاولر

Bread assortment بيرني فاولر
متحف ومتنزه جيفرسون باتيرسون

مؤخراً، صباح يوم الأحد، ربط بيرني فاولر- البالغ من العمر 93 عاماً – حذاءه الرياضي، وخاض في نهر باتوكسينت في ماريلاند، والذي يصب في خليج تشيسابيك، كما اعتاد على مدى الأعوام الثلاثين المنصرمة. حيث كان يجري اختباره السنوي لصفاء المياه، وذلك بقياس العمق الذي يمكن أن يصل إليه قبل أن يختفي أعلى حذائيه عن نظره.

يقول فاولر الذي يبلغ طوله حوالي 183 سم: “لقد كانت هذه ثالث أفضل نتيجة رأيتها خلال ثلاثين عاماً”، ويضيف أنه سجل عمقاً يساوي حوالي 105 سم، وهو أقل مما سجل في بداية التسعينيات، حوالي 111 سم، ولكنها أكبر بكثير مما سجل في بداية قياساته في 1988.

يستذكر فاولر: “عندما بدأنا، كانت النتيجة الأولى حوالي 20 إلى 25 سم. كان يكفي أن تضع قدمك في الماء حتى تختفي تماماً”.

يعد صفاء المياه هاماً لصحة الأنظمة البيئية، بما أنه يجب أن يصل ضوء الشمس إلى ما تحت السطح لمساعدة النباتات تحت الماء على النمو. وبسبب مياه الصرف الصحي، والتآكل، والطحالب المجهرية المعروفة باسم الفيتوبلانكتون، بدأت المياه تتعكر في جميع أنحاء الكوكب.

تستخدم ناسا الأقمار الصناعية لتقييم جودة المياه، غير أنها قررت أن تتبنى طريقة فاولر، وأطلقت عليها اسم “عمق حذاء فاولر”. ليس فاولر بباحث مؤهل، ويطلق الخبراء على أمثاله اسم “عالم متطوع”. وقد قرر أن يجعل من متابعة صحة نهر باتوكيسنت شغله الشاغل.

قام باحثو ناسا بابتكار خوارزمية مبنية على قياس فاولر كجزء من دراسة نشرت في مجلة Optics Express. وتشير الورقة البحثية إلى أن طريقة فاولر مشابهة لأداة قيد الاستخدام حالياً تسمى قرص سيتشي. حيث يدلي الباحثون بقرص أبيض مربوط بحبل في المياه، ويسجلون العمق الذي يختفي فيه عن النظر.

ترعرع فاولر على ضفاف نهر باتوكسينت في ماريلاند. وكان أبوه وإخوته صيادين يقومون بصيد السرطانات، والأسماك، والمحار، والبطلينوس أملس القوقعة الذي انقرض الآن. يقول: “لقد أمضيت الكثير من الوقت عند النهر”.

بيرني فاولر يخوض في نهر باتوكسينت في ماريلاند
متحف ومتنزه جيفرسون باتيرسون

بعد عودة فاولر من الخدمة في الحرب العالمية الثانية، افتتح محلاً لتأجير القوارب على النهر، وأمضى وقته في عطل نهاية الأسبوع متصيداً الأسماك والسرطانات من أجل الشطائر التي يبيعها في المحل، وطعام العائلة. يضيف: “لم نقم بشراء أي شيء. كان كل شيء يأتي من النهر مباشرة إلى المائدة”.

يستذكر فاولر أنه عندما كان شاباً كان يخوض في النهر لدرجة العوم، ومع ذلك فقد كانت المياه صافية لدرجة أنه كان ما يزال قادراً “على رؤية السرطانات في القعر” على حد قوله.

بدأ فاولر عمله في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وذلك عندما أصبح مفوض مقاطعة كالفيرت، ولاحقاً عندما خدم في مجلس الشيوخ في الولاية، حيث اشترك في عدة دعاوى قضائية أرغمت الولاية ووكالة حماية البيئة (EPA) على اتخاذ إجراءات لمكافحة التلوث. خلال فترة إدارة أوباما، فرضت وكالة حماية البيئة معايير جديدة للتنظيف على المحطات الكبيرة لمعالجة المياه الملوثة على نهر باتوكسينت. وعلى الرغم من هذا، ما زال النهر والخليج ملوثين، بسبب زيادة السكان. يقول فاولر: “الجميع يرغبون بالسكن في منطقة الخليج”.

قام بين كروك، متدرب في ناسا لفترة الصيف بعمر 17 سنة، والمؤلف الأساسي للدراسة، بإمضاء جزء من الصيف مقارناً بيانات فاولر مع صور الأقمار الاصطناعية. وقد قام مع زملائه بتفحص بيانات من أداة على متن القمر الاصطناعي تقوم بقياس ألوان الضوء المختلفة التي تنعكس عن المواد المعلقة ضمن الماء. وبالتحديد، الضوء الأحمر المنعكس عن الرواسب المعلقة في الماء، والتي تجعله يبدو عكراً. ومن ثم قاموا بتطوير نموذج رياضي للربط ما بين كمية الضوء الأحمر المنعكس وعمق رؤية الحذاء الرياضي الذي قاسه فاولر.

صورة فضائية لنهر باتوكسينت
ناسا

يأمل فريق ناسا بتحسين الخوارزمية، وربما تحديد العمق الأعظمي للقياس بطول فاولر، 183 سم، تكريماً له. وترحب ناسا بالمزيد من المساهمات المجتمعية. يقول لاكلان ماكينا، أخصائي بالمسح المحيطي في مركز غودارد للتحليق الفضائي التابع لناسا، والمؤلف المشارك في الدراسة: “إذا كان لديك زوج من الأحذية الرياضية البيضاء القديمة، وقمت بارتدائها أو ربطها بخيط، وأخذت بعض القياسات، فقد يساعدنا هذا على بناء مجموعة من البيانات، وتحسين الخوارزمية”.

اكتشف فريق ناسا أيضاً أن جودة مياه النهر تتغير مع الفصول. حيث تحقق أفضل صفاء في شهور الشتاء، حيث يكون الجريان أصغرياً، ما يعني كمية أقل من الرواسب، ونمواً أقل للعوالق. أما في أواخر الربيع وأوائل الصيف، تصبح المياه في أعكر حالاتها، بسبب وفرة الطحالب والرواسب. كما يلعب التلوث دوره أيضاً.

يقول فاولر: “لقد تحسنت الأوضاع، وأصبحت الأسماك والسرطانات والمحار في حال أفضل. كل هذه دلالات جيدة، ولكن هذا لا يعني أنه يجب أن نخفف من جهودنا. سيستغرق تنظيف هذا الخليج وقتاً طويلاً”.

بعد آخر عملية خوض في المياه، فعل فاولر ما يفعله كل سنة. حيث أخذ حذاءه الرياضي إلى الخارج، وغسله بخرطوم الحديقة، وتركه ليجف في الشمس. ومن ثم وضعه في زاوية الخزانة بانتظار السنة القادمة.

استمر فاولر بارتداء أول حذاء رياضي لمدة 20 سنة قبل أن يهترئ. ودام حذاؤه الثاني ثماني سنوات. أما حذاؤه الحالي، فقد اشتراه منذ سنتين. ويقول: “أعتقد أنني أستطيع أن أرتديه لمدة خمس سنوات إضافية”. يحاول فاولر إقناع ابنه البالغ من العمر 56 سنة أن يتابع عمله عندما يحين الوقت، ويقول: “لكنه لم يخبرني بعد بموافقته أو رفضه”.

على أي حال، ينوي فاولر أن يستمر بالخوض في المياه في شهر يونيو من كل سنة، “ما دامت العناية الإلهية تسمح بذلك”.

error: Content is protected !!