Reading Time: 3 minutes

صحيحٌ أننا بدأنا نحلم بالمريخ مع وصول مسبار إنسايت السطحي إلى وجهته، ولكن قبل أن ننضم إليه في رحلته البعيدة، ما زال هناك الكثير مما يجب فعله هنا لفهم كيفية تعايش البكتيريا والبشر معاً في الفضاء. وقد اكتشف الباحثون انتشار الكثير من أنواع البكتيريا على متن محطة الفضاء الدولية، التي تؤمِّن ظروفاً مناسبة للحياة بشكل اصطناعي، وهناك دراسة جديدة من باحثين في مختبر الدفع النفاث التابع لمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا تركِّز على بعضها، وتحديداً السلالات التي يُحتمل أنها معدية من بكتيريا “الأمعائية Enterobacter” التي تلحق برواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية.

لا داعي للذعر، فليس هناك أي سلالة بين جميع سلالات الأمعائية التي عثروا عليها يمكن لها أن تتسبب في المرض لرواد الفضاء، ولكن الدليل العلمي على قدرة هذه الأنواع من البكتيريا على الازدهار هناك قد يساعدنا على تحسين أساليبنا التي نلجأ إليها لجعل محطة الفضاء الدولية وغيرها من المركبات الفضائية آمنة للبشر.

يقول نيتين سينج (المؤلف الأول للدراسة) في بيان قدَّمه مختبر الدفع النفاث إلى بوبساي: “إن فهم كيفية نمو الحياة الميكروبية في بيئة مغلقة (مثل محطة الفضاء الدولية) قد يساعدنا على الاستعداد بشكل أفضل للمشاكل الصحية التي يمكن أن ترافق السفر في الفضاء”.

وتعتبر بكتيريا الأمعائية شائعة بين أصناف البكتيريا، وغالباً ما تتواجد سلالات حميدة منها في جهازنا الهضمي، إضافة إلى التربة والماء. وعلى الرغم من أن معظمها غير ضار، توجد على الأقل مجموعة صغيرة من السلالات من هذه البكتيريا قادرة على إيذاء الجهاز التنفسي وغيره من الأنظمة العضوية لدى البشر.

وقد قام الباحثون بتحليل خمس سلالات معزولة من الأمعائية تم جمعها من محطة الفضاء الدولية في 2015 ضمن سلسلة تجارب أجراها مختبر الدفع النفاث (نُشرت دراسة أخرى مؤخراً حول بكتيريا المكورات العنقودية staphylococcus). ووجدوا أن أربعة سلالات قد أتت من “مقصورة المخلفات والنظافة الشخصية” (حيث يلبي رواد الفضاء نداء الطبيعة)، والخامسة من منطقة التمارين الرياضية. وقام الباحثون بتحليل الجينوم لكل من هذه السلالات وقارنوها مع جينومات عينات السلالات الموجودة على الأرض -التي يتجاوز عددها 1200 سلالة مختلفة- لدراسة مدى التشابه معها.

ووجد الباحثون أن سلالات محطة الفضاء الدولية أقرب ما تكون إلى ثلاث سلالات من الأمعائية من فصيلة bugandensis، وهي بكتيريا قد تسبب المرض. وعلى الرغم من أن جميع سلالات محطة الفضاء الدولية لا تستطيع أن تتسبب في المرض حالياً، فقد استنتج الباحثون وجوب مراقبتها لأن أمعائية bugandensis تسبَّبت في المرض على الأرض سابقاً.

وتعتبر هذه الدراسة جزءاً من مشروع كبير أطلقه مختبر الدفع النفاث لفهم الحياة الميكروبية على متن محطة الفضاء الدولية وأرشفتها، حيث يقول سينج: “تبيِّن لنا هذه الدراسة أهمية مراقبة المحتوى الميكروبي لمحطة الفضاء الدولية؛ فمراقبة نمو الميكروبات وتكيفها تسمح لنا باتخاذ إجراءات أفضل لحماية صحة رواد الفضاء، وتحديد المكان والوتيرة المناسبَين لعمليات التنظيف المطلوبة لأقسام مختلفة من المحطة”.

ويقول سينج إن أهمية النظافة تزداد في الفضاء؛ لأن “النظام المناعي البشري يتعرض إلى الكثير من الإجهاد في الفضاء”، وهذا ما يعني أن البكتيريا غير المتوقعة -أو أية مقادير صغيرة من البكتيريا التي لا يمكن أن تصيب أي شخص سليم على الأرض بالمرض- قد تؤدي إلى آثار مضخمة.

ويقول ديفيد كويل (وهو أخصائي في البيولوجيا الميكروية من جامعة كاليفورنيا ديفيس، وقد أجرى الدراسة على بكتيريا محطة الفضاء الدولية): “أعتقد أن مخاوفنا من البكتيريا على متن محطة الفضاء الدولية لا تختلف عن مخاوفنا من البكتيريا في المستشفيات”؛ حيث إن البكتيريا الطبيعية غير موجودة في بيئة محطة الفضاء الدولية، تماماً مثل المستشفيات، وذلك بسبب عمليات التنظيف، مما يترك مجالاً لاستقرار البكتيريا الضارة، كما أن البشر أنفسهم هم مصدر هذه البكتيريا التي يمكن أن تتسبب في الأذى.

وإضافة إلى هذا، فنحن لم نفهم البكتيريا على الأرض بشكل فعلي، مما يعني أن أي بحث جديد قد يقدم معلومات جديدة تماماً في هذا المجال، وهذه المعلومات قد تكون أساسية للسفر الفضائي. يقول سينج: “لا يمكن تحقيق أحلام البشر باستكشاف الفضاء دون فهم عالم الميكروبات المحيط بنا، فدراسة هذه العلوم جزء هام من الاستعداد للمستقبل”.

ويتوقع كويل أننا قد نقوم يوماً ما بزرع محتوى ميكروبي محضَّر سابقاً في محطة الفضاء الدولية والمركبات الفضائية بحيث نأخذه معنا إلى النجوم، حتى يقوم بدعم صحة رواد الفضاء، ويتفوق على السياسات الحالية القائمة على القضاء على جميع أنواع البكتيريا قدر الإمكان، ويقول: “لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، حيث إننا لا نمتلك المعرفة الكافية لهذا”، ولكن من يدري ما يخبئه لنا المستقبل؟