Reading Time: 4 minutes

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، أُصيب أكثر من 1000 شخص في جمهورية الكونغو الديمقراطية بفيروس الإيبولا منذ أغسطس 2018، وتوفي 629 شخصاً حتى الأحد الماضي بسبب الحمى النزفية التي تركزت في إقليمي شمال كيفو وإيتوري. وتعد هذه ثاني أسوأ نوبة انتشار للإيبولا بعد تلك التي ظهرت في غرب أفريقيا عام 2014 وأصيب فيها أكثر من 26 ألف شخص وتوفي فيها نحو 11300 شخص على مدار عامين.

إليكم ما تحتاجون معرفته:

ما هي آلية عمل فيروس الإيبولا؟

الإيبولا عبارة عن مجموعة من الفيروسات التي يبدو أنها تنتقل من الوطاويط إلى البشر وغيرهم من الرئيسيات مثل القردة والشامبنزي. وهي تنتقل عبر سوائل الجسم، مثل الدم والبراز والقيء والبول وحليب الثدي والمني. ويمكنها أن تدخل إلى جسم الشخص عبر الجروح في الجلد أو عبر الأغشية المخاطية، وهي الأنسجة التي تبطن العينين والأنف والفم ومجرى البول والمهبل. في البداية، قد تبدو الإصابة بالإيبولا كإنفلونزا عادية، وتشمل أعراضها الشعور بالإرهاق والألم ومشاكل في الرؤية وألم في البطن. لكن في معظم المرضى، تتفاقم عدوى الإيبولا سريعاً إلى حمى نزفية كاملة، والتي تؤدي إلى حدوث نزيف وقصور في أعضاء الجسم، وتؤدي في الكثير من الحالات إلى الوفاة.

يمكن أن ينتشر فيروس الإيبولا عبر التلامس الجسدي العادي جداً مع الشخص المصاب، لكن من السهل الإصابة به أيضاً عند التعامل مع جثث الموتى. في الوباء الذي ضرب غرب أفريقيا في 2014-2016، كان ذلك سبباً كبيراً من أسباب انتشار المرض، حيث عانى الأطباء ومسؤولو الصحة العامة في محاولة إقناع السكان بتجنب محاولة لمس الموتى بشكلٍ مباشر من أجل منع انتشار العدوى.

ومن الممكن أن ينجو المصاب بالإيبولا، لكن هذا أمر صعب. وفي العادة يعمل الأطباء على تقديم عناية مركزة عامة للحفاظ على ثبات حالة المريض حتى يختفي المرض. ويشمل ذلك الحقن بالسوائل الوريدية والتزويد بالأكسجين وعمليات نقل الدم. وتختلف كل نوبة انتشار عن الأخرى، لكن نسبة الوفاة بين المصابين بلغت مستويات وصلت إلى 90 في المائة، بمعدل وفيات إجمالي يصل تقريباً إلى شخص من كل شخصين.

ما تعلمناه من نوبة الانتشار التي ضربت غرب أفريقيا هو أن فيروس الإيبولا يجيد التخفي. فهو يحتاج في العادة من ثمانية إلى 10 أيام لكي تبدأ أعراضه في الظهور، لكن إحدى الدراسات التي أجريت عام 2016 وجدت أن ما يصل إلى 25 في المائة من الحالات لا يتم اكتشافها. وهو ما يعني أن عدداً كبيراً من المرضى الذين لا تظهر عليهم أي أعراض، يشكلون خطراً على الغير دون أن يعرف أحد.

مقارنة بين نوبة الانتشار الأولى وهذه النوبة

“لقد بات الأمر يدعو للقلق الآن” هكذا صرحت كارين هستر، مديرة مكتب “أطباء بلا حدود” في جمهورية الكونغو الديمقراطية في حديثها إلى المدونة الصوتية “جلوبال ديسباتشز” التابعة للأمم المتحدة الأحد الماضي. حيث أوضحت أن 40 في المائة من الحالات الجديدة هم أشخاص يموتون في أماكنهم، ما يعني أنهم لا يذهبون إلى العيادات وإنما يعالجون في منازلهم، ما يعني أيضاً أنهم ربما يصيبون أصدقاءهم وعائلاتهم بالعدوى. وتضيف هستر أن الكثير من المرضى ليس لديهم “صلة معروفة” بشخص آخر مصاب بالإيبولا. وربما يكون هذا بسبب ضعف إجراءات التتبع لدى مكاتب الصحة العامة، لكنه قد يعني أيضاً أن هناك عوامل أخرى، كأن يكون هناك مرضى بلا أعراض ينشرون المرض دون أن يعرف أحد بذلك. وقالت هستر: “إن الأمور ليست تحت السيطرة. ولم تعد طريقتنا في التعامل مع المرض اليوم مجدية”.

وقد أشارت افتتاحية دورية “نيتشر” الصادرة يوم الجمعة الماضي إلى هذه المخاوف. حيث جاء فيها أن “هناك تأخير في تشخيص الحالات الجديدة، وهو ما يعني إتاحة الكثير من الوقت أمام الفيروس لينتشر. ومن أهم الأسباب في ذلك نقص الثقة”. وقد أفاد علماء الأنثروبولوجيا الذين حاولوا تقييم توجهات الجماعات المصابة أنهم ينظرون إلى الإيبولا على أنه “خطة حكومية لتهميش الشعب” أو طريقة يتبعها المسؤولون ذوو النفوذ أو الأجانب للاستفادة من المرضى، وفقاً لما جاء في الافتتاحية. وما يؤدي إلى المزيد من التفاقم هو الوضع السياسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تعاني من صراعات داخلية مسلحة منذ عقود. وكما أفادت هستر في حديثها إلى مدونة جلوبال ديسباتشز الصوتية، فإن المنشأة التي تديرها منظمة أطباء بلا حدود لعلاج الإيبولا قد احترقت جزئياً في فبراير عقب هجوم قام به “مجهولون”، وهو ما أضعف قدرة المنظمة على الاستجابة للأزمة.

هذا النقص في الثقة وفي المعلومات أمر خطير. فالوباء لا يزال في أيامه الأولى، لكنه تسبب في وفاة 629 شخصاً من بين أكثر من ألف مصاب اكتُشفت إصابتهم، وهو ما يعني معدل وفيات يقترب من 60 في المائة. ورغم أن الأمم المتحدة وأطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات تكافح من أجل احتواء انتشار المرض، فلا يبدو أن نوبة الانتشار هذه ستتوقف قريباً.

لماذا لا يوجد لقاح؟

في الواقع، يوجد لقاح. فمنذ الوباء الذي ضرب غرب أفريقيا، اجتهد العلماء في تطوير لقاح من شأنه منع انتشار الإيبولا. وقد كان شديد الفعالية في التجارب، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن ما يقرب من 100 ألف من المواطنين وعمال المساعدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية والبلدان المجاورة لها قد تلقوا هذا اللقاح. وجاء في بيان صحفي صادر عن منظمة الصحة العالمية أن “التحليل المستقل لبيانات التحصين يفيد بأن اللقاح يحمي ما لا يقل عن 95 في المائة ممن حصلوا عليه في وقت مناسب”.

لكن اللقاحات مجرد تدابير وقائية، فهي لا تحمي الشخص إلا إذا كان قد حصل على اللقاح قبل تعرضه للمرض. ولا يتوقف الأمر على تحصين شخص واحد. فمع مرض شديد العدوى كهذا، نحتاج إلى تحصين الأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء، فيما يشبه نوعاً ما “المناعة الجماعية” اللازمة لوقف انتشار الحصبة في المدارس الابتدائية. وتحقيق هذه المستويات الكاملة من التحصين هو أمر صعب في ظل خلفية من المعلومات المغلوطة وانعدام الثقة والأوضاع الاقتصادية الضعيفة دوماً لبرامج الصحة العامة. (على سبيل المثال، طلبت منظمة الصحة العالمية 148 مليون دولار لتمويل استجابتها لهذه الأزمة خلال الأشهر الستة القادمة، وحتى يوم السبت الماضي، لم تتلق سوى 74 مليون دولار).

هل علي أن أقلق؟

كلا. إن الإيبولا فيروس خطير، لكن طريقة الإصابة به تتطلب درجة من القرب الحميمي، ومن ثم، فمن غير المحتمل أن ينتشر الفيروس عالمياً. وخلال نوبة الانتشار التي حدثت في 2014، فرض الأمريكيون حجراً صحياً “غير علمي” على العاملين بمجالات الصحة من العائدين من غرب أفريقيا. حدث ذلك بسبب إصابة ممرضتين في تكساس بالإيبولا في أثناء علاجهن لرجل من ليبيريا كان قد أصيب بالمرض في الخارج. توفي المريض، لكن الممرضتين كتبت لهما النجاة. وقد أصيب أيضاً كريج سبنسر، أحد أعضاء منظمة أطباء بلا حدود، وشخصت إصابته في الولايات المتحدة بعد عودته من عمله في علاج المرضى في غينيا، لكنه نجا كذلك.

في النهاية، فإن المخاوف بشأن نوبة الانتشار هذه لا تتعلق إلا بمن يعيشون في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومن يقدمون لهم خدمات الرعاية الصحية هناك. ولا يعني هذا أنه أمر غير مهم، وإنما يعني أن علينا أن نستجيب لهذه الأزمة بسرعة لمنع انتشار المرض على نطاق أوسع.