Image

من الصعب توقع مدى تفشي التهاب النخاع الشوكي الرخو الحاد في المستقبل القريب

Bread assortment يعتبر فيروس (EV-D68) المشتبه به الرئيسي في ظهور مرضٍ غامض وحديثٍ نسبياً يسبب الشلل، يسمى «التهاب النخاع الشوكي الرخو الحاد - Acute Flaccid Myelitis». حقوق الصورة: سينثيا غولدسميث ويتينغ تشانغ، مركز مكافحة الأمراض

في عام 2014، لاحظ الأطباء في ولايتي كولورادو وكاليفورنيا ظهور حالات لمرضٍ شبيه بشلل الأطفال، من أعراضه ضعف الأطراف وتشوهات في الحبل الشوكي. قام الباحثون بتسمية هذا المرض «التهاب النخاع الشوكي الرخو الحاد»، وكان الاعتقاد الشائع أن السبب فيه عدوى فيروسية.

وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، حاول الباحثون اكتشاف الفيروس المسؤول عن حدوث هذا المرض، والآلية التي يعمل بها، ومعرفة سبب ظهور أعراض الشلل على بعض الأطفال، بينما لا يصاب بها أطفال آخرون.

من شأن هذا النوع من الأبحاث الاستقصائية عن المرض مساعدة الباحثين على تقديم علاجات تحد من انتشاره، فإجابة كل هذه الأسئلة هي مفتاح النجاح في استجابة المنظومة الصحية للمرض بشكلٍ فعال.

تقول «بريا دوجال»، مديرة برنامج علم الأوبئة الوراثية في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة: “إذا استطعنا اكتشاف الفيروس المُسبب للمرض، فسيصبح بإمكاننا تطوير لقاحات للوقاية منه”.

من المهم أن يكتشف الباحثون آلية عمل الفيروس، ولو فشلنا في فهمها، فقد يعيد التاريخ نفسه، ونُفاجأ بتفشّي عدوى فيروسية جديدة.

صلة فيروس (EV-D68) بانتشار المرض

ينتمي الفيروس المشتبه به في التسبب بمرض التهاب النخاع الشوكي الرخو الحاد لجنس الفيروسات المعوية غير المُسببة لشلل الأطفال. حيث من الشائع حدوث العدوى بهذه الأنواع الفيروسية، وعادةً ما تسبب أعراضاً خفيفة شبيهة بالبرد.

تم رصد فيروسات بعينها، تنتمي لهذه الفئة على مر السنين الماضية، ولوحظ ظهور المرض بشكلٍ مفاجئ في نفس الأماكن التي نعثر فيها على هذه الفيروسات، وعلى وجه التحديد يحدث ذلك مع فيروس يُعرف باسم (EV-D68).

تم اكتشاف أن فيروس (EV-D68) بإمكانه التسبب في ظهور أعراض الشلل في الفئران، وهو ما يمثل خطوة أخرى في محاولات تحديد الفيروس المُسبب للمرض. «قد نستنتج من ذلك أن هذا الفيروس قادرٌ على التسبب في حدوث هذا المرض»، هذا ما أكدته دوجال.

معدل الإصابة بالمرض

لاحظ الباحثون كذلك حدوث طفرة في زيادة أعداد الحالات المصابة بالمرض كل عامين، وذلك منذ عام 2014. ويبدو أن عدد الحالات آخذٌ في الارتفاع، رغم أن ذلك قد يرجع إلى الزيادة في الإبلاغ عن الحالات المكتشفة. يقول «كيفن ميساكار»  طبيب وباحث لأمراض الأطفال المُعدية في مستشفى الأطفال في كولورادو: «يعتبر العثور على مثل هذا الارتباط الزمني والجغرافي جزءاً من اللغز. فقد لاحظنا تزامن انتشار كلاً من فيروس (EV-D68) ومرض التهاب النخاع الشوكي الارتخائي الحاد في أعوام 2014 و2016 و2018».

لكن يظل هذا الارتباط وحده غير كافٍ لإثبات أن هذا الفيروس يتسبب في حدوث المرض. ويشير ميساكار إلى أن الخطوة التالية تتمثل في إيجاد نموذج حيوي، يصلح لمحاكاة ظروف الإصابة بالمرض لمحاولة التنبؤ بأماكن تفشي العدوى القادمة ومدى الخطورة التي قد تصل إليها.

لاحظ الباحثون زيادة حالات الإصابة في أعوام 2014 و2016 و2018، لكن يظل من الصعب مقارنة الحالات المكتشفة عاماً بعام. ومع ارتفاع مستوى الوعي بالمرض، يزيد عدد الحالات المبلغ عنها؛ لذا فربما ترجع زيادة عدد الحالات إلى زيادة القدرة على تشخيص المرض، لا أكثر، وليس لزيادة فعلية في عدد الحالات المصابة. فلا يعني هذا بالضرورة أن عدد الحالات سيستمر في الارتفاع.

يقول ميساكار: «لا نعرف ما الذي سيحدث في المستقبل، توجد فرص جيدة لعودة المرض للظهور في 2020. وقد تقتصر تلك العودة على إصابة بضع مئات من الحالات، وربما تعود بشكلٍ أكبر من ذلك أو أقل».

صعوبة اكتشاف الفيروس

من الصعب العثور على الفيروس في المرضى الذين تم تشخيصهم بالتهاب النخاع الشوكي الرخو الحاد، فلم يتم اكتشاف الفيروس إلا في بضع حالات فقط.

يُرجع ميساكار ذلك لوجود فارق زمني بين ظهور الأعراض في الجهاز التنفسي للمرضى وبداية ظهور أعراض الشلل لديهم. لذا عندما يتم تشخيص المرض، ويبدأ الأطباء في البحث عن الفيروس المُسبب، عادةً ما يكتشفون أنه قد اختفى.

لا يعد هذا الأمر نادر الحدوث بين الفيروسات التي تصيب الجهاز العصبي. حيث يؤكد ميساكار أنها ظاهرة معروفة. فهذا ما يحدث بالضبط عند إصابة الجهاز العصبي المركزي بفيروس غرب النيل: ولكي نُشخِّص الحالات المصابة به، يتعيّن البحث عن الأجسام المضادة للفيروس في السائل المحيط بالنخاع الشوكي للمريض، بدلاً من البحث عن الفيروس مباشرة. وهناك محاولات جادة الآن لتطوير اختبار تشخيصي مُماثل يصلح للكشف عن هذا المرض. وبالطبع سيمثل ذلك خطوة هامة لتحديد الفيروس المُسبب له.

هل الفيروس مجرد محفز لظهور المرض؟

تقوم دوجال بإجراء فحوص وراثية للمرضى ولأفراد أسرهم في محاولة لمعرفة سبب ظهور أعراض الشلل على بعض الأطفال فقط، بينما لا تظهر في مصابين آخرين بالفيروس. فقد يُصاب شقيقان بالفيروس، لكن أحدهما فقط قد تظهر لديه أعراض الشلل.

تقول دوجال: “يدفع ذلك الكثيرين مثلي للقول بأن الفيروس مجرد مُحفز لظهور المرض”.

وترى كذلك أن الفهم الكامل للمرض يتطلب التكامل بين تخصصات مختلفة. «يعتمد الأمر على أن تتجمع لدينا خبرات كافية للإلمام بكل أجزاء اللغز؛ لذا يجب الاستعانة بالأشخاص المناسبين، والاشتراك معهم في محاولة لإيجاد حلول بشكل جماعي».

ما هي الخطوة التالية؟

يشير ميساكار إلى أن محاولة إثبات تسبب فيروس محدد في حدوث هذا المرض بشكلٍ قاطع، أمرٌ صعب التحقيق. ويقول: «يعتقد العديد من الباحثين ممن قاموا بدراسة هذا الموضوع منذ 2014 أن لديهم أدلة قوية تكفي لإعلان أن هذا هو السبب المرجح لظهور المرض».

ويرى ميساكار كذلك أن الأبحاث التي تم إجراؤها في السنوات القليلة الماضية، زادت من فهمنا لمرض التهاب النخاع الشوكي الارتخائي الحاد، لكن ما زال هناك المزيد من العمل الذي يتعين علينا القيام به.

ومع استمرار العمل على تحديد الفيروس المسبب للمرض بشكل حاسم، من المهم كذلك العمل على إيجاد طرق لعلاج المرض وإيقاف انتشار أعراضه.  يقول ميساكار: «نحن بحاجة إلى إبقاء أعيننا مفتوحة، والقيام بكل ما يمكن عمله، حتى نكون مستعدين في حال عاد هذا المرض للظهور مجدداً».

error: Content is protected !!