Reading Time: 3 minutes

التنبؤ بأي شيءٍ لأكثر من بضعة أشهر في خضمّ جائحة عالمية قد يكون أمراً صعباً، لكن البيانات المتوفرة عبر قرونٍ من الزمن تخبرنا بأن هذه الجائحة ستنتهي، إلا أن نهايتها لا تعني اختفاء الفيروس إلى الأبد، كما تُعلمنا سنوات عديدة من الخبرة أنه من الصعب للغاية القضاء على مرضٍ معدٍ حتى لو ابتكرنا له لقاحاً ذو فعاليةٍ عالية. نُشرت مؤخراً دراسة في دورية «ساينس» تشير إلى أن فيروس كورونا يمكن أن يتحول خلال السنوات القليلة المقبلة إلى مرضٍ موسمي؛ على غرار نزلات البرد الشائعة، أو في أسوأ الأحوال؛ سيكون أشبه بالإنفلونزا الموسمية.

لقد نظر الباحثون في كيفية سلوك الفيروسات التاجية الأخرى؛ في محاولةٍ منهم للتنبؤ بسلوك فيروس كورونا الجديد بشكلٍ أفضل خلال السنوات القادمة. في الواقع، فيروس كورونا ليس أول فيروسٍ تاجي يصيب البشر؛ فوفقاً للعلماء، هناك 6 فيروسات تاجية تصيب البشر بالأمراض؛ تسبب 4 منها نزلات البرد -أغلبها مرضٌ تنفسي حميد- بينما يسبب الفيروسان الباقيان (سارس وميرس) أمراضاً أكثر فتكاً بكثير.

وفي حين أننا استطعنا احتواء السلالتين الفتاكتين الأخيرتين، ولم تنتشرا عبر العالم بنفس السرعة التي انتشر فيها فيروس كورونا، فقد أصبحت السلالات الأربعة الأخرى مستوطنة بشكلٍ دائم، وتصيب السكّان بشكلٍ منتظم، وتنتشر بسهولةٍ بالغة لا تسمح لنا باحتوائها.

توقع سلوك فيروس كورونا

في تفاصيل الدراسة، استخدم الباحثون خصائص الفيروسات التاجية المستوطنة الأربعة لنمذجة سلوك فيروس كورونا المتوقع خلال السنوات القادمة، وقد كانت إحدى السمات الرئيسية التي درسوها مدى شدة تأثير المرض على الأطفال. عادةً ما يمتلك الأطفال دون سن الخامسة مناعةً قوية، وعادةً ما يُصابون بنزلات البرد خلال هذه المرحلة لأول مرة، ومع مرور الوقت، كلما زاد تعرضهم للفيروسات، تصبح استجابتهم المناعية أفضل وتقل حدة الإصابة، وبعد أن يكبروا عدة سنوات، يكون جهاز المناعة لديهم قد اكتسب خبرةً في التصدي للفيروسات بعد إصابته بها عدة مرات. بالنسبة للجائحة الحالية، كان فيروس كورونا جديداً على الجميع، ونظراً لأن جهاز المناعة يضعف مع التقدم بالعمر، كان كبار السن هم الفئة الأكثر عرضةً للإصابة بمضاعفات مرض كوفيد-19.

تتوقّع الدراسة أنه بمجرّد أن يتعرّض الجميع للفيروس -آملين أن يكون ذلك من خلال التطعيم وليس بسبب العدوى المباشرة- يمكن أن يتحوّل فيروس كورونا الجديد في النهاية إلى فيروسٍ مستوطنٍ شبيهٍ بالفيروسات التي تسبب نزلات البرد، وسيؤثر بشكلٍ أساسي على الأطفال دون سن الخامسة على شكلٍ مرضٍ خفيفٍ حميد.

من المستحيل بالطبع التنبؤ بما سيحدث في المستقبل، لكن بعض البيانات الحالية تدعم هذا النموذج. بالرغم من جودة لقاحات الرنا المرسال الجديدة، إلا أن أياً منها ليس فعّالاً بنسبة 100% في الوقاية من فيروس كورونا. لقد ذكرنا سابقاً أنه من الممكن أن يتم تطعيم شخصٍ باللقاح ويصبح محصناً ضد المرض، ومع ذلك، يمكن له حمل الفيروس ونشره؛ حيث قال «جيفري بينوثي»؛ أستاذ علم الأحياء الدقيقة والمناعة والطب الاستوائي في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة جورج واشنطن في حديثه لنا: «ليس من المستبعد أن يكون لدينا لقاحٌ يحمينا من مضاعفات الإصابة بمرض كوفيد-19، ولكن ما يزال من الممكن أن تصاب بالفيروس وتنشره دون أن تظهر عليك أي أعراض».

لقد كانت لقاحات موديرنا وفايزر فعّالة بنسبة 100% في المراحل الأخيرة من التجارب السريرية في الوقاية من الأشكال الشديدة من كوفيد-19؛ مما يشير إلى أن التعرّض لفيروس كورونا يؤدي إلى تخفيف حدّة المرض إذا تمت الإصابة به مجدداً، كما تدعم بيانات معدّلات الإصابة ذلك أيضاً؛ حيث يدرس الباحثون مدى شيوع الإصابة بكوفيد-19 مرتين، وتبين لهم أنه نادرٌ نسبياً، وإن حدث بالفعل، تكون الإصابة الثانية أكثر اعتدالاً من الإصابة الأولى بشكلٍ عام.

سيستغرق فهم المناعة طويلة المدى ضد مرض كوفيد-19؛ سواء التي نكتسبها من العدوى أو اللقاح، عامين على الأقل. بالرغم من وجود بياناتٍ جيدة حالياً تشير إلى أن المناعة تدوم لما يزيد عن 8 أشهر، لكن العلماء لا يستطيعون الجزم بذلك على وجه اليقين. ستعتمد خطورة الفيروس في السنوات القليلة المقبلة على استجابتنا المناعية الجمعية له إلى حدّ كبير، ومع ذلك، هناك أمرٌ مؤكد؛ وهو أن أفضل طريقةٍ للخروج من هذه الجائحة هي المناعة واسعة النطاق، والتطعيم الشامل هو أفضل وسيلةٍ متاحةٍ لإنقاذ الأرواح وتوليد هذه المناعة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.