Reading Time: 5 minutes

على ضوء تطلعات وكالة ناسا وأشخاص مثل «إيلون ماسك» للسفر إلى المريخ، فإن الرحلات الفضائية طويلة الأمد آتية لا محالة. لكن قد تتفاجأ بأن المركبات الفضائية اليوم ليست أسرع بكثير من المركبات القديمة.

هناك الكثير من الأسباب التي تجعل من المركبات الفضائية الأكثر سرعة خياراً أفضل، وتزويد المركبات بالطاقة النووية هو أحد الطرق التي يمكن بواسطتها تحقيق ذلك.

توفر المركبات التي تعمل بالطاقة النووية فوائد أكثر من تلك التي تعمل على الوقود التقليدي، أو على الطاقة الشمسية، لكن خلال 40 سنة، لم تُنفّذ سوى 8 عمليات إطلاق فضائية تحمل مفاعلات نووية في أميركا.

ومع ذلك، فإن القوانين التي تنظم الرحلات الفضائية التي تعمل على الوقود النووي تغيّرت، وبدأ العمل فعلاً على هذا الجيل الجديد من المحركات التي تعمل على الطاقة النووية.

لماذا الحاجة إلى السرعة؟

أول خطوة في أي رحلة فضائية تتضمن استخدام صواريخ إطلاقٍ لحمل السفن الفضائية إلى مداراتها. ومن المرجح استمرار اعتماد هذه الطريقة بسبب القيود التي تفرضها الجاذبية. لكن تبدأ الأمور بأن تصبح مثيرة للاهتمام عندما تصل المركبات الفضائية إلى الفضاء. وحتى تتغلب هذه المركبات على جاذبية الأرض وتتمكن من الوصول إلى أعماق الفضاء، فإنها تحتاج إلى المزيد من التسارع.

هنا يظهر الدور الذي يمكن أن تلعبه أنظمة الدفع التي تعمل بالطاقة النووية (أنظمة الدفع النووية). فإذا أراد رواد الفضاء الوصول إلى مناطق أبعد من القمر والمشتري، يجب على مركباتهم أن تسافر بسرعات كبيرة جداً. فالفضاء واسع للغاية، وكل ما فيه بعيد.

هناك سببان يجعلان استخدام مركبات أسرع للرحلات الفضائية طويلة الأمد خيارا مفضلاً، وهما: الأمان، ومدة الرحلات.

خلال رحلة إلى المريخ مثلاً؛ سيتعرض رواد الفضاء إلى مستويات عالية من الإشعاع الذي يمكن أن يتسبب لهم بمشاكل صحية خطيرة وطويلة الأمد؛ مثل السرطان أو العقم. يمكن أن تفيد آليات الحماية من الإشعاع في الحد من هذا الخطر، ولكن معدّاتها ثقيلة للغاية، وكلما طالت الرحلة في الفضاء، زادت الحاجة للحماية من الإشعاع. طريقة أخرى لتقليل التعرض إلى الإشعاع هي ببساطة أن تنتهي الرحلة بسرعة أكبر.

سلامة رواد الفضاء ليست الفائدة الوحيدة لاستخدام مركبات أسرع. فحين تستكشف وكالات الفضاء الكون بشكل أعمق، فمن الضروري أن تحصل هذه الوكالات على البيانات بأسرع وقت من خلال مهمات تُنجز بواسطة آلات بدلاً من رواد الفضاء. على سبيل المثال، استغرق الأمر 12 سنة ليصل المسبار فوياجر-2 إلى كوكب نبتون والتقط صوراً رائعة له. لكن لو كان فوياجر-2 يملك نظام دفع أسرع، لكان بإمكان الفلكيين الحصول على هذه الصور والمعلومات التي تحتويها قبل سنوات.

السرعة جيدة، ولكن لماذا أنظمة الدفع النووية هي أسرع؟

أنظمة الدفع المعاصرة

حينما تخرج المركبة الفضائية من مجال جاذبية الأرض، تصبح هناك 3 جوانب مهمة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند مقارنة أنظمة الدفع:

  • الاندفاع: قدرة النظام على تسريع المركبة.
  • الكفاءة: الاندفاع الذي يستطيع النظام توليده مقابل كمية محددة من الوقود.
  • كثافة الطاقة: كمية الطاقة التي يمكن أن تولدها كمية محددة من الوقود.

أما عن أنظمة الدفع الأكثر شيوعاً في الوقت الحاضر، فهي أنظمة الدفع الكيميائي، وهي الأنظمة التقليدية التي تعتمد على إحراق الوقود، وأنظمة الدفع الكهربائي التي تعمل بالطاقة الشمسية.

توفر أنظمة الدفع الكيميائي الكثير من الاندفاع، ولكنها ليست ذات كفاءة عالية، كما أن الوقود التقليدي ليس ذو كثافة طاقية عالية أيضاً. أنتج صاروخ «ساتورن 4» مثلاً -الذي حمل رواد الفضاء إلى القمر- 35 مليون نيوتن من القوة خلال الإطلاق، وحمل 950000 جالون من الوقود. استُهلكت معظم كمية الوقود هذه في إيصال الصاروخ إلى مداره. وبالفعل، فإن القيود التي تفرضها أنظمة الدفع الكيميائي واضحة: نحتاج إلى كمية كبيرة من الوقود لنصل لأي مكان.

تولد أنظمة الدفع الكهربائي الاندفاع باستخدام الكهرباء التي تُولّد من الألواح الشمسية. والطريقة الأكثر شيوعاً للقيام بذلك هي استخدام مجال كهربائي لتسريع الأيونات، مثل محرك الدفع الذي يعمل بتأثير هول. تُستخدم عادة هذه الأنظمة لتزويد الأقمار الصناعية بالطاقة، وبالرغم من أنها قد تكون أكثر كفاءة من الأنظمة الكيميائية بخمس مرات، إلا أنها تنتج اندفاعاً أقل بكثير (3 نيوتن، أي ما يكفي لإيصال سيارة من سرعة 0 إلى 60 ميل بالساعة خلال ساعتين ونصف). كما أن مصدر الطاقة الأساسي الذي يعتمد عليه هذا النظام، وهو الشمس، يصبح أقل إفادة كلما ابتعدت المركبة عنه.

أحد الأسباب التي تجعل المركبات التي تعمل على الطاقة النووية واعدة جداً، هو أن الوقود النووي الذي تستخدمه له كثافة طاقية هائلة. على سبيل المثال، وقود اليورانيوم الذي يُستخدم في المفاعلات النووية له كثافة طاقية تعادل 4 ملايين ضعف الكثافة الطاقية للهيدرازين، وهو نوع من الوقود يستخدم في الأنظمة الكيميائية. وأيضاً، فإن نقل كمية قليلة من اليورانيوم إلى الفضاء أسهل بكثير من نقل آلاف الجالونات من الوقود التقليدي.

لكن ماذا عن الاندفاع والكفاءة بالنسبة لأنظمة الدفع النووية؟

تم بناء أول صاروخ حراري نووي في عام 1967 ويظهر في الخلفية. يوجد في المقدمة الغلاف الواقي الذي سيحمل المفاعل

تم بناء أول صاروخ حراري نووي في عام 1967، ويظهر في الخلفية. يوجد في المقدمة الغلاف الواقي الذي سيحمل المفاعل – مصدر الصورة: ناسا

خياران لأنظمة الدفع النووية

صمم المهندسون نوعين أساسيين من أنظمة الدفع النووية للرحلات الفضائية.

النوع الأول يدعى بـ «نظام الدفع النووي الحراري»، وهو قوي للغاية وذو كفاءة معتدلة.

يستخدم هذا النظام مفاعل انشطار نووي صغير -يشبه المفاعلات التي توجد في الغواصات النووية- لتسخين غاز الهيدروجين مثلاً، ثم يتم تسريع ذلك الغاز من خلال فوهة صاروخية لتوفير الدفع. يقدّر مهندسون من وكالة ناسا أن استخدام نظام الدفع النووي الحراري في رحلة فضائية إلى المريخ يمكن أن يختصر 20 – 25ٌ% من الوقت اللازم لإنجازها باستخدام الأنظمة الكيميائية التقليدية.

تزيد كفاءة الأنظمة النووية الحرارية عن ضعفي كفاءة الأنظمة الكيميائية، مما يعني أنها تنتج ضعفي الاندفاع باستخدام نفس كمية الوقود، كما أنها يمكن أن تنتج اندفاعاً يصل إلى 100000 نيوتن. وهي كمية كافية لإيصال سيارة من سرعة 0 إلى 60 ميل بالساعة خلال ربع ثانية فقط!

النوع الثاني من أنظمة الدفع النووية يدعى «نظام الدفع النووي الكهربائي». ولم يبُنى أيٌ منه حتى الآن. تقوم فكرة عمل هذه الأنظمة على استخدام مفاعل انشطار نووي عالي القدرة لتوليد الكهرباء، والتي تستخدم بدورها لتشغيل نظام دفع كهربائي تقليدي. هذه الأنظمة عالية الكفاءة، تعادل كفائتها حوالي 3 أضعاف كفاءة الأنظمة النووية الحرارية. ونظراً لأن المفاعل النووي ينتج الكثير من الطاقة، فيمكن استخدامه لتزويد عدة أنظمة دفع كهربائية مستقلة بالطاقة، مما يسمح بتوليد الكثير من الاندفاع.

لذا فإن استخدام أنظمة الدفع النووية الكهربائية هو أفضل خيار للرحلات الفضائية طويلة الأمد. وذلك لأن هذه الأنظمة لا تعتمد على الطاقة الشمسية، ولها كفاءة عالية، ويمكنها توليد اندفاع كبير نسبياً. ولكن في حين أن هذه الأنظمة واعدة جداً، هناك العديد من المشاكل التقنية التي يجب حلها قبل استخدامها.

لماذا لم تُصنّع بعد المركبات الفضائية التي تعمل بالطاقة النووية؟

تمت دراسة الأنظمة النووية الحرارية منذ ستينيات القرن الماضي، ولكن لم يرسل أي منها إلى الفضاء بعد.

هناك الكثير من الأسباب التي أعاقت تطوير أنظمة الدفع النووية في الولايات المتحدة؛ مثل نقص التمويل، والتعقيدات القانونية (مثل ضرورة الحصول على عدد كبير من الموافقات من عدة جهات حكومية من بينها الرئيس نفسه، وذلك بالطبع بعد إنجاز دراسات مفصلة لكل مشروع مقترح على حدى من قبل تلك الوكالات). هذه العوامل ساهمت في خلق بيئة غير مناسبة لبناء أنظمة دفع نووية وإرسالها إلى الفضاء.

كل هذا تغير عندما أصدرت إدارة ترامب مذكرة رئاسية في أغسطس/ آب 2019. بالرغم من أن هذه المذكرة تؤكّد على ضرورة إبقاء أنظمة الدفع النووية آمنة قدر الإمكان، إلا أن التوجيه الجديد يسمح للعديد من المشاريع التي تستخدم كميات أقل من المواد النووية أن تتخطى التعقيدات القانونية التي كانت تعيقها من قبل. ويتعين فقط على الجهة الحكومية التي ترعى المشروع (مثل ناسا مثلاً) أن تصادق بأنه يلبي معايير السلامة المطلوبة. بينما ستخضع المشاريع النووية الأكبر إلى نفس العملية التي كانت تخضع لها من قبل.

إلى جانب هذه التعديلات القانونية الجديدة، تلقت وكالة ناسا عام 2019 ما مقداره 100 مليون دولار لتطوير أنظمة الدفع النووية الحرارية. كما أن وكالة المشاريع البحثية الدفاعية المتقدمة (داربا) تعمل أيضاً على تطوير نظام دفع نووي حراري خاص بها.

بعد 60 سنة من الركود، فمن الممكن خلال عقد من الزمن أن تتوجه مركبة فضائية تعمل بالطاقة النووية إلى الفضاء. سوف يؤدي هذا الإنجاز المثير إلى بداية عهد جديد من استكشاف الفضاء، سيصل رواد الفضاء إلى المريخ، وسيحقق العلم اكتشافات جديدة في جميع أنحاء نظامنا الشمسي وخارجه أيضاً.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن